الانتخابات الفلسطينية.. كي لا تكون رهينة الإرادة الإسرائيلية (1-2)

...
جهاد سليمان

منذ إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتاريخ 7 تشرين الأول 2019 البدء في التحضير لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، المعطل منذ أكثر من 13 عامًا، نشطت الحياة السياسية الداخلية على الساحة الفلسطينية، بين مؤيد لهذه الدعوة ومعارض لها بالصيغة التي طرحت فيها، كحركة حماس التي اعتبرت ان هذه الانتخابات يجب ان تترافق مع انتخابات الرئاسة والمجلس والوطني، وفق سقف زمني محدد، كما أخذت الحوارات واللقاءات الفصائلية تنشط، بهدف العمل على إنجاح هذه الخطوة، التي يرى فيها القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، بأنها الخطوة الأنجح الكفيلة بإخراج الحالة الفلسطينية، من عنق الزجاجة التي حشرت فيها، من قبل العدو الإسرائيلي.

فلأكثر من 20 عاما، مارس العدو الإسرائيلي سياسة المراوغة والدجل السياسي، واللعب على عامل الوقت للتمكن من فرض سياسة الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني وقيادته، والذي ترجم بتصعيد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية وبناء الكتل الاستيطانية الجديدة، وحملة التهويد الشرسة التي يشنها داخل مدينة القدس، وفرض الحصار الجائر على قطاع غزة، وارتكابه المجازر اليومية والاعتقالات التعسفية بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس المحتلة وعلى حدود قطاع غزة، إضافة إلى مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية، والتحكم بحركة المواطنين الفلسطينيين في الضفة من خلال آلاف نقاط التفتيش العسكرية.

ليس هذا فقط، بل واصلت (إسرائيل) سياسة الاستمرار في مصادرة المياه الفلسطينية والتحكم بمقدرات الشعب الفلسطيني وثرواته، والعمل الدائم على تدمير الثروة الوطنية، والإبقاء على الاقتصاد الفلسطيني اقتصادًا تابعًا للاحتلال الإسرائيلي، مستغلًّا اتفاقية باريس الاقتصادية التي أتت كنتاج حتمي لاتفاقية أوسلو، الموقعة من قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، والتي حملت، بعد جولات من المفاوضات العبثية، الكوارث والويلات على الشعب الفلسطيني، وكان آخرها وكنتاج لها، صفقة القرن الأمريكية وما رافقها من خطوات عدائية ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، هدفت إلى شطب القضية الفلسطينية وإنهاء نضال الشعب الفلسطيني، وحلمه بإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران من العام 1967، بعاصمتها القدس وتحقيق حق عودة اللاجئين وفقا للقرار الأممي 194، والغاء مشروع دولة الأبارتهايد الصهيونية، التي تعيش في مخيلة وأحلام اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني بقيادة بنيامين نتنياهو وعصابة الاجرام التي تحيط به.

من جهة أخرى لاقت الدعوة إلى الانتخابات ارتياحًا لكونها المدخل الذي يمكن من خلاله الشعب الفلسطيني الخلاص من معاناة ما يزال يعيشها منذ أكثر من 12 عاما، داخل مسلسل الانقسام الدامي، خاصة وأن جميع محاولات رأب الصدع بين طرفي الانقسام الفتحاوي والحمساوي، من خلال الحوارات والاتفاقيات الثنائية، قد فشلت ولم تؤد إلى اقفال هذا الجرح الفلسطيني النازف، الذي انعكس سلبا على صحة الجسد الفلسطيني وقوته، التي خارت شيئا فشيئا حتى وصلت به الحالة إلى سرير الاحتضار الوطني.

أدت زيارة الدكتور حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات المركزية إلى غزة في 5\11\2019، إلى فتح نافذة أمل للشعب الفلسطيني وقواه السياسية، للمضي قدما في هذه الخطوة المهمة التي تحولت إلى مطلب وطني وشعبي عام، خاصة وأن هذه الزيارة تبعها رسائل من فصائل فلسطينية بما فيها حماس، تعلن الموافقة على اجراء الانتخابات وفق قانون التمثيل النسبي الكامل، على ان يتلوها مباشرة الانتخابات الرئاسية والمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما يضمن تشريع كافة المؤسسات الرسمية الفلسطينية، بمشاركة الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، وهذا ما يعيد الشرعية الشعبية والوطنية للمؤسسات الفلسطينية وعملها، وينزع حالة الترهل التي تعيشها هذه المؤسسات منذ زمن طويل.

ورغم دعوة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ايضا في بيان لها في 8\10\2019، إلى ضرورة العمل على توفير جميع الشروط والآليات لإنجاح العملية الانتخابية، باعتبارها عملية سياسية متكاملة، تتطلب تحضيرا جيدا لضمان ديمقراطيتها وشفافيتها ونتائجها، وذلك من خلال إطلاق حوار وطني فلسطيني شامل، يسبق إجراء الانتخابات الفلسطينية المعلن عنها، وذلك بالبدء بين فصائل (م. ت. ف)، وعلى أعلى المستويات، وبحضور قيادات الصف الأول، ثم الانتقال بعدها إلى حوار يشمل جميع القوى الفلسطينية، بمشاركة اعلى المستويات القيادية، بما يشمل اللجنة التنفيذية، والأمناء العامين، ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني، وشخصيات وطنية مستقلة، على أن تحال النتائج المتوافق عليها إلى جهات الاختصاص. إلا أن السلطة الفلسطينية اعتبرت أن لا حاجة لمثل هذه الحوارات، مؤكدة المضي على طريق اصدار المرسوم الرئاسي، ومشددة على أن لا انتخابات من دون القدس الشرقية، الامر الذي أكدته جميع الفصائل الفلسطينية دون استثناء، لكن السلطة الفلسطينية ربطت اصدار المرسوم الرئاسي الخاص بالانتخابات، بالرد الإسرائيلي على طلب السلطة السماح بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية، الامر الذي جعل منها نقطة خلاف بين مؤيد ومدافع، بين من يعتبر ان الرفض الإسرائيلي يعني إلغاء العملية الانتخابية، وبين من يقول ان اصدار المرسوم بعيدا عن الرد الإسرائيلي، هو الخيار الأفضل باعتبار أن (إسرائيل) سوف تماطل في هذا الرد، الذي لن يأتي أبدًا.

وفي كلتا الحالتين، وفي ظل جميع هذه التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة ككل، نسأل إلى متى ستبقى السلطة الفلسطينية تنتظر الرد الإسرائيلي؟ وما الخيارات المتاحة أمام السلطة في حال الرد السلبي؟ أو في حال الامتناع عن الرد؟ وهل أصبحت الانتخابات الفلسطينية اليوم مرهونة في التطورات الإقليمية؟