ماذا لو تجاوز تعلق طفلك بك الحدود الطبيعية؟

...
صورة تعبيرية
غزة/ صفاء عاشور:

كان مثيرًا للانتباه والفضول معًا في أثناء تصفح إحدى مجموعات التربية الخاصة بالأطفال صورة لأحدهم وبجواره رأس دمية مقطوعة، مشابهة لرأس الإنسان، وكُتِب أسفلها تعليق يوضح معاناة كثير من الأمهات مع أطفالهن الذين يرتبطون بهن ارتباطًا يبدو "مزعجًا".

‏فالطفل "Harry" من بريطانيا يبلغ من العمر 14 شهرًا لا يعرف النوم والسعادة إلا إذا لعب بشعر أمه، لكن هذا الأمر أصبح مزعجًا لها، وبدأ الطفل يسحب شعرها ويتسبب لها بالألم والصداع.

تلك الأم أوجدت حلًّا غريبًا ومخيفًا في الوقت ذاته، عندما تمكنت من إيجاد بديل لرأسها يتمثل في رأس دمية بمثل مواصفاتها، وأصبح الطفل مرتبطًا بالدمية إلى درجة أنه يأخذها في كل مكان.

فمشكلة تعلق الطفل بأمه تعلقًا جنونيًّا تواجهها كثير من الأمهات اللواتي يستطعن السيطرة عليها أحيانًا، ولكن في أوقات أخرى تكون الغلبة للطفل الذي يريد أن يبقى لصيقًا بأمه كظلها، ما قد يحد من حريتها.

دعاء العكة أم لثلاثة أطفال ذكور، معاناتها تكمن مع ابنها الأوسط الذي تجاوز ستة أعوام ومرتبط بها ارتباطًا كبيرًا، فإنه يرفض النوم إلا بحضنها مع اللعب بشعرها، لافتةً إلى أن الأمر أصبح يضايقها كثيرًا.

وفي حديث مع صحيفة "فلسطين" تقول: "استمرار طفلي على هذا الحال سبب لي الكثير من الإزعاج، خاصة في ساعات النوم إذ يرفض النوم بمفرده، ويحب أن يلعب بشعري قبل أن ينام"، مضيفة: "كثيرًا ما كنت أستيقظ وأجده بجانبي يمسك شعري ويلعب به، فأذهل قبل أن أتمالك أعصابي وأعيده إلى سريره مجددًا".

وتوضح الأم أنها بحثت كثيرًا في هذا الموضوع على شبكة الإنترنت، ولكنها لم تتوصل إلى نتيجة إلا التفاهم معه ومحاولة إشغاله وإلهائه بأشياء أخرى حتى تخفف من هذه العادة عنده.

الاختصاصي النفسي إسماعيل أبو ركاب يوضح أنه من الطبيعي منذ ولادة الطفل أن يبدأ التعلق بوالدته، ويطلب منها كل ما يحتاج له من شراب وطعام وغيرهما من احتياجاته اليومية، وهذا أمر لا تستطيع السيطرة عليه عاطفيًّا ولا مكانيًّا.

ويقول أبو ركاب لصحيفة "فلسطين": "التعلق النفسي بين الطفل والأم حتى سن ست وسبع سنوات عاطفيًّا مقبول، وهذا طبيعي، ولكن إذا وصل الأمر إلى التعلق المكاني ساعات طويلة وبقائه ملتصقًا بالأم التصاقًا مزعجًا؛ فهذا يتعدى جزئية التعلق إلى إشكالية نفسية بسبب صدمة واجهها الطفل".

ووفقًا لحديث أبو ركاب، إن مواجهة الطفل لصدمة بسبب موقف في حياته تجعله يشعر بالتهديد الدائم والخوف من فقدان أمه، لذلك يفضل أن يبقى قريبًا منها ليشعر بالأمان، وهذا ما يفسر التعلق بالأم، خاصة في ساعات النوم، والحمام، والمطبخ، وغيرها من الأماكن داخل المنزل وخارجه.

ويبين أنه يجب معرفة تاريخ بدء حالة التعلق عند الطفل، وعند ذلك يمكن للأم معرفة سببها، وكيف واجه الطفل صدمة في تلك المدة جعلته يشعر بالخوف وفقدان الأمان في عدم وجود والدته بجواره.

ويشير أبو ركاب إلى أن تحديد سبب الصدمة يكون بداية العلاج لحالة التعلق غير الطبيعية، أو إمساك أي شيء يتعلق بوالدته: ملابسها، أو شعرها، أو يديها.

وينبه إلى أن التعامل الصحيح مع الطفل الذي يعاني هذه الحالة من شقين: الأول عند مرحلة فطام الطفل يفترض على الأم دمجه في الآخرين وتشجيعه على ذلك وعلى الانفصال عنها، وهذا الأمر كفيل ببدء الانفصال المكاني.

أما الشق الثاني فعندما يكون الطفل في سن أربع سنوات يشعر بأن والديه ملك له لا يمكن أن يذهبا إلى مكان دونه، وهنا يمكن التعامل بهدوء والانسحاب التدريجي من المكان الموجود فيه الطفل.

ويختم الاختصاصي النفسي بتأكيد ضرورة تشجيع الطفل على الانفصال المكاني بالتدريج، والاندماج في العالم الخارجي، بالخروج مع والده وإخوته الكبار إلى المسجد، أو محل البقالة، أو الزيارات الاجتماعية، ليتعرف إلى أكبر مساحة من البيئة المحيطة الآمنة، وهذا يزيد من شعور الطفل بالأمان ويخفف من تعلقه بأمه.