المعلومات الطائرة

أضحت التقنيات الحديثة تعتمد اعتماداً كبيراً على ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، وهو قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري وطريقة عمله، مثل قدرته على التفكير، والاكتشاف والاستفادة من التجارب السابقة، وقد بدأ هذا العِلْم بالظهور والانتشار في مجالات الحياة المختلفة المدنية والعسكرية منذ أكثر من ستين عاماً، على الرغم من إيجابياته الكثيرة من سرعة في عملية المعالجة والسعة التخزينية العالية إلا أنّه حتى الآن لا يوجد أي برنامج باستطاعته مجاراة مرونة العقل البشري، خصوصاً فيما يتعلق بقيامه بالمهمات التي تتطلب التفاعلات اليومية التلقائية لما يتم التعرض له.

من أبرز التقنيات التي باتت تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كبير تقنية إنترنت الأشياء (Internet of Things) والمعروف اختصاراً بـِ IoT، وهو مصطلح برز حديثاً يُقصد به الجيل الجديد من الإنترنت الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها عبر بروتوكول الإنترنت، وليس هذا فحسب وإنما يتعدى ذلك ليصبح التفاهم بين الأجهزة الإلكترونية المختلفة وجسم الإنسان، فكيف يكون ذلك؟!

لنفترض أنك في يوم من الأيام عدت لمنزلك وقد أنهيت لِتَوِّكَ جولة الركض اليومية، ستشعر الثلاجة الموجودة في منزلك من كمية العرق المنسابة على جلدك بأنك عَطِش وتحتاج لشرب الماء، ستقوم من فورها بتعبئة كوب ماء بارد كي تشربه وتُعَوِّض نقص الماء في جسمك. في مشهد آخر، سيدرك التلفاز عند ارتفاع نسبة السكر في دم جسمك وارتفاع عدد نبضات قلبك أن مزاجك غير صافٍ، حينها سيقوم بتشغيل مناظرٍ طبيعية خلابة مع بعض الموسيقى التي ستعمل على تحسين مزاجك للأفضل.

لا شك أن ما سبق يدغدغ المشاعر والأحاسيس إلى حد بعيد لما فيه من إيجابيات كثيرة، لكن في المقابل هناك خطورة تكمن في الوسيلة التي يُمكن للآلات الإلكترونية أن تعرف بواسطتها هذا الكم الكبير من المعلومات عن جسم الإنسان، وذلك من خلال الإشارات الصادرة عن جهاز صغير يُسمى (RFID: Radio Frequency ID) حجمه أصغر من حجم حبة الرز يتم زرعه في ذراع الإنسان أسفل الجلد، وبطبيعة الحال فإن هذه الإشارات تنتشر في الهواء بحيث يُمكن أن تلتقطها أي أداة موجودة في المحيط، وهنا يكون الإنسان قد سُلِبَ ما تبقى من خصوصيته المسلوبة أصلاً في الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

إن أخشى ما أخشاه أن يأتيَ ذلك اليوم الذي نضطر فيه لأن نزرع أجسادنا بتلك الأجهزة من باب مواكبة التطور التقني، وتغدو البشرية بلا إنسانية تُذكر ونُصبح أداة كباقي الأدوات الأخرى، والله عز وجل نسأل العفو والعافية.

المصدر / فلسطين أون لاين