"مواقف تربوية أحزنتني"

ولد السقيفة وابنة الصرع

كان يجلس منكمشًا في المقعد الأخير من الصف، يلتصق بالجدار كأنه جزء منه، ملابسه غير نظيفة، شعره أشعث، أظفاره طويلة شديدة القذارة حال بقية يديه. يشتكي منه المعلمون دائمًا بسبب ممارسته العنف الجسدي واللفظي على زملائه في الصف والمدرسة.

لا يعرف الأحرف ولا الأرقام، مع أنه في الصف السابع، وقد رسب ثلاث مرات في الصف ذاته، بينه وبين المواد الدراسية عداء شخصي لا أظنه قابلًا للتغيير والتبديل، إنْ اقتربتَ منه وتحدثتَ إليه صمتَ صمتًا تامًّا كأنه شجرة تتحرك أوراقها وأغصانها دون أن تنطق بحرف أو كلمة.

أسأل نفسي مستنكرة: "سأفترض أن درجة ذكاء هذا الشخص متدنية، ولكنه في الوقت ذاته لا يعاني أي إعاقات عقلية تقف حائلًا بينه وبين التعلم، فما الذي يمنعه من أن يعرف الأحرف ويركِّب منها كلمات يقرؤها أو يكتبها، وكيف لا يعرف الأرقام ولا يستطيع التعامل معها، بعد عشرة أعوام أمضاها في مكان يُعلم القراءة والكتابة والحساب بقية العلوم؟!، هل يُصدق أن هذا ما يزال يحدث مع بشر في وقت فعل فيه بشر آخرون عجائب وغرائب وبلغوا مستحيلات؟!

ولما كانت الحياة متتاليات يرتبط بعضها ببعض، فلنوجه أنظارنا قليلًا إلى الوضع الأسري الذي يصعب وصفه لهذا الفتى.

يسكن الفتى مع أسرة قوامها ثمانية من الأبناء إضافة إلى والدين أُمِّيين، مدخنين بشراهة، في سقيفة من الزينجو يتشاركونها مع الدجاج والبط والأرانب والحمام، ويحرس باب البيت كلب كبير الحجم مثل ذئب يُكشر عن أنيابه نابحًا، إن ولج أحد المسافة الشخصية لهذه الأسرة وسقيفتها.

وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل تعداه، فداخل البيت عالم آخر من الانهيار الأسري والتشرذم، فلا رعاية للأبناء أو اهتمامًا بشؤونهم؛ كل فرد مسؤول عن ذاته، لا اهتمام بالتعليم، ولا الاحتياجات الأساسية التي لا غنى عنها من ملبس ومأكل ومسكن، كثيرًا ما يتغيب الأبناء عن مدارسهم ليعملوا ويحصلوا على بعض النقود، ثم يعودون إليها بعد انتهاء ورشة التشغيل، العنف والإهمال هما السمتان الأبرزان بين أفراد الأسرة، حتى بين الوالدين.

*  جهل والديْن يجرُّ وراءه إرثًا ثقيلًا وعبئًا لا ينقص مجتمعنا الـمُثقل بالأعباء.

****************

طفلة جميلة، نظيفة، مرتبة، عيناها تلمعان ذكاءً وفطنة، متفوقة في دروسها، من أدواتها المدرسية تُدرك أنها ابنة لأسرة ثرية، كل شيء يخصها كان على أفضل حال، حتى ذلك اليوم الذي حضرت فيه مصابة بالتهاب في الحلق وسعال وحرارة خفيفة، ما إن انتهت الحصة الثالثة، وخرجت التلميذة إلى ساحة المدرسة بعد أن قرع جرس الفرصة، حتى شرعت الطالبات يصرخن بمناداة المعلمات.

كانت التلميذة تستلقي أرضًا غائبة عن الوعي، جسدها متشنج، من فمها تخرج رغوة بيضاء، وجهها محتقن، رجح لدى المعلمة المسؤولة عن الصحة أن تكون نوبة صرع، استُدعيت طواقم الإسعاف، واتصل بأم التلميذة التي حضرت على الفور، الشيء العجيب المحزن أن الأم تصرفت بقسوة غريبة لا توصف، سحبت التلميذة من يدها بعنف محاولة أن تجعلها تقف على قدميها، وشتمتها ثم قالت: "كفاك دلعًا، لن يأبه لك أحد"، وأخذ تجرها على الأرض مثل حزمة من الحطب. تدخلت المعلمات لمنعها، ولكنَّ الأم قالت: "ابنتي وأنا حرة بها، كل ما في الأمر أنها دلوعة، وتريد لفت الانتباه إليها، دون أن تُدرك أن هذا يسبب لها ولنا فضحة في مجتمع القرية".

رفضت الأم أن تتدخل طواقم الإسعاف في الأمر، ومضت بابنتها إلى البيت.

* ما تزال شعوبنا تتعامل مع المرض على أنه لعنة أصابتهم، عليهم إنكارها وإخفاءها تمامًا، ومن المعيب والعار أن يعلم من حولهم أنهم مصابون بمرض مزمن، ووصل الحال بكثيرين منا أن يسموا الأمراض مسميات تُخفف من وطء المرض؛ فالصرع يسمونه مثلًا: (شحنات كهربائية زائدة ... وهكذا).