لا تتولوا.. فيستبدل الله قومًا غيركم

...
غزة/ أسماء صرصور:

إن آية "وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" آخر آية من سورة محمد، صلى الله عليه وسلم،  والتي تحدثت في بدايتها عن بعض أحوال الكفار وعن شرط نصر الله للمؤمنين أن ينصروه، ثم بينت سمة الكافر وهو أنه لا يأبه بالآخرة ولا باتصاله بالله سبحانه وتعالى، وأنه يأكل ويشرب فقط، ولا يهمه من هذه الدنيا إلا متاعها، ثم عقب الله على ذلك بأن هذا هو متاع الدنيا، لكن الجنة في الآخرة للمتقين، وبين ما في الجنة من نعم ونعيم.

ويوضح أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية د. ماهر السوسي أن الله يتحدث في سورة عن أنه قادر أن يكشف لنبيه صلى الله عليه وسلم، المنافقين ويعرفه بهم، إلى أن تنتهي السورة بهذه الآية وهذا فيه تحذير وتنبيه لكل من يعرض عن منهج الله وشرع الله، ويتخذ الحياة الدنيا وملذاتها ولهوها ولعبها ديدنًا له، وينسى الآخرة، ويعرض عن الله، ويقول الله سبحانه إنني لستُ عاجزًا أن أذهب بكم واستخلف قومًا بدلا منكم يحبون الله ورسوله ويحبهم الله ورسوله، ويقومون بعمارة الأرض، ويتبعون منهج الله، ويعبدون الله سبحانه وتعالى.

ويشير السوسي إلى أن المقصود من هذه الآية أن  الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، ولا تعترض إرادته أي إرادة، وهذا الأمر يجب أن يسلم به الناس ولا يعترضوه، مضيفًا: "المقصود أن يسلم الناس بأن لله تعالى سننًا لا يمكن أن تختلف بأي شكل من الأشكال".

والدليل على ذلك –كما يقول- ما عرضه القرآن الكريم في حشد كبير من الآيات التي تحدثت عن الأقوام السابقة، عن علاقتهم مع رسلهم وعلاقتهم مع الله، فالقرآن الكريم مليء بالآيات عن نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وعلاقة فرعون بموسى وقصص بني إسرائيل.

ويقول أستاذ الفقه المقارن: "المستعرض لكل هذه الآيات –وهي أكثر من أن نحصيها- في النهاية يقف عند مشهد واحد، وهو أن الله قد نصر رسله وأهلك الكافرين واستبدلهم بقوم مؤمنين ومكّن لهم في الأرض، وهذا أمر واقع، وهو تاريخ رواه القرآن، وروته الكثير من كتب التاريخ".

وينبه إلى أنه ما على الإنسان العاقل أمام هذه النصوص القرآنية والأحداث التاريخية إلا أن يقف ويتأمل ويتدبر ويحذر هذه النتيجة التي وصلت لها كل الأمم والمجتمعات، على اختلافها في القوة والضعف، وتمكنها في الأرض، فكل هذه الأمم في النهاية زالت بسبب شيء واحد، أنها كانت تكفر بالله سبحانه وتعالى، وكان زوالهم بشيء قد لا يصدق، فمنهم من أزيل بالصيحة، أو خسف الأرض، أو الغرق في البحر، أو الغرق في الطوفان، وغير ذلك من القصص التي رواها القرآن.

ويشدد السوسي على أن هذه القصص ليست من نسج الخيال، وهنا يجب أن نتوقف: فنحن نقرأ القرآن كثيرًا، ومنا من يختم القرآن مرات كثيرة في العام الواحد أو الشهر، لكن يبدو أنه ينقصنا شيء واحد، ألا وهو التدبر والتأمل.

ويتابع: "وأن نفهم ونعتقد أن القرآن يخاطبنا، فهو لم ينزل ليخاطب قوم قريش فحسب لأنهم كانوا كافرين، بل هو يخاطبهم ويخاطب من بعدهم إلى أن وصل لنا"، مشيرًا إلى أن كل الأمثلة التي تضرب في كتاب الله تعالى إنما هي تضرب لنا نحن، وكذلك التنبيهات والتحذيرات لنا، ونحن مخاطبون بقوله تعالى "وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم"، فالله تعالى يقول لنا إن تتولوا عني فإني مستبدلكم بقوم آخرين، ولن يكونوا أمثالكم، بل سيكونون أفضل منكم.

ويوضح أستاذ الفقه المقارن أنه يجب الانتباه دومًا إلى أننا نحن المخاطبون وليست الأقوام السابقة، وهذا يعني أننا يجب أن نقف عند هذه الآيات ونتدبرها، وأن نوقن بأن الله قادر على أن يذهب بنا كما ذهب بكل الأمم التي ذهبت من قبلنا.

ويشير إلى أنه إن كان الأمر كذلك فإننا مطالبون بالأخذ بالشرط الموجود في أول سورة محمد صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ "، إذًا إما أن ننصر الله سبحانه وتعالى وينصرنا، ويثبت أقدامنا، وإما أن نتولى فيستبدل الله مكاننا قومًا آخرين هم أفضل منا وأحسن منا، ويوفوا بشرط الله سبحانه وتعالى، وبنصره، فيثبتهم الله تعالى ويمكّن لهم في الأرض.