الجارُ جار


"الجار للجار وإن جار" كلماتٌ تفتحت عيوننا عليها سنواتٍ طوالًا لتزرع فينا معاني الأخُوة والصفاء، واحترام الأحبة، ومزيدًا من الترابط والتراحم والنقاء.

مشاهد التعاون والمحبة في المناسبات، والتعاطف بين الجيران كانت العنوان والمألوف إلى مستوى يصعب عنده أن تفرق بين الجيران والأهل من شدة التواصي والتقارب، هكذا كانت العلاقات في أجواء من التواصي والسؤال الدائم والتفقد، قبل أن تنحدر العلاقات تدريجًا، الذي بدأ بتقهقر منظومة القيم الاجتماعية كثيرًا لتتأثر بفعل الخوف من المجهول، وغموض المستقبل مع تعاقب الأزمات وتواصل الظروف المعيشية الصعبة التي لعبت دورًا واضحًا في تدني العلاقات الاجتماعية، وإضعاف منظومة القيم الاجتماعية.

ومن جهة أخرى ساهمت مواقع التواصل في التباعد الاجتماعي في بعض الأحيان، إذ اكتفى كثيرون بالسؤال برسالة أو تعليق نطمئن به على سلامة الأحبة، فما بالكم بالجيران الذي نكتفي بمتابعتهم من بعيد، إن بادرنا وتعرفنا إليهم؟!، وكثيرًا ما يسكن الجار ويرحل دون أن نتعرف إلى اسمه أو تلتقي نساؤنا أو نتزاور، لتبقى العلاقات الدافئة مع الجيران مجرد ذكريات حيث جارات والدتي كن يجتمعن يوميًّا لإعداد الأطعمة، وتجاذب أطراف الحديث، لتظهر سيدة الجلسة لتنصح الصغيرات، وتقوم سلوك المخطئات، لتعيد الكفة إلى مكانها وإرجاع المياه إلى مجاريها.

ساهم أيضًا خروج المرأة للعمل مساهمة كبيرة في ذلك، فبعدها عن البيت ما يقارب عشر ساعات متواصلة جعلها غير قادرة على التواصل مع الجيران، لكونها لا تكاد تقوم بمهامها اليومية في بيتها وسداد حاجة بيتها وأطفالها، الأمر الذي حرمها جلسة صباح دافئة مع جارة صديقة أو مقربة لتحتسي معها فنجان قهوة ساخنًا، هذا هو واقعنا الجديد.

هكذا كانت العلاقات مع الجيران قبل أن تسرقنا الأنا، وتسيطر على مجريات حياتنا اليومية، وتقودنا إلى أن أدنى درجات العلاقات الإنسانية، حقيقةً إن حجم التغيرات الاجتماعية والقيمية التي طرأت في السنوات الأخيرة على مجتمعنا الغزي -خاصة سيادة النزعة الفردية، وظهور الأنا الدنيا حتى على نطاق الأسرة الواحدة- ساهم في انحسار كثير من القيم الطيبة التي كانت سائدة في الماضي، ومنها العلاقة بين الجيران، التي كان يحكمها الوئام والترابط والتكافل، وحُرِمَها أطفالنا.

إن قيمة الحفاظ على الجيران قيمة جميلة، وهي مازالت في نطاق ضيق ببعض التجمعات والأحياء، وإن كانت محدودة، فهي دعوة للحفاظ على ما تبقى من منظومة قديمة رائعة ليتها تتجدد وتعود بين الجيران، ليعود للجار مكانته لنحقق مبدأ الآباء والأجداد "الجار قبل الدار".

إن التّدهور في العلاقات بين الجيران تجسيد لحالة عامة وجزء من مشكلة تهتك العلاقات بين الأرحام، ويرجع إلى طبيعة حياتنا المعاصرة، وغلبة المصالح الشخصيّة والماديّة، والأخطاء التربويّة للآباء، فيربّون أبناءهم على الأنانيّة والعنف وعدم الرّضا والقناعة بما لديهم، ولا يربّونهم على حبّ الخير والتّعاون والإيثار، ولا يدرك الآباء أنَّ ما يتعلَّمه الأبناء ويكتسبونه في مرحلة التّنشئة الأولى من القيم والأخلاقيّات هو الّذي يسيطر عليهم عندما يكبرون ويصبحون جيرانًا للآخرين، فتنعكس قيمهم التربويّة والسلوكيّة الّتي اكتسبوها من قبل، على علاقاتهم المستقبليّة مع غيرهم.

وأخيرًا هي دعوة للجميع؛ فالمسئولية جماعية، وبتكاتف الأيدي واسترجاع كل الأدوار ندرك تلك العلاقة السامية والنبيلة مع جيراننا، ليعود المجتمع إلى تماسكه وترابطه واستعادة حقوقه، ويبقى مدى التزام الفرد بدينه هو المرجع لتطوير علاقة الإنسان بجيرانه وأحبته وأهله.