من شدة خوفها عليه في سجون مخابرات السلطة

تقرير عائلة أبو عليا تتساءل: هل ما زال "باسل" حيًّا؟

...
رام الله- غزة/ نور الدين صالح:

"ما بدي أروح على المدرسة، بدي أستنا بابا وأشوفه"، كلمات باتت ترددها يوميًّا الطفلة رحاب أبو عليا (8 أعوام)، التي حرمتها أجهزة مخابرات السلطة في الضفة احتضان والدها باسل أبو عليا وزجته في سجونها.

أكثر من 45 يومًا انقضت حاملة في طياتها جرعات الألم والقهر في قلوب عائلة "أبو عليا"، وأطفاله الخمسة، الذين لم تنقطع الدموع عن وجوههم حزنًا وبكاءً على والدهم باسل الذي تختطفه مخابرات السلطة.

"بدنا نروح على بابا، إحنا عارفين أنه محبوس عند السلطة وهم بضربوه"، حوار يدور بين الأم "سندس" وأطفالها يوميًّا مع طلوع كل شمس قبل ذهابهم إلى مدارسهم، يجعلها تقف صامتة حائرة كيف ترد، لكونها لا تعلم هي كذلك أوضاع زوجها، تقول: "أتمنى أن يسمحوا لنا بزيارته".

واعتقلت أجهزة مخابرات السلطة "أبو عليا" الذي يقطن في بلدة المغير قضاء رام الله، خلال حملة اعتقالات واسعة الشهر الماضي، في إطار ما يؤكد مراقبون أنه قمع للحريات، ومنها السياسية.

كيف اعتُقل؟!

حين دقت عقارب الساعة الثانية عشرة منتصف ليلة التاسع من كانون الأول (ديسمبر) 2019م هاجمت عناصر من مخابرات السلطة بيت "أبو عليا"، لاعتقال باسل، بعد مراقبته عدة أيام قبل الاعتقال، وفق ما تسرد زوجته "سندس" (28 عامًا) لصحيفة "فلسطين".

"منذ اليوم للاعتقال، كانت التهمة "جاهزة" لدى جهاز المخابرات، وهي "الحصول على أموال من منظمات غير مشروعة"، إضافة إلى تُهم أخرى" تضيف سندس.

في اليوم الثاني للاعتقال هاجم عناصر من جهاز مخابرات السلطة بيت عائلة أبو عليا -كما تقول "سندس"- مرة أخرى وفتشوه، وصادروا "رايتين" لحركة المقاومة الإسلامية حماس كانت بحوزة باسل.

وتتابع: "إن المخابرات طلبت من العائلة مبلغًا ماليًّا كبيرًا قدره ثمانية آلاف شيقل، مقابل الإفراج عن "باسل" وإنهاء ملفه اعتقاله، وهو ما أرهق كاهل والد باسل الذي يعمل سائقًا على سيارة (تاكسي)".

الوالد "مُنير" أخذ يدور بين أصدقائه السائقين لاقتراض مبالغ مالية، وصولًا إلى المبلغ الذي طلبته مخابرات السلطة، بهدف الإفراج عن نجله "باسل" وإغلاق ملف اعتقاله كما وعدته الأولى.

واستطاع الوالد تأمين مبلغ ستة آلاف شيقل، وفق إفادة "سندس"، ثم توجه لجهاز المخابرات لدفعها مقابل الوعد بالإفراج عن "باسل"، لكنّها تنصلت من وعدها ولم تُفرج عن "باسل" حتى إعداد هذا التقرير.

وتوضح أن العائلة اضطرت إلى تعيين محامٍ للإفراج عن "باسل"، إذ مدد الاعتقال 15 يومًا إضافية مقابل دفع كفالة قدرها 300 دينار أردني.

بعد انقضاء الـ15 يومًا ودفع الكفالة المالية، عُرض "باسل" على محكمة رام الله، فسألته: "ماذا تريد منك المخابرات؟"، فأجاب: "قالوا لي اعترف أنك جاسوس أو بحوزتك 4 قطع سلاح ويجب تسليمها"، ثم انتهت الجلسة بإغلاق الشباك ومنع "باسل" من رؤية عائلته، ولم يُفرج عنه حتى الآن، كما تروي "سندس".

زيارتان فقط

لم تكتفِ مخابرات السلطة بما سبق، بل حرمت عائلته زيارته في أقبيتها برام الله، سوى مرتين فقط برقابة شديدة.

فمنذ زّج "باسل" في السجن -والكلام لـ"سندس"- سمحت المخابرات لنا بزيارته مرتين فقط، ضمن ما يُعرف بـ"الزيارة الخاصة" تحت مراقبة شديدة.

وتحكي أن الزيارة تكون في غرفة المحقق، وعلى طاولة يجلس فيها اثنان من المحققين بجانب "باسل" بغرض مضايقته وعدم البوح بأسرار تعامل عناصر المخابرات معه داخل السجن، إذ تكتفي العائلة بسؤال واحد: "كيف صحتك يا باسل؟".

وإزاء هذه المعاناة التي يعيشها "باسل" اندفعت عائلته لتنظيم وقفة احتجاجية قرب دوار المنارة وسط مدينة رام الله، لإيصال رسالة نجلها لكل أبناء الشعب الفلسطيني عبر وسائل الإعلام.

مخابرات السلطة حرمت العائلة زيارة "باسل" مُطلقًا بعد تنظيم الوقفة الاحتجاجية، "الآن لا يوجد بيننا زيارات ولا اتصالات نهائيًّا، حتى المحامي ممنوع من زيارته" تقول "سندس".

وتؤكد أن زوجها يُعاني أوضاعًا صحية صحبة، إذ فقد قرابة 20 كيلوجرامًا منذ اعتقاله، مشيرةً إلى أن والدة "باسل" تعاني مرضي الضغط والسكري، واشتدا بعد اعتقال نجلها.

وتبدي تخوّفها من نقل زوجها إلى سجن أريحا، وفق النظام المعمول به في النيابة "أن المعتقل الذي يمضي على سجنه 45 يومًا، يُنقل إلى سجن أريحا".

وتؤكد أن العائلة تواصلت مع المؤسسات الحقوقية للضغط على المخابرات، لمعرفة أوضاع باسل الصحية في السجن، والإفراج عنه.

بقلب يعتصره الألم تختم حديثها: "كل آمالنا الآن أن نطمئن على باسل ونعرف أوضاعه: هل ما زال على قيد الحياة أم لا؟".

تجدر الإشارة إلى أن "أبو عليا" قضى ثلاث سنوات ونصف سنة في سجون الاحتلال، منها 17 شهرًا في الاعتقال الإداري، غير قضائه 45 يومًا في الاعتقال السياسي في سجون السلطة عام 2007م.