بعدما كان يلعب كرة القدم

تقرير بـ"كرة الجرس".. "أبو جربوع" يتحدى رصاصة أفقدته الإبصار

...
الشاب وجدي أبو جربوع
غزة/ هدى الدلو:

لم يمر عليه يوم دون ممارسة إحدى الرياضات المحببة لقلبه وعلى رأسها كرة القدم، والسباحة والصيد، ولكن بلحظة واحدة انقلبت حياته رأسًا على عقب بفعل رصاصة دخلت من جانب أذنه اليسرى وخرجت من عينه اليمنى، ليفقد قدرته على الإبصار وينتقل من ممارسة رياضة كرة القدم إلى رياضة كرة الهدف أو الجرس.

بنصف ابتسامة، يقول الشاب وجدي أبو جربوع (33 عامًا)، القاطن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، في دردشة مع صحيفة "فلسطين": "هذه الرياضة الذي أحرز منها المداليات الذهبية، وأتوج فيها بالمراكز الأولى لم أقتنع فيها في البداية؛ فكيف لكفيف أن يلعب بالكرة، ومن دفعني إلى ممارستها عمي لعلمه بتعلقي بكرة القدم، ولكن بعدما مارستها وتعمقت فيها وجدتها أكثر متعة".

عدنا بذاكرته إلى تلك اللحظات السوداء حيث وجع الفقد، "فليس الفقد فقط للأحبة، فأنا فقدت عيني، أغلى ما أملك"، كما يضيف.

ويرجع إلى الوراء 20 عاما، عندما ارتكب الاحتلال جريمة بحقه، قائلا: "في مطلع انتفاضة الأقصى عام 2000 كنت بمحاذاة مستوطنة نتساريم حاملًا معي علم بلادي لأرفعه عاليًا، وقبل أن أحقق هدفي اقتنصني جندي في جيش الاحتلال برصاصة قاتلة كادت أن تودي بحياتي لولا لطف الله".

"لم يكن الأمر بالهين، عندما احتجت إلى عدة أيام للإفاقة من الغيبوبة، وبعدها بدأ مسلسل التمهيد لإخباري بفقداني للبصر كليًا، ومهدوا لي الأمر بسلاسة، في البداية بغطاء على عينيي، وأنه سيتم إجراء عملية جراحية، وبعدها علمت أنه واقع ليس منه مفر"؛ يواصل حديثه.

ويتابع أبو جربوع: "بعدها تبدل الحال وتغير، واختفت هواياتي مع الواقع الجديد، لتوجد مهارات جديدة تتلاءم مع وضعي الصحي، ولكن لم يكن ذلك سهلًا، بل احتاج إلى وقت، وما ساعدني على تجاوز تلك المرحلة بجانب عائلتي، عمي الذي يعمل في مجال شؤون المكفوفين".

ويبين أن من أشكال مساعدته كانت إرساله لبعض الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين، وتوجيهاته لأسرته ومدرسيه، وإمداده بأساليب جديدة للدراسة كأشرطة الكاسيت.

وقبل عودته للدراسة لم يستطع الإجابة على الكثير من الأسئلة التي تدور في ذهنه، "كيف بدي أروح؟ وأدرس؟ وكيف أواجه الطلبة؟ وغيرها الكثير، وبعد شهر من الإصابة عدت إلى مقاعد الدراسة، "كل شيء كما هو زملائي، وأساتذتي، ومقعدي إلا أنا فاقد للبصر، لا أرى شيء، أتذكر يومها كانت المشاعر مختلطة، ومشاعر مفعمة بالإحساس والرهبة والتوتر والخجل، وما هونها استقبال الجميع لي".

أكمل عامه الدراسي معتمدًا في الدراسة على أشرطة الكاسيت، ولهذا الواقع الجديد تراجع مستواه الدراسي، وبعدما حصل منحة دراسية وعلاجية في السعودية، خاض هناك أول بطولة لسباق الجري خاص بالمكفوفين، حصل حينها على المركز الأول، فكان بمثابة دفعة معنوية قوية، واستثمر تواجده هناك ليتعلم لعب كرة الهدف حيث تتوفر إمكانيات خاصة بها، فاحترف لعبها، وبعد عودته لغزة استمر في ممارستها.

وبعدها بدأ أبو جربوع يمارس كرة الهدف التي تحتاج لمشاركة كل الحواس، فتعتمد على حاسة السمع، والتركيز والذكاء، والقوة الجسدية واللياقة البدنية، ويخوض بطولات يحرز من ورائها مراكز متقدمة ومداليات ذهبية.

فلا تلعب في ملعب معشب، بل في صالة مغلقة، حيث يرهف اللاعبين سمعهم لصوت الجرس الصادر لحظة ارتطام الكرة بالأرض ليتمكنوا من تحديد مسارها والتقاطها، ويطلقها نحو شباك المرمى ليحرز أهدافًا، ويحاول أعضاء فريقه المكون من اثنين منعها من الدخول. 

ويوضح أبو جربوع أن استمراره في لعبها رغم إصابته هو بمثابة نموذج تحدي وإصرار على إكمال الطريق وقهر الظروف والاحتلال الذي حاول من ثنيه عن ممارسة الرياضة.

ويذكر أن الكثير من المكفوفين لم يتمكنوا من ممارسة هذه اللعبة، فإذا أتيحت لهم فسيحققون نجاحات، خاصة أنهم يعانوا من ضعف الإمكانيات والتجهيزات اللازمة للقدرة على ممارسة هذا النوع من الرياضة الجديدة.

ويبين أبو جربوع أن الحركة الرياضية في غزة غير منتظمة، وتعاني من حالة خمول وفوضى، وتقصير من الأندية الرياضية، وضعف الاهتمام الرسمي في رياضات ذوي الإعاقة بسبب ضعف الامكانيات نتيجة الحصار المفروض على القطاع.

يسعى أبو جربوع لإحداث تطوير في الجانب الثقافي والفكري، ويحاول تقديم مهارات واكتساب خبرات جديدة بعد الانتهاء من دراسة البكالوريوس بعد عودته عام 20014، حينما علم أن الجامعة الإسلامية تتعامل مع المكفوفين، وتسهل لهم سبل الدراسة والتواصل مع المجتمع، فالتحق في كلية الآداب.