حظوظ الأمهات..

من أجمل ما قرأت للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق، قوله: إن أمي كانت ستنتحر فوراً لو ظل زر قميص أبي ناقصاً لفترة تتجاوز الساعة، بل ربما انتحرت لو أن أبي طلب الشيء قبل أن تلاحظه هي.. أبي لم يكن يعرف عدد جواربه أو شكلها، لكن أمي كانت تعرف تاريخ كل جورب.. من أين اشتريناه، ومتى رتقته، ومتى غسلته.. أمي لم تكن طبيبة ولم تكن تتحدث اللاتينية والفرنسية لكنها عرفت كيف تصنع أسرة سعيدة متماسكة.. أبي لم يكن طاغية، لكنه لم يكن يطلب الطلب مرتين.. إن الرجل يعيش من أجل عمله، بينما المرأة تعيش من أجل بيتها.. وأية محاولة لتبديل الأوضاع كفيلة بخراب مالطا!

رسمت لنا كلمات الكاتب المبدع صورة لطالما قل نظيرها في أيامنا عن «الزمن الجميل، أو ما أحبّ أن أسمّيه «جيل الطيبين»، للأمهات اللاتي ساهمن في صناعة الحب والحياة، أمهات نثرن على رأس الحياة حفنة من الزغاريد وأهازيج السعادة التي لم تخب يوماً؛ فكانت تخرج أصواتهن واثقة، صلبة وتطغى على كلّ شيء من حولنا، تماماً كما يجب أن يكون صوت الفرح والانتصار.

اليوم لو سألت سؤالاً مباشراً، هل حظ أمهات هذا الجيل أفضل من حظ أمهات ذلك الزمن، أم لا؟ لوهلة أولى تبدو الإجابة سهلة وتسير لصالح أمهات اليوم، فالأم اليوم تعيش حياة ليست بتلك الصعوبة، فهي تستطيع أن تدير شؤون البيت كله بأقل مجهود وفي أسرع وقت (هذا إنّ بذلت مجهودًا أصلاً) بينما أمهات ذلك الزمن كنّ يقمن بعمل كل تدابير البيت بأيديهن، لا خادمات ولا (أدوات مساعدة) من تكنولوجيا وأجهزة كهربائية ورفاهية فائقة الجودة.. ورغم كل الواجبات الكبيرة فلم يكنّ أقل حظاً من أمهات اليوم. صحيح أنهن أقلّ ثقافة وتعلماً، لكنهن كنّ أكثر قدرة على التعلم بالتجربة والتثقيف الذاتي، راضيات مرضيات بحياتهن البسيطة في المسكن والمأكل والملبس.

لكأن شكل الأمهات اليوم قد تغير؟ إذ غابت صورة المرأة التي ما فتئت تحول «وجع القلب» إلى مبخرة للرضا بالقضاء والقدر. وربما إحدانا نادراً ما يصادف أماً ممسكة بعكازة العمر القليل تجاري الزمن بطلاقة لسانها، وقوة حججها ومنطقها، ويفيض عنها كل مخزون الحب والحنان، وفوق هذا تكرّس كل طاقتها وما أوتيت من قوة في رعاية أسرتها، وتقدمهم إيثاراً على ذاتها حتى تكاد تنسى نفسها.

أعدّ نفسي من ذاك الجيل الذي كان شاهداً على الأم التي عاشت في زمن (البساطة) الجميلة، وكابدت فيه الكثير من الظروف العصيبة، ولكن لم يمنعها ذلك من استشعار السعادة بإسعاد الآخرين (الزوج، الوالدين، الأبناء، الأقارب) فكانت خط الدفاع الأول، وخط الهجوم الأول على كل من يتجاوز حدوده على هيبة البيت.. وهي نفسها الأم التي كانت أول من يصحو في العائلة، وآخر من ينام.

نعم؛ أنا من ذلك الجيل الذي فتّح عيونه على أمهات كن يخشين من أن يبحن بأوجاعهن ويخجلن من ألامهن كي لا يقلق عليهن أحد، يكفي أن البيت بوجودهن كان عامراً بكل شيء، يدخلن في كل تفاصيلنا العتيقة.. وليس غريباً -كما يقول أحمد خالد توفيق- أن «كل ما تقوله الأم صحيح، في كل مرة تتكلم فيها تُصيب، حتى وإن كنت أرى أنها ليست على صواب، أكتشف بعد حين أنها كانت على صواب، لست أدري أمي ذات خبرة في الحياة أم أن الله ينصر الأمهات»!

ما أجمل الأمهات البسيطات الطيبات اللاتي في قمة فرحهن يبكين، وفي عزّ انتصاراتهن يبتسمن.. ويغلفن كل ذلك بسجدة لله!

المصدر / العرب القطرية