مسرحية البؤساء على جسر الكرامة

هذا يجري في عالمنا الفريد المختلف عن عالم الإنسان هذه الأيام.

 في ظروف قاسية ومهينة وفي طريق العودة يجد المعتمر أن عليه أن يمرّ من فوهة قنّينة فيما يسمّى معبر الكرامة، كل صنوف المهانة موجودة ويسمّى الكرامة، وقيل لنا أيضًا إن هناك كرامة على الحدود الأردنية السعودية لا تقل بؤسًا عن هذه.

على معبر الكرامة هناك تعرض مسرحية البؤساء التي يشترك فيها آلاف الممثلين يوميًّا من إخراج الفنان القدير الذي يدعى احتلالًا، وقد اختار "الكومبرس" كلهم من الشعب الفلسطيني، في حين يتشارك في هندسة الصوت والإضاءة والديكورات أردنيون وفلسطينيون، وبألحان حزينة قاتمة يستقر وقت المسافر طويلًا دون أن يتزحزح، الساعة على الجسر في عالمنا كألف ساعة مما يعدّ العالم الآخر، أما الإضاءة والألوان فهي صاخبة وقاهرة ومستفزة، يختارها مهندس الضوء بالترتيب مع المخرج كي يتجلّى المشهد ويظهر حجم البؤس والشقاء لكل من كتب عليه أن يشارك في مشاهدة هذه المسرحية، لابد أن يشعر المشارك بعمق المأساة وأن تتشرّب روحه المرارة كاملة.

وقد صمّم المخرج مسارب القهر وجعل منها حافلات تمرير بضائع غير مرغوب بها قوامها خردة بشرية لا يلقى لها بال، تقف في المشهد الواحد طويلًا جدًّا ومن بداخلها لا يسمح له بأي حركة خارجة عن تصاميم المخرج الأشمّ، عليه فقط أن يسبّح بحمد من سمح له بالمرور صامتًا وينتظر الفرج دون أن ينبس ببنت شفة، وزج هذه الخردة على بوابة القنينة في ساحة مكشوفة للحر والبرد والذباب، والويل لك إذا دعتك حاجتك لالتماس مرحاض أو ما يشبه المرحاض، والأمر محاصر أمنيًّا ولا يجوز أن تبتعد كما في استراحات السعودية الرائعة فتنطلق في الصحاري حيث السباع الهائمة خير لك من روائح المراحيض القاتلة، ويُزجّ بالخردة البشرية من قاعة إلى أخرى لتتم عملية تمحيصهم وغربلتهم عبر أدقّ الغرابيل الأمنية المتطورة، تمرّر عبر قنوات الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية ليصبح وجه البضاعة مثل قوس قزح، هذا إن حالفك الحظ ولم يطلبوا يدك إلى غرفة عشرة حيث ذوو العيون الزرقاء، لتتم عملية التطهير العرقي والروحي والنفسي على أشدها ولتتخرّج سليمًا معافى من كل شائبة.

ثمانٍ وأربعين ساعة من نصيب المعتمر على جسر الكرامة إذ يحظى بهذه الضيافة الكريمة وهذه الحفاوة البالغة، لو مرّ مرور الكرام مثل العالم الآخر لما كان لعمرته طعم، وذهبت العبادة برونقها وجمالها، لن تكتمل العبادة إلا بطقوس معبر الكرامة، لن يتركوا للمعتمر أن يعود لأهله بصفاء عمرته، لابدّ من نزع روحها وإخضاعه إلى هذا الامتحان.

إن نجحت بالمرور بالرضا ودفن سخطك في أعماق صدرك فقد نجحوا في نزع فتيل عمرتك.

 أما إذا غضبت على الاحتلال والظلم والظالمين، واستثمرت مشاعر إيمانية صادقة صنعتها فيك عمرتك، فقد جهزت الفتيل قريبًا كي تنفجر في وجه منتهك أقصاك ومحتلّ كرامتك، وبهذا وهذا فقط قد فزت بعمرتك. 

المصدر / فلسطين أون لاين