هلال الأبوة هلّ.. ما أخبار مشاعرك؟

...
غزة/ أسماء صرصور:

عزيزي القارئ، زوجتك في كشك الولادة الآن، فأين أنت في هذه اللحظة؟، بجانبها أو على الأقل على البوابة الخارجية تنتظر مولودك؟، أم أنك قررت الذهاب إلى عملك وتركها تنجب برفقة والدتها ووالدتك؟

سؤال آخر أود طرحه عليك: بم تشعر؟، سعيد لأنها ستنجب أول أطفالك أو طفلًا جديدًا؟، هل يعتريك الخوف عليها وعلى الطفل؟، أم أنك ضغطت على نفسك حتى لا تشعر بأي شيء، على أساس اعتقاد بعض أن المشاعر "ضعف" وهي للنساء لا للرجال؟

ماذا قالوا عن مشاعرهم؟

يقول الشاب رزق الغرابلي (35 عامًا): "مشاعر قدوم المولود الأول فرح وأمل، كأني رأيت الحياة لوحة فنية متناسقة الألوان، وسبحان من قال: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)"؛ مشيرًا إلى أنها كانت لحظات مشوقة جدًّا في انتظار هلال أول يوم من عصر "الأبوة".

لذا تفرغ الغرابلي من كل أشغاله ليراقب لحظات انبثاق هذا الفجر الجديد، ورافق زوجته حتى آخر ساعة قبيل ولادتها، وحاول مساندتها وبذل كل ما يستطيع من جهد ليخفف عنها الألم، وهو يفكر كيف سيكون صوت بكاء الطفل؟، سيشبه من؟، كيف سيحمله؟، كيف ستكون الليلة الأولى معه؟، من أي صيدلية سيشتري له حاجاته؟، وما الحلوان الأنسب للمهنئين؟

كل هذه المشاعر والأفكار لم تكن حبيسة وجه جامد من المشاعر له، بل حرص على الحديث عنها وإخراجها أمام أهله وأصحابه المقربين، يعلق: "بانت فرحتي في قسماتي وحركاتي وسكناتي، وتبدلت الحياة غير الحياة، غير أني اجتهدت ألا أبرز هذه الفرحة كثيرًا خارج البيت"، مرجعًا ذلك إلى أن مولوده الأول جاء إلى الدنيا في عاشر أيام العدوان على غزة (2008-2009م)، وجرح الناس كان لا يزال مفتوحًا.

الغرابلي استمر على ديدنه مع كل مولود جديد يأتي إلى الدنيا، فيكون جزءًا لا يتجزأ من زوجته وهي تجاهد ليخرج طفلها إلى النور.

أما الصحفي أحمد منصور (35 عامًا) فيلفت إلى أن المشاعر صنعت بداخله مزيجًا لذيذًا، فهي مشاعر جميلة تطرق باب حياته للمرة الأولى، أن يكون أبًا مسؤولًا عن طفل، وإحساس عال بالنضوج يؤهله للانتقال إلى المرحلة التالية في هذه الدنيا التي لا تتوقف عن مفاجأته.

منصور تعامل "بسذاجة" كما يصف نفسه عندما عرف أن زوجته حاملًا بعد 50 يومًا من زواجهما، فهو أمسك سماعة الهاتف ولم يتركها حتى أخبر كل من يعرفه أن زوجته حامل، لكن على ما يبدو مشاعر الفرح هي التي سيطرت عليه وعلى أفعاله حينها.

والعامل المشترك بين كل مواليد منصور أنه استطاع مرافقة زوجته في أثناء ولادة كل واحد منهم حتى في كشك الولادة، وهي سابقة من نوعها حرص عليها ليكون سندًا لها، ويخفف عنها لحظات المخاض الصعبة.

أخيرًا في استطلاع الآراء "فلسطين" "انتزعت" القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية نبيل دياب (47 عامًا)  من ميدان السياسة إلى ميدان الاجتماعيات، ليجيب هو أيضًا عن مشاعره وقت إنجاب زوجته.

يقول دياب: "شعور رائع تملكني أني أصبحت أبًا وذا كيان اجتماعي مختلف، ويعزز ارتباطي أكثر بالسيدة التي قبلت لنفسها أن تكون شريكة لحياتي وأمًّا لمولود من تكويني الآدمي"، مشيرًا إلى أنه لم يتردد لحظة في إشاعة وتعميم إنجابها، متباهيًا بنعمة الله.

ويلفت إلى أنه في كل حمل لزوجته تختلط المشاعر بين الفرح والأمل بالقادم الجديد والقلق على صحة زوجته حتى قيامها بالسلامة ووضع المولود، ويرافقها في كل المراحل ليطمئن عليها.

بين ثلاث حالات

وبالانتقال إلى أستاذ الإرشاد النفسي والتربوي بجامعة الأقصى د. عبدالله الخطيب، إنه ينبه إلى أن شعور الأبوة مهم ويحتاج له كل رجل، خاصةً أننا في مجتمع يرغب بالأبناء والذرية ويبحث عنهم، وهي سنة اجتماعية أن يرزق الزوجان الأبناء، والله (تعالى) يقول: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، ويقول: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها".

فلو نظرنا إلى هذا النص القرآني لوجدنا كما يقول أن المودة جعلها الله بعد مرور مدة من الزواج وربما إنجاب الأبناء، أو علمهما بأنهما بانتظار مولود جديد، فكثير من الأزواج حينها تصل عندهم الحياة الزوجية إلى مرحلة المودة العالية، والخوف على زوجته، ويحاول قدر المستطاع توفير سبل السلامة بكل ما أوتي من قوة.

ويبين أن هذه السلامة منها عدم رؤيته لها في حالة حزينة أو يائسة، ويحاول ألا تراه في مشاعر سلبية تجاهها سببها الخوف عليها، لذلك يتهرب من مواجهتها حتى لا تراه ضعيفًا، وحتى لا يزيد عليها وجعها.

ويلخص حديثه بأنه في المجتمع حالتان: الأولى هي حالة البعد عن الزوجة، للخوف والحرص عليها، وعدم رؤيتها في حالة ضعف وانكسار وألم، والثانية: الهروب من الواقع الذي يعيشه، وأن الموروث الثقافي الذي اكتسبه يقول الزوجة مسئولة عن نفسها في هذه المرحلة، وأن وظيفة الزوج أن يتسلم هذا المولود وأن يفرح به بعيدًا عن آلامها وضغوطها.

ويشير إلى أن الرجل قد يصمت في تعبيره عن هذه المشاعر، خشية أي انتقاد له يصوره أنه شخصية محكومة لزوجته، وهذا يؤثر في علاقته مع الآخرين ومع زوجته، لذلك يحاول التجنب والابتعاد.

وبسؤاله عن بعض الأزواج الذين غيروا أسلوبهم في التعامل مع الزوجة، فما الذي يدفع هؤلاء لـ"كسر حاجز الخوف" لديهم رغم موروثهم الثقافي، يعلق: "نحن الآن نعيش في عصر فيه الكثير من التوترات والضغوط، فكثير من أفراد المجتمع ينشغلون بأنفسهم وبحالاتهم، فالزوجة ما لها إلا الزوج، لأننا نعيش في حالة "الأسرة النواة" أي الزوج وزوجته وأبنائهما، لذلك جزء كبير من الرجال والسيدات يجدون صعوبة في التواصل مع أهاليهم في أمورهم الخاصة، فمن سيرعى ويسهر هو الطرف الآخر في الأسرة النواة".

رسائل لكل حالة

ويلفت إلى أنه في الآونة الأخيرة، يلحظ إقبال كثير من الأزواج على المستشفيات للاطمئنان على زوجاتهم، في الأماكن المخصصة للرجال، وهو شيء مهم أن الرجل يريد أن يكون حاضرًا مع زوجته بكل تفاصيل الميلاد، ويهتم بها مثل اهتمامه بالمولود، ويحاول إسعادها بالهدية، ويظهر مشاعر الحب والوفاء لزوجته.

ويرسل الخطيب رسائل للحالات التي أوردها في حديثه، فيقول للأولى (حالة البعد والجفاء): "إنه على الإنسان أن يكون ودودًا عطوفًا حنونًا على زوجته، لأن الزوج إن فقد هذه المشاعر تصبح الحياة خالية من المتعة والانبساط والحب، بل يغلب عليها طابع المشكلات والتصعب والجمود، وتصبح الحياة مجرد روتين قاتل بين الزوجين".

أما الحالة التي تظهر المشاعر فيقول لهم ولزوجاتهم: "هنيئًا لكم هذه المشاعر، التي استطعتم أن توصلوها بكل حب أمام الآخرين، فهذه المشاعر لابد أن تظهر، والحب لابد أن يكون في كل تفاصيل الحياة الزوجية".

ولمن "كسر حاجز الخوف" يقول: "أحيانًا الإنسان يكون لديه رغبة في إظهار المشاعر، لكن بعض العادات والتقاليد تكون رابطًا، فعلى الإنسان أن يحترمها لكن ليس على حساب مشاعر زوجته، بل لابد أن يرسل لها رسائل المشاعر بكل ما أوتي من قدرة، وأن يكون معها ويساندها ويقف معها".

وأخيرًا يشدد على أهمية إظهار المشاعر والأحاسيس بين الزوجين، لاسيما أن الدراسات تقول إن الحالة النفسية لهما بعد ميلاد مولودهما تنعكس تمامًا على صحته النفسية والجسدية.