​"غيمة صيف عابسة"

لا أظنني يومًا سأتحلل من مشنقة الندم، وأعود إلى سابق عهدي بشعوري بالبراءة، فكنت يومًا في صحراء مجدبة جافة، لم تزل بي الخطيئة، تتبعني وتلاحقني حتى جذبتني إلى مدارها العفن، وتركتني أنزلق في أوحالها القذرة، وأتلوث بدنسها المقيت، أغرق الآن في بحار الندم ولا أخالني أستطيع الخروج منها بسلام، دموعي لا تكف عن الجريان بعد أن انهارت سدود روحي، ولحق بي الخزي والمهانة اللذان قبلتهما لنفسي واستسلمت لهما بمحض إرادتي، أخجل من نفسي وأنا أبوح بهذه الكلمات الآن، ولا أسوغ فعلتي حين أقول لكم مؤكدة أنني كنت ظمآى لكلمات ندية ترطب مشاعري وعواطف ملتهبة تدفئ روحي، لم أكن أطلب سوى بعض من الحب، برغم وجود زوج يشاركني في الحياة ومفرداتها، لكنه كعادة الرجل الشرقي عامة، كان بخيلًا في عواطفه، يضنُّ عليَّ بما يحيي قلبي ويؤنسه، كنت عندما أتحدث إليه مطالبة بفتات من الحُب، يصرخ بي قائلًا: "ألا تدركين أني أحبك؟!، فهل الحب في رأيك يتجلى في كلمات ورومانسيات؟!، هل أسيء إليك في شيء؟!، هل أُنقص من حقك شيئًا؟!، ألن تكبري؟!، هل تظنين نفسك ما زلت مراهقة بحاجة للغزل وإعادة تمثيل حكايات المحبين؟!"، ثم يقطب جبينه ويدير وجهه عني أيامًا عدة، كنت كثيرًا ما أتحدث إلى ذاك الزميل هاتفيًّا في أمور تخص العمل، كان لطيفًا، ودودًا، يبدأ حديثه معي بسؤالي عن نفسي وصحتي، ويهتم بشؤوني أكثر مما يفعل زوجي، برغم أن الظروف لم تجمعني به، بل كانت علاقتنا مجرد ذبذبات صوتية متحفظة ينقلها الهاتف الأرضي بين الحين والآخر، ولكن انجذاب وود شرعا يقربانني منه، طفق قلبي يهفو لأسمع صوته، وما فتئت روحي تطمئن للحديث إليه، أخذت أقاوم مشاعري بشدة وعنف، وأرفضها جملة وتفصيلًا؛ فأنا لست امرأة تقبل على نفسها أن تمارس فنون الغواية مهما كانت تعاني جفافًا عاطفيًّا، كما لا يمكنها أن تكون فريسة لأي رجل في أيما وقت، مهما كانت المسوغات.

وهبت الرياح ناحيتي على عجل، لا أدري أكان للشيطان يد فيها أم لا، جمعتني به دورة في العمل في مدينة بعيدة عن مكان سكناي، أيام ثلاثة غبتها عن البيت، بعيدة عن زوجي قريبة من زميلي، كانت كفيلة بقلب موازيني، وتغيير اتجاه رياحي، وجدت نفسي غارقة في الحب حتى أذنَيّ، وقلبي جذِلًا مطمئنًا، أما إملاءات عقلي فهبت منتصبة غاضبة مشمئزة رافضة تثور علي وتتوعدني بالويل والثبور، وانسقت وراء قلبي كالمضبوعة التي ألغت عقلها ومعتقداتها، وجريت وراء الكلمات الرقيقة التي كنت بأمس الشوق إليها، ولم يكن زميلي يتوانى في إطراب روحي بها طوال الوقت.

انقضت أيامي الثلاثة تلك وعدت إلى بيتي، أشعر نفسي كالحي الذي وجد نفسه فجأة على أعتاب الموت دون أن يحسب له أي حساب، وجدتني أتحاشى النظر في عيني زوجي، وأتهرب من صغاري وأسئلتهم وكلماتهم، ومكان العواطف الملتهبة التي اضطرمت في قلبي في الأيام المنصرمة، طفا على سطح روحي شعور عنيف بالاحتقار، بالبغض، بالخجل من نفسي، أخذ صوت غاضب يصرخ داخلي ويتمرد علي وينعتني بالخائنة، يقرِّعني ويلومني ويتهمني بأنني خرجت من بيتي أتسول الحب والعواطف حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، برغم إدراكي التام مسبقًا أن هذه التجربة ستكون مجرد غيمة صيف سرعان ما ستمضي، انكببت على نفسي أجلدها بقسوة، وألومها وأُقرِّعها بلا رحمة، وأحتقرها بلا حدود، برغم أني لم أكن وحدي المخطئة المجرمة، وبرغم أني لست شيطانًا مريدًا، إلا أنني لم أستطع أن أكون في أوقات حرجة ملاكًا منزهًا.