​أبناء "يوسف" يتجرعون كأس اليتم التي ذاقتها أمهم

...
صورة أرشيفية
غزة/ مريم الشوبكي:

صبيحة اليوم التالي لاستشهاده طبعت زوجته "ريم" على جبينه قبلة الوداع الأخيرة وسكبت دموعًا بللت وجهه، همست في أذنه "الله يسهل عليك يا حبيبي، سلم على أبي، لقد سامحتك"، ومن ثم حملوا جسده الطاهر بعيدًا إلى حيث مثواه الأخير.

هذه بعض تفاصيل قصة الغزي يوسف أبو كميل (35 عامًا)، الذي كان قد حمل ظهر يوم استشهاده رفيق دربه الشهيد سهيل قنيطة على كتفيه دامعًا على فراقه، لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى أصبح هو المُشَيَّع بعد أن كان المُشيِّع.

واستشهد أبو كميل الذي كان يقطن في حي الدرج وسط مدينة غزة خلال العدوان الذي شنه الاحتلال على قطاع غزة الأسبوع الماضي، ووفق وزارة الصحة في غزة ، استشهد 34 مواطنًا وأصيب 111 آخرون بجراح مختلفة، بينهم نساء وأطفال.

ومن ضمن هذه الحصيلة الإجمالية ثمانية شهداء و12 مصابًا من عائلة واحدة.

تاهت الكلمات في فمها، والدموع تحكي وجع استشهاد زوجها في قلبها، وهي التي تعيش بعده اليتم للمرة الثانية، فهي فقدت أباها في عمر السادسة، وتربت يتيمة واليوم هي تربي أيتامها.

على سفرة الفطور صباح الأربعاء الماضي، اجتمع "يوسف" مع "ريم" وأطفاله الأربعة، وأخذ يمسح على رأسها وأطفاله بين استغراب وضحك، ويوصيها على أولاده وأخته شروق، أحست بوخزة في قلبها وهي تقول: "أنا يتيمة يا يوسف، لا تيتم أولادي، إذا رحلت لن أسامحك".

وشروق هي شقيقته الوحيدة من والدته التي توفيت قبل عام ونصف، والتي جاءت مفزوعة من العدوان ولجأت إلى بيت شقيقها الثاني الذي نزل إليه يسأل عنها، فلم يجدها حتى أخبرتها زوجته أنه سأل عنك مرارًا، فجاءته شروق تحتضنه وكأنها بغير قصد تودعه".

النسوة اللاتي كن يحففن بـ"ريما" كما كان "يوسف" يحب أن يدلعها، في بيت عزاء زوجها، يتسابقن في ذكر مناقبه، وكلهن يؤكدن حنيته الجمة، كيف أنه يشتري الحلوى لأبناء أخيه المتوفى ويتفقدهم على الدوام.

لا تنسى "ريم" حديث حماتها عن حنان "يوسف" الذي كلما كان المرض يشتد عليه، كان يجلس عند قدميها ويخفف عنها آلامها، فتشيد به والدته، وتخبرها بأن الله عوضها بحنان أبيه في ابنها: "أنت يا ريما يتيمة، وأعطيتك أحن أبنائي"، تكفكف دموعها: "كان حنونًا وذهب إلى الحنان".

"يوسف" كابد الدنيا بشقائها وتعبها، كان يتطلع إلى تحسين ظروف عائلته وبيتها المتواضع، ولكن عمله في البناء و"الطوبار" كان فيه شقاء واجهاد كبيران، إضافة إلى أنه متقطع، ومع ذلك كان الرضا يتملكه.

اجتمع "يوسف" مع ريم وأبنائه، على سفرة الغداء، وهذا قلما يحدث في أيامه بسبب انشغاله، همت زوجته في صنع طبق البامية، ولكنه اشتهى "المقالي" فصنعت له ما اشتهى، وبدا يأكل كأنه يأكل المرة الأخيرة بصحبتهم، كما تروى "زوجته".

ومن ثم "دخل غرفته مستلقيًا على سريره بعد أن هده التعب، فتعجبت "ريم" من رائحته "شاري ريحة يا يوسف"، فضحك لأنه ظن أنها نفرت من عرقه، وقال: "الآن بتحمم يا حبيبتي وبرش ريحة"، لكن كان دافعها أنه وكأنما المسك يفوح إيذانًا باستشهاده.

سيفتقد أطفاله وإخوته وأخته والحارة، ابتسامة يوسف ولعبهم معه، سيفتقدون طعم السكاكر الممزوج بحنية "يوسف"، رحل ولكن ذكراه لن تنسى.