ما الحكمة من لباس الإحرام؟

...
4._d_wgsl_lhrm._wtryq_lbs_lhrm_fy_ltyr_wltwf_wlsy_0.jpg
غزة- هدى الدلو:

لعله يتبادر لذهن البعض سؤال عن الحكمة من لباس الإحرام الموحدة سواء للمعتمرين أو الحجاج، ولكن مشهد الرجال بلباسهم الأبيض حول الكعبة المشرفة محرمين مهيب، فجميعهم يرتدي اللباس نفسه، فما الأثر النفسي والحكمة من ذلك؟

فقال الداعية مصطفى أبو توهة: "إن الإحرام ركن من أربعة أركان، ويعد قاسمًا مشتركًا بين العمرة والحج، ومخطئ من يظن أن مناسك الحج وأعمال العمرة مبهمة المعنى، فالله تبارك وتعالى ما فرض علينا ولا شرع إلا بما تعيه العقول، وذلك احترامًا لهذه الجوهرة التي امتاز بها الإنسان عن غيره من مخلوقاته".

وأشار إلى أن هناك فرقا كبيرا بين الطقوس والعبادات، فالطقوس ممارسات غير مفهومة المعنى، كدق الناقوس عند النصارى ليس له معنى، والنفخ في البوق عند اليهود، وإشعال النيران في عبادة المجوس، فكله غير مفهوم البتة.

وأضاف أبو توهة: "ولكن الإحرام الذي يعني التجرد من اللباس الخاص بالرجال، في حين المرأة لها أن تلبس ما تشاء من غير قيد أو شرط وإن كان البياض أقرب إلى الكمال، ولعل الحكمة من ترك المرأة تلبس ما تشاء هو رفع الحرج والعسر عن المرأة لضعفها، تمامًا كما أعفاها من الهرولة بين الميلين في أثناء السعي بين الصفا والمروة، وأعفاها من الصلاة والصيام حالة العذر الشرعي".

وأوضح أن الإحرام بمعنى التخلص من المخيط، الذي لا يعني عدم وجود الخيوط في لباس الإحرام، إنما المقصود بالمخيط هنا هو كل لباس محيط بأعضاء المعتمر أو الحاج، وهذا الركن يحمل من المعاني التي أرادها الشارع الكريم والله تعالى بها عليم، التي يمكن أن نقف على بعضها، والتي منها الاستجابة لأمر الله عز وجل استجابة عملية تماهيًا مع دعائنا "لبيك اللهم لبيك"، وتعنى استجابة بعد استجابة.

ولفت أبو توهة إلى أنه تذكير بالمعتمر بذلك السفر الطويل حين يكون في إدبار من الدنيا، وإقبال على الآخرة "يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ"، وهو سفر من مقتضياته التخفيف من اللباس، الذي هو زينة يتزين بها الإنسان، وربما يتفاخر ويتميز بها عن غيره "يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ".

وبين أن الإحرام شعيرة عظمى يتساوى فيها الآدميون مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم ولغاتهم واعتباراتهم المادية والأدبية والاجتماعية... إلخ، ليكون التفاضل بصدق اللجوء والتوجه إلى الله الذي ترنو قلوب الوافدين إليه صوب البيت العتيق " فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ".

ونبه أبو توهة إلى أن العمرة والحج هما سفر القلوب وانتقالها، وليس سفر الأبدان وانتقالها، وما أجمل ما قال ابن عباس رضي الله عنهما حينما رأى حشود الحجيج: "ما أكثر الركب وما أقل الحجيج"، فالإحرام ليس شكليًا بل على العاقل أن يستشعر تلك المعاني وغيرها حتى يعود من حجه كيوم ولدته أمه مغفورا له ويبدأ صفحة بيضاء جديدة بينه وبين ربه، ثم بينه وبين نفسه.

وتابع حديثه: "وصولًا إلى أن يكون مسلمًا رساليًا، يؤدي دوره في حياة الناس بعد أن تهذب وتأدب بما ينبغي أن يكون عليه مصداقًا لقوله تعالى: "جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ"، ومعنى القيام هو أن يقوم ويستقيم ليكون عبدًا خالصًا لله، متخلّقًا بأخلاق الله ويتأدب بأدب رسول الله.