طفلي يكذب هل أتجاهله أم أقف له بالمرصاد؟

"تلجأ طفلتي إلى الكذب في بعض الأحيان، الأمر يصيبني بالقلق، والخوف الشديد من أن تترسخ لديها هذه العادة البغيضة وترافقها في كِبرها، لاحظت في الآونة الأخيرة ازدياد الكذب لديها، وثقتها الشديدة بنفسها بعد إطلاق الكذبة إلى درجة تجعلني أحار، أأصدقها أم أصدق شكوكي بكون ما تقوله كذبًا؟

أمس وجدت علبة صابون اليدين ملقاة على الأرض وقد سُكب ما تحتويه من سائل حولها، فلا يمكن أن تقع أرضًا وحدها، وإن وقعت لا يمكن أن ينفتح الغطاء، وينسكب السائل على هذه الشاكلة دون فاعل، ادَّعت أن القطة هي من فعلت ذلك، أما هي فلا علاقة لها به، لم أستطع النوم لشدة ما فكرت بالأمر وقلَّبته من جميع نواحيه، خاصة أن الأمر لم يقتصر على هذه الحادثة، فهل هناك حلول لهذه المسألة التي يمكنها أن تؤثر في حياتها ومستقبلها؟".

قبل أن أخوض في قضية كذب الأطفال لابد لنا أن نتذكر بعض النقاط المهمة، أولًا: الأطفال لا يتعلمون الصدق حتى يمروا بتجارب الكذب، أي تعلم الشيء من طريق نقيضه، وثانيًا: يلجأ الأطفال إلى الكذب لأنهم يجدونه منجِّيًا من العقاب، وملبيًا لرغباتهم واحتياجاتهم بسهولة، وثالثًا: هم يكذبون ليس بقصد الكذب غالبًا، فلا يغيب عن بالنا أن خيالهم خصب جدًّا، وكم أنهم أذكياء وكثير منهم أيضًا يمتلكون مهارات لغوية متقدمة تمكنهم من التلاعب بالكلمات وصياغة الجمل والعبارات بمهارة، فيكتمل بذلك الثالوث الذي يجعلهم يتفننون بالكذب ويتقنونه.

الكذب العابر هو الكذب الذي يمارسه الطفل بعفوية، فيعبر به عما يدور في مخيلته بسذاجة، فمثلًا، قد يتخيل الطفل أمرًا يصنع منه قصة ربما تأخذ منحىً خطيرًا يصيغها بكلمات واضحة ومنطقية، ثم يسردها على مسامع من حوله، مثل ادعاء طفل أن شخصًا قد نزع ملابسه عنه ولمس جسده (كما اشتكت إحدى الأمهات، وتبين أن الأمر لم يعدو كونه قصة اختلقها خيال طفلها).

نوع آخر من الكذب لابد لنا من معرفته، وهو الكذب المقصود أو المرضي، ويمارسه الطفل بإصرار، ويستمر معه بقية حياته، وهذا النوع من الكذب خطير ويتطور مستقبلًا، فيرقى ليصبح غشًّا وسرقة أيضًا.

لذلك، لابد أن نتحقق أن الطفل يكذب فعلًا قبل أن نلصق به تهمة الكذب، وأن نميز نوع الكذب عند الطفل، أمقصود أم غير مقصود، وعلينا أن نتحرى هل أحد من الأشخاص المحيطين بالطفل يكذب، فالطفل يتعلم ممن يحيطون به، ويكتسب سلوكياتهم، سواء شاءوا أم أبوا.

وعلى الوالدين أن يتجنبا وصم الطفل بسمة الكذب، فلا يقولا له: "أنت كذاب"، لأن الطفل سيألف سماع هذه الكلمة وستفقد تأثيرها فيه، ويجب أن يتجنبا ضرب الطفل بسبب ممارسته الكذب، لأن الضرب لن يستبدل بالكذب سلوكيات حميدة، بل على العكس تمامًا، فقد يزيد من إصراره على الكذب، وابتكار الأساليب الجديدة والأكثر إقناعًا فيصعب كشفه.

الحديث التربوي الودود مع الطفل، ومناقشته في الأخلاق الحميدة والسلوكيات الحسنة، وتِبيان طريقة تطبيقها وما يجلبه التحلي بها من خيرات وفوائد ورضا الله وحب الناس لصاحبها، هي الحل الأمثل للابتعاد عن الكذب، وفي حال بقي الطفل مصرًّا على كذبه، ولوحظ استمراره في هذا السلوك وتماديه فيه، لابد من اتباع أساليب عقابية بعيدة عن الضرب والأذى الجسدي، وبإمكان الوالدين ابتكارها، مثل: الطلب من الطفل أن يلزم الصمت مدة 10-15 دقيقة بعد كل كذبة، أو إلزامه بأن يتصدق من مصروفه الخاص بعد كل كذبة، أو حرمانه شيئًا يحبه، مثل: الحلوى، أو الخروج في مشوار ... إلخ.