اتفاقية "سيداو" الأنيقة القاتلة

حينما تبتعد عن بيتك كثيرًا، ويكون الثالوث الشرس (الجوع والعطش والتعب) قد سيطر عليك، فالمؤكد أنك ستقبل أي كسرة  خبز أو شربة ماء، وستسند ظهرك إلى أي جدار لترتاح دون أن تعرف ماذا خلف الجدار.

هذا حالنا مع اتفاقيات وشعارات أنيقة طالما ظنناها ملجأ لنا من دهاليز العناء، فإذا هي قاتلة، فحينما ابتعدنا عن تعاليم ديننا الحنيف وفقدنا خريطة الطريق جُعنا وعطشنا وتعبنا، ولما رآنا أعداؤنا كذلك قدموا لنا ما اعتقدناه ماءًا زُلالًا وخبزًا شهيًّا وجدارًا متينًا، وأبقونا في هذه الدائرة كي لا نهتدي إلى أن ما يقدموه لنا "سمٌّ في عسل".
فالاتفاقيات التي تتحدث عن حقوقِ الإنسان عامة، وعن حقوق المرأة والطفل خاصة، ما هي إلا أفاعٍ تلبس جلدًا ناعمًا، وأنا على يقين أن أغلب الذين يطالبون ويؤيدون تطبيقها في عالمنا العربي والإسلامي إما أنهم يجهلون تفاصيلها، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث فيها، وإما أنهم أناسٌ باعوا مبادئ دينهم،
ورموا أنفسهم وعقولهم على قارعة الطريق الغربية، وأحسنوا الظن بكل ما هو قادم من خلف البحار من علوم وفنون وأفكار.

إن هذه الاتفاقيات التي في ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب هي اتفاقيات تناسب البيئة التي ولدت فيها، حيث لا إسلام يحكمهم، ولا دور للعرف والعادات المجتمعية في تسيير وضبط سلوك الناس وأقوالهم.

من ضمن الاتفاقيات هي اتفاقية سيداو "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، فنصوصها جميلة الشكل، لكن فيها الكثير من الخبايا التي ترمي إلى التغلغل في المجتمعات المسلمة بهدوء، نذكر منها  على سبيل المثال: (تتخذ جميع الدول الأطراف أو الأطراف الموقّعة الاتفاقية جميع التدابير المناسبة لتعديل أو إلغاء القوانين والممارسات القائمة على التمييز ضد المرأة)، وهذا يعني إخضاع الدول الموقعة لفلسفة الجهة القائمة على الاتفاقية، التي من المؤكد أنها لا تخلو من الخبث، فمصطلح "التمييز" يبقى غير واضح المعالم.

رئيس السلطة محمود عباس صدق على اتفاقية "سيداو" بتاريخ 8 آذار (مارس) 2009م، وبعدها وقع رسميًّا الاتفاقية في الأمم المتحدة في الأول من نيسان عام 2014م دون أي تحفظات عليها، وأخيرًا طالبت مؤسسات حقوقية ونسوية السلطة الفلسطينية بالتطبيق الحرفي لبنود الاتفاقية ونصوصها، بدعوى توفير الحماية والإنصاف للمرأة، ووضع تشريعات أكثر صرامة لحماية الأسرة من العنف، والحد من حالات قتل النساء بداعي "الشرف"، وهو ما أثار استغراب واستهجان الكثير من المؤسسات والشخصيات الدينية، لأن هذا لو حدث  فمن شأنه زعزعة النسيج الاجتماعي.

لقد قرأتُ البيان الصادر عن الهيئة الإسلامية العليا، وهيئة العلماء والدعاة بيت المقدس، عن نقدهم ما جاء في التعديلات المقترحة، أعجبني وأود نقله لكم، وهو:
_السماح للمرأة بتسجيل طفلها المولود باسم أي أسرة من اختيارها، يعني ذلك اختلاط الأنساب وتداخلها وتمزيق النسيج الاجتماعي، وأن المولود مجهول النسب.
_المطالبة بإلغاء تحريم الإجهاض، وضمان الحصول الآمن والقانوني على حق الإجهاض، يعني إباحة الفاحشة ما دام التخلص من الجنين أمرًا سهلًا.
_المطالبة بإلغاء الحكم الوارد في المادة ٦٢، الذي يسمح للأب بتأديب أبنائه حسب العرف العام، وهذا سيؤدي إلى انسلاخ الأبناء عن الآباء.
_المطالبة بإلغاء المادة ٢٨٤ التي تحظر الزنا والسماح بوجود علاقات جنسية خارج إطار الزواج.
_المطالبة بالإباحية الجنسية المثلية.

ختامًا: أعجبني موقف الكثير من الجهات والمؤسسات والكتاب والنشطاء الذين رفضوا هذه المقترحات، فنحن شعب نحتكم للمبادئ الإسلامية في أقوالنا وأفعالنا، فهمها كانت القوانين القادمة من خلف البحار أنيقة ورشيقة فلن تكون بجمال تعاليم الإسلام العظيم.

المصدر / فلسطين أون لاين