يوم غدٍ

مذ كنتُ طفلاً أدركتُ أن الله عز وجل قدّر لي أن أكون وحيدًا لا أخ لي، يرافقني، أو يلاعبني، أو يصطحبني في مشاويره.

كنتُ على مقاعد الدراسة أذهب وحيدًا وأعود وحيدًا، وأنا أنظرُ إلى زملائي الذين كان لهم إخوة يكبرونهم أو يصغرونهم وينتظرونهم ليؤازر كل منهم الآخر، ويفضفض له ما في نفسه، إلا أنا.

لم يكن يواسيني بعد الله عز وجل سوى أبي وأمي اللذين يكبرانني بنحو 44 عامًا.

استمر بي الحال طويلا، بأيامه ولياليه وشهوره وأعوامه، وفي كل ظرفٍ ومناسبةٍ علمية أو ترفيهية أو اجتماعية، وكنت دوما أتأمل وأكثف استعمال عقلي لفهم ما يدور حولي، وطبيعة العلاقات الإنسانية، ولطالما طرحت في نفسي سؤال: من أنا؟ وكأنما كنتُ أريد أن أتعرف إلي.

أؤمن منذ نعومة أظفاري بأن وجودي في هذه الدنيا هو لأداء مهمة يريدها الله الخالق سبحانه وتعالى، وأن البشر يخطئون "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، حتى لو كان منهم أخ لي، ولهذا فإن أقرب السبل إلى الله عز وجل هو اتباع منهجه، وسنة رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أحرص على الاقتداء به وحده.

وأثرت بي كثيرًا آيات القرآن الكريم، ومنها قول الله تعالى في سورة عبس: "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ".

صحيح أن الإخوة الصالحين نعمة في الدنيا، ومنهم من ولدتهم أمك ومنهم من ولدتهم المواقف، لكن عملك بعد رحمة الله تعالى هو ما سيؤنسك، وسينفعك، عملك أنت، في تطبيق ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله.

نعم، إن كان لي أخ في الدنيا فسيفر مني يوم القيامة، وفي ذلك تطبيق لقول الله تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)" (سورة الزلزلة)، وقوله سبحانه: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (فاطر: 18).

لن ينفعك اليوم في الدنيا إلا إيمانك بالله قلبًا وقولًا وعملًا، كما لن ينفعك أن تتحامى بأحد يوم غدٍ –يوم القيامة- ولن ينفعك أن يدافع عنك أحد، ولن ينفعك إذا كان الآخرون قد عملوا صالحا أم سيئا، وإن كانوا تواصوا بالحق أم تواصوا بغيره، أنت ستحاسب على عملك أنت. "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)" (الشعراء).

وأنت عليكَ أن تنصح إخوانك، بتقوى الله عز وجل، وأن تتأثر فقط بمن يقودك إلى الله، وليس في أي اتجاه آخر.

كل شيء زائل، من هذه الدنيا التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وما سيبقى هو بصمتك في العدل والإحسان، وما ستصطحبه إلى القبر هو عملك أيضًا.

هذا تماما ما ينبض به قلبي: اللهم يا رب الكون اجعلني ممن يأتونك يوم القيامة بقلبٍ سليم.