قصف الاحتلال منزلهم في عدوانه الأخير على غزة

خيمتان من النايلون والصفيح.. مأوى عائلة "أبو صابر"

...
الزميل يحيى اليعقوبي يحاور رب الأسرة
يحيى اليعقوبي

على أنقاض بيت دمره الاحتلال في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وذكريات مبكية، يعيش حمود أبو عمرة "التشرد"، حيث يستيقظ كل يوم ويرى حلما بناه حجرا حجرا على مدار 30 عاما مدمرا ومطمورا بحفرة عميقة شاهدة على معاناته، فهو كأنما عاد حياة البادية التي عاشها مع عائلته قبل 55 عاما في الخيام وبيوت الصفيح.

في بلدة القرارة، شرق خانيونس جنوب القطاع، غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها أربعة أمتار مربعة، يرفع هامتها سقف من ألواح "الصفيح"، يغطي جوانبها حجارة قديمة وبعض الألواح، أنشأها الرجل الخمسيني المكنى "أبو صابر" من بقايا الدمار الذي حل بمنزله، فيها تنام الشقيقتان نرمين (26 عاما) واعتماد (16 عاما) ووالدتهما، أصبح هذا المكان المسمى عنوة "غرفة" مكانا للنوم والطبخ والأكل للعائلة، يدخل هواء الشتاء البارد إليه من الفتحات والثقوب.

ما إن تلج باب الغرفة المغطى بالنايلون، ويتجه نظرك للأسفل ستجد بعض الأمتعة القليلة التي نجت من القصف، وبقيت لباسا لهاتين الشقيقتين، أما والداهما فلم يجدا أي قطعة ملابس إلا ومزقتها صواريخ الاحتلال.

قبل يومين عانت العائلة من منخفض جوي ضرب قطاع غزة، تسابقت أم صابر وأبناؤها خلاله مع المطر، لكنه سباق من نوع مختلف، مع غزارة الأمطار كانوا يضعون أواني تحت كل ثقب في السقف، حتى لا تتدفّق المياه أكثر داخل الغرف، وحينما تمتلئ يسكبونها خارج المنزل، ويعاودون الكَرَّة تلو الأخرى، وهكذا أمضت العائلة ثلاثة أيام أخرى من الصراع مع البرد.

إلى الأمام بعدة أمتار تجد أمامك غرفة من ثلاثة أمتار مربعة يغطي النايلون الأبيض جوانبها، هي الأخرى صنعها أبو صابر من بقايا الدمار.

نظرات عينه تتألم خلف أنات الوجع، تلك الجروح في قلبه لم تلتئم بعد، رسمت ملامح وجهه شحوبا وكأن الحياة تجمدت هناك .. عند لحظة القصف، تبخرت الذاكرة من كل شيء وبقيت أصوات الصواريخ تعيد له المشهد ذاته مرة تلو الأخرى.

جلس أبو صابر وبقربه زوجته على سقف بيته المدمر بعد أن ساوته الطائرات بالأرض، ثم حرر كلمات حزينة تروي حكاية وجعه مع الحياة، قائلا بصوت يخنقه القهر، وملامح وجه شاحب يرسم صورة أخرى لحال هذه العائلة يشير بيده نحو غرفتي الصفيح بجانب المبنى: "مر شهر ونصف على تشردنا، وتلك الغرف من الزينكو".

في قلب السماء تحلق طائرة حربية دون طيار تابعة للاحتلال فوقنا، ينظر إليها أبو صابر ويعلن أمامها تمسكه ببيته مرة أخرى: "أنظر؛ ونحن تحت الطائرة لن أرحل من بيتي!".

ألقى الصمت بأوتاده على شفتي أبو صابر أسكنها برهة من الزمن يحدق حوله وكأنه لا يصدق ما حل به من دمار، لا أحد يجيب سؤاله: "أين سأذهب؟".

حتى تفاصيل الحزن والوجع هنا مرهقة، يقول بصوت متماسك يخفي بين حروفه حزنا كبيرا لم يبح به: "لا يوجد لدينا حياة سوى هذا البيت، أنظر أمامي وأرى تعب 30 عاما مهدوما، أنظر إليه فأتلم بداخلي، لكن لا يوجد مكان آخر".

معاناة ومأساة يومية

أبو صابر الذي يرتدي نفس العباءة البنية التي كان يرتديها قبل شهر ونصف يخرج ضحكة من بين أنياب الحزن بعد أن شد عباءته قائلا: "هذه العباءة ستدخل التاريخ"، ابنته اعتماد تدخل على الحديث متحسرة على ملابسها: "كان لدي 16 ثوبا فلسطينيا .. الآن لم يتبق لي شيء!".

أم صابر لم تجد شيئا تقوله سوى الحسرة: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، ينظر أبو صابر للأسف يمرر يده من الشمال لليمين للملابس الممزقة والمحروقة على الحجارة المدمرة بفعل العدوان: "أنظر هذه ملابسنا ممزقة .. لم نخرج من القصف بأي شيء".

يرحل بصوته لمعاناته نتيجة المنخفض بلهجة عامية: "جمعت شوية ألواح زينكو (صفيح حديد) وعملت للأولاد مكان والبنات مكان، لعند ما أجى المنخفض وغرقنا".

خلف بيت أبو صابر طال الدمار منزل جاره الملاصق له، أكلت صواريخ الاحتلال واجهته الأمامية وأجزاء كبيرة منه أدت لرحيله عن المنطقة هو وعائلته، نهش الدمار كذلك منزلين آخرين مجاورين لهما، في هذه المنطقة الزراعية يعيش أبو صابر ويحيط به أربعة جيران، غادر ورحل الجميع وبقي هو وحيدا يعيش حسرة على أنقاض منزله.

لم يكن أبو صابر وحده ضحية لهذه الجريمة التي ارتكبها الاحتلال، حتى الحمام الذي كان يحلق، دون أن يهبط على الأرض، لم يجد عشه المدمر، ليبقى يحوم ويدور حول البيت طوال النهار إلى أن يأتي الليل ويهبط على سطح الجيران.

تقلب نرمين كفيها وتندب حالهم: "ذكرياتنا في البيت راحت".

والدها ينوب بالكلام: "أسست بيتا لأسرتي المكونة من 18 فردا، لكن اليوم أراه ردما أمامي".

ضياع الحصاد

على جانبي حفرة الركام التي يبلغ قطرها نحو 16 مترًا، تنبت بذور القمح هنا، كان يستعد أبو صابر لزراعة خمسة دونمات في الأراضي الزراعية شرق خان يونس، قبل أن تتناثر أطنان القمح الخمسة التي كان يخزنها في براميل بين الردم بفعل القصف فنبت الزرع هنا، وخسر الحصاد الذي كان ينتظره.

بعد ساعتين من جلوسنا .. السكون يفترش المكان، بدأ الليل يلقي ستاره على "القرارة"، إلا من صوت نباح الكلاب حول البيت الذي طال الهدم سوره الخارجي، داخل غرفته النايلون، يجلس أبو صابر ضاما قدميه بشكل مقص، على فرشته الممزقة بفعل الدمار، بجانبه موقد نار من الحطب حوله زوجته وبناته.

ابنته نرمين التي تعيش وطفلتها مع والدها عاشت موقفًا مرعبًا قبل أيام تقول عن تفاصيله: "كانت الساعة التاسعة مساءً، خرجت من الغرفة مصطحبة طفلتي إلى دورة المياه في الخارج، فجأة وجدت ثعلبا أمامي، يكشر عن أنيابه ويهم بالانقضاض على طفلتي، شعرت أنه يريد أن ينهش جسدها، فأمسكتها بين ذراعي وبدأت أصرخ على أهلي وإخوتي وسرعان ما هرب".

أختها اعتماد تعترف: "صرت أخاف أطلع على الدكانة بالليل".

أبو صابر بعد أن قام بغلي براد قهوة على موقد النار، لا يخفي ما يشعر به بلهجة عامية: "كويس أني عايش لليوم من كتر المأساة والعدوانات".

تغيرت حياة هذا الرجل بعد هذا الدمار كثيرا، فبعد ما كان لديه بيت كبير، ومقعد عربي خارجي واسع، يتسع لكل الضيوف، اليوم الغرفتان الصغيرتان لا تتسعان حتى لنوم أطفالهما، يقضي ساعات الشتاء الطويلة في هذه المنطقة التي أصبحت موشحة.

أربع مرات تعرض منزل أبو صابر للهدم، في 2008 قصف بقذيفة من دبابة وتشرد 30 يوما، وكان بيته غير صالح للسكن، وفي 2012 تعرض لأضرار جزئية وتشرد 21 يوما، وفي 2014 خلال عدوان الاحتلال على غزة تعرض لأضرار كبيرة وشرد 51 يوما، يقول أبو صابر إنه لم يحصل على تعويض من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"؛ وفق قوله.

حضر ابنه عيد (24 عاما)، ولهذا الشاب حكاية فهو يعمل منذ خمسة أعوام في بيع الخضار ويحصل على أجرة يومية لا تزيد عن خمسة شواكل، على مدار الخمسة أعوام استطاع بناء شقته وتجهيزها ووضع الأثاث فيها، وكان على وشك أن يعقد قرانها قبل أن تقصف، يتحسر على حاله: "ماذا أقول ..!؟ هل يكفي أن أقول إنني أستيقظ كل يوم بعدما عدت من الصفر وأبكي على الردم".