تقرير الاعتقال السياسي.. السلطة تُشهر سيفها لقمع معارضي نهجها

...
رام الله-غزة/ يحيى اليعقوبي:

عبر أساليب عديدة في أشكال الاعتقال السياسي بالضفة الغربية، التي تحمل أبعادًا ودلالات تظهر عمق التنسيق والتعاون الأمني بين الاحتلال الإسرائيلي والسلطة، تشهر الأخيرة من خلال هذه الأداة سيفها في قمع الرأي الآخر، وكل من يعارض توجهاتها السياسية.

تستخدم السلطة هذا النوع من الاعتقالات كإحدى الأدوات في الحد من عمليات المقاومة وإحباطها، فدائمًا يثني قادة الاحتلال على دور السلطة في التنسيق مع الاحتلال في إحباط مئات العمليات، ويظهرون حجم التعاون الأمني الكبير بين الطرفين، فالكثير من المعتقلين السياسيين لدى السلطة يعتقلهم الاحتلال، والعكس، ضمن سياسة ما يعرف بالباب الدوار.

إحدى ضحايا الاعتقال السياسي هو الطالب بجامعة بيرزيت محمد ناصر الذي تعرض للتعذيب والتحقيق حول عمله النقابي بالجامعة، لكن التهمة الموجهة إليه هي تلقي أموال، في حين استطاعت عائلة الشاب عثمان نخلة معرفة خبر اعتقاله من مخابرات السلطة بعد عدة ساعات من اختفائه.

لكنه ليس الوحيد، فعام كامل يمضيه الطالب الجامعي مؤمن نزال في سجن وقائي السلطة في منطقة بيتونيا غرب رام الله بالضفة الغربية، رغم صدور ثلاثة قرارات من محكمة الصلح بذات المحافظة بالإفراج عنه، ما يعكس عدم نفوذ حتى القرارات القضائية على أجهزة أمن السلطة.

ومؤخرًا قال رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) نداف أرغمان: إن الجهاز تمكن خلال العام المنصرم من إحباط أكثر من (560) مخططًا لتنفيذ عمليات مقاومة خطيرة، معظمها عمليات إطلاق نار.

وتبدو أرقام حالات الاعتقالات السياسية متقاربة في الأعوام الأخيرة، إذ تظهر الأرقام الصادرة عن لجنة أهالي المعتقلين السياسيين حجم تصاعدها الكبير على أرض الواقع.

اللجنة أفادت في تقرير لها مؤخرًا بأن أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية ارتكبت 4703 انتهاكات بينها 1079 حالة اعتقال في عام 2019م.

وبحسب تقرير اللجنة فقد شهد العام الماضي 1079 حالة اعتقال، و743 استدعاء، و1620 حالة احتجاز، إلى جانب 31 حالة تنسيق أمني مع الاحتلال الإسرائيلي في ملاحقة ومتابعة مواطنين بهدف إحباط عمليات فدائية.

وكانت اللجنة سجلت أكثر من أربعة آلاف انتهاك للأجهزة الأمنية في الضفة الغربية خلال عام 2018، منها 1251 اعتقالًا سياسيًّا و949 استدعاء للتحقيق وأكثر من 400 احتجاز، إضافة إلى مداهمات المنازل وقمع الحريات وقطع رواتب موظفين.

أبعاد سياسية

الكاتب والمحلل السياسي عمر عساف، يرى أن الاعتقالات السياسية تعكس حالة الترصدية والانتقامية والمساس بحق المواطنين والدستور والنظام الأساسي الفلسطيني والتعدي على حقوق المواطنين في التعبير عن الرأي وممارسة نشاطاتهم التي لا تتوافق مع توجهات السلطة السياسية.

يعتقد عساف في حديثه مع صحيفة "فلسطين" أن السبب الأساس والجوهري في استمرار الاعتقال السياسي هو هشاشة السلطة، أي أنها حينما تكون هشة وضعيفة من أي رأي معارض لا يتفق مع توجهاتها فإنها تلجأ للاعتقال، وكذلك بسبب تغول الأجهزة الأمنية بالضفة على الحال الفلسطينية، ما يحبط الفلسطينيين في التصدي للمشاريع المطروحة التي تهدد القضية الفلسطينية، كصفقة القرن.

ويلفت إلى أن الاعتقالات تضرب وحدة المجتمع الفلسطيني، وهذا ما يعكس عدم جدية السلطة في المصالحة وإجراء الانتخابات الفلسطينية، خاصة أن السلطة تعلن جهارًا نهارًا أنها لن توقف التنسيق الأمني، حتى بات يعد أحد الثوابت في سياسات السلطة.

بحسب عساف، فإن تأثير الاعتقالات السياسية لا يتوقف عند انتهاك حرية الرأي للمواطنين، بل يلحق ضررًا كبيرًا بالمقاومة في الضفة ويؤدي إلى تقديم معلومات للاحتلال عن كثير من عملياتها، مشيرًا إلى أن الاحتلال دائمًا يتحدث عن إحباط مئات العمليات سنويًّا بسبب دور السلطة في التنسيق الأمني.

مخالفات قانونية

المخالفات والتجاوزات القانونية التي ترتكبها أجهزة أمن السلطة بشأن الاعتقالات السياسية عديدة، يتحدث عنها المحامي المتخصص في هذه القضايا مهند كراجة، مبينًا أن أول هذه الانتهاكات يتمثل في عدم وجود محاكمة عادلة للمعتقلين السياسيين، وعدم الإفصاح عن وجود عملية اعتقال، ولا يقوم الجهاز الأمني بإخبار عائلة المعتقل باعتقال ابنهم.

ويقول كراجة لصحيفة "فلسطين": إن" أجهزة أمن السلطة لا تلتزم بقانون إجراءات الضابطة العدلية، الذي يسمح لتلك الأجهزة باعتقال الشخص لمدة 24 ساعة، لكن في كثير من الأحيان تستمر الاعتقالات لأكثر من 24 ساعة، بالإضافة للاعتقال على ذمة المحافظ، وهو اعتقال إداري غير قانوني يعتبر جريمة قانونية يتم دون عرضه على المحاكم بموجب قرارات قضائية.

من ضمن الانتهاكات التي تتم، عدم وجود محامٍ في أثناء التحقيق، وتعرض معتقلين لسوء معاملة وتعذيب، والتحقيق معهم حول قضايا كالعمل النقابي والطلابي، والتستر على ذلك بتهم أخرى كجمع وتلقي أموال وحيازة سلاح، مشيرا إلى أن من أبرز الانتهاكات التي تتم عدم الالتزام بقرارات الإفراج القضائية.

حرية رأي

رئيس تجمع الشخصيات المستقلة في الضفة الغربية وعضو لجان الحريات خليل عساف من ناحيته، يقول: "واضح أن هناك سياسة بعدم السماح للآخر أن يكون في الميدان، وقطع تواصله مع الناس، وإضعاف أنشطته، فضلا عن التعدي على القوانين الفلسطينية.

ويؤكد عساف في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن هذه الاعتقالات تعدٍّ واضح على حرية الرأي، والدليل أنه يتم تقديمها للقضاء دون وجود إدانة.

ويختم: "نريد ملاحقة مروجي المخدرات وعملاء الاحتلال، وليس ملاحقة الطلبة لمجرد انتمائهم السياسي في مخالفة واضحة لكل قوانين الحرية وكرامة الإنسان"، معتقدًا أن السبب في ذلك منع الآخر بأن يكون موجودًا أو أن تكون له قوة.