هَلْ أَنْتِ حَقًّا عَجُوُزٌ هَرِمَة لَمْ تَعُودي تَصْلُحِين لِلحَيَاة؟

في كانون الأول تفترش أزهار النرجس أعالي الجبال، تجدد أبصالها، وتمدُّ جذورها الرقيقة بين شقوق الصخور برغم برودة الطقس وعتو الرياح وفيضان غيث السماء، تكمل النرجسات الهشة مسيرة الحياة، فترفع أوراقها عاليًا نحو السماء، وتتشبث بالأرض بقوة وإصرار، وببطء ودون تردد تولد زهرة بيضاء شذية، تاج أصفر يزيِّنها فيزيدها أُلقًا وجمالًا.

وفي كانون الأول تنهض اللغة العربية برشاقة، لتعاود نشاطها بهمة وحيوية أكثر من ذي قبل.

في الثامن عشر من كانون الأول نحتفي بلغة الضاد، ونفخر بأننا أبناؤها، وأنها أمنا الرؤوم.

****

في يوم أمي "العربية" أكتب لها، أكتب عنها، وكلي انتماء وحب وتقدير لها؛ فهل ستقبل اعتذاري ولا تؤاخذني بما فعل السفهاء غيري؟

أحرفها هي وكلماتها دون سواها تجري على ألسنتهم ما إن يولدون، حتى إذا انسابت الكلمات من أفواههم بسلاسة، وشرعوا في خيراتها ينعمون ويدرسون ويفكرون ويتعلمون لغات أخرى، ويعرفون شعوبًا غير شعوبهم، وعادات غير عاداتهم، ويلحظون تَقَدم غيرهم وتطورهم ونهضتهم وتراجعهم هم وتأخرهم، وجَّهوا غضبهم إلى أمهم اللغة؛ فبكتوها وأنبوها وحمَّلوها مسؤولية المآل المهزوز المهزوم الذي آلوا إليه.

ومضوا يلقون بكل خبائثهم وخيباتهم على عاتقها، ويلبسونها ثوبًا لم يكن يومًا يليق بها أو يكون على مقاسها، وكأنها هي السبب في ضعفهم، وجهلهم، وهزائمهم.

وكأنها لم تكن يومًا لغة للأقوياء والمنتصرين، ولا للعلماء والشعراء والعارفين.

لغة كان يفخر من يعرف كلمات منها بنفسه ويعده من حوله متحضرًا مثقفًا، إلى درجة وصلت بشباب أوروبا إن أراد الواحد منهم أن يثبت لحبيبته أنه شخص يتمتع برقي رفيع وثقافة غير اعتيادية، قال لحبيبته بالعربية: "أنا أحبك"، مثلما يقول شبابنا المثقفون لصديقاته اليوم: "I Love You". 

أمي الحبيبة "لغة الضاد"، أنت ما زلت فتية يافعة، نضرة الجمال متألقة، وإن ادعوا غير ذلك، فإن ألمَّ بك هزال أو سقم طارئ فمن إهمالنا ومما كسبت أيدينا، فلم نرعاك حق رعايتك، ولم نسهر الليالي لنرفع من شأنك، فندرسك، ونطور مفرداتك لتناسب متغيرات العصر، ونبحث في قضاياك، ونفخر بأننا نتحدث بك بطلاقة.

تصيبني الغيرة الشديدة حين أرى أعداءنا الصهاينة يرفضون الحديث في المحافل الدولية إلا بعبريتهم، اللغة التي ماتت ودفنت وبليت عظامها، لكنهم بعثوها من قبرها، ونفضوا عنها غبار الموت، وبثوا فيها الروح من جديد، وعملوا على تطويرها وتقديمها للعالم وربطوها بيهوديتهم، وجميعنا يعلم أنهم محتلون معتدون، سرقوا الأرض والتراث حتى الأسماء والألفاظ اللغوية ادَّعوها لأنفسهم، فكيف لنا نحن أن نتقاعس وننكفئ خلفهم ولغتنا هي الأصل الضارب في القِدم، الممتد في عمق التاريخ، التي لم تتوقف عن الجريان على ألسنة أهلها في أيما وقت حتى وقتنا هذا؟!، أليست العربية هي اللغة المقدسة التي حفظها رب العزة والجلالة بحفظه القرآن؟!، ألا يعكس إجادة الحديث بها الذكاء والفصاحة؟

وللغتنا الحبيبة هذه الأبيات، للشاعر الدكتور "عبد الفتاح أبو زايدة":

شكوت إليك من قومي

 شكاية من به سقمُ

أهانوني على ملأ

من الأقوام ما علموا

بأن إهانتي جرم

وكنت قبلُ مَن كرُموا

أغيثوني بتجديدي

ألا تدرون ما الألمُ

من التقصير في درسي

وفي نطقي لهم ذممُ

نطقتُ بكل معرفة

ألم يفخر بي العجمُ

وقومي لا حراك لهم

كأنهمُ وقد سئموا

ألومكمُ بكل أسىً

فهل قصرتُ يا كلِمُ

بلاغتكم أجود بها

وأعطيكم لفكركمُ

أتكريمي يضيق بكم

وأن عزائي الكرمُ

أيا أبناء أحرفنا

حروفي زارها الورمُ

أعيدوا مجدي الماضي

فمجدي شامخٌ علمُ

فلا جفت محابركم

وما يجفوكمُ القلمُ