بعد 71 عامًا على النكبة

خريطة فلسطين للأطفال أنجزها "عاصي" مستلهمًا فكرتها من المكتبات العالمية

...
صورة أرشيفية
حيفا– غزة/ أسماء صرصور:

أسماء: "من أين جاءتك الفكرة؟".

عمر: "من المكتبات، وبالأخص زوايا الأطفال".

أسماء: "هل لنا بتفاصيل أكثر؟".

عمر: "بالتأكيد".

شرارة الفكرة

ضيفنا لهذا اليوم هو عمر عاصي (30 عامًا)، متزوج، وهو من قرية "كفر برا"، درس نظم معلومات جغرافية GIS في ألمانيا، ويقيم حاليًّا في حيفا لدراسة إدارة موارد بيئية وطبيعية، وحكايته التي سيرويها لـ"فلسطين" عن أول خريطة لفلسطين خاصة بالأطفال، أنجزها هو وفريق لكل عضو فيه مهمته الخاصة، والتفاصيل تتبع:

في أثناء دراسة عاصي في ألمانيا، كان يزور المكتبات كثيرًا، وأكثر الزوايا التي حضرت تفاعله في هذه المكتبات هي زوايا الأطفال، والسبب أن عدم إتقانه الممتاز للغة الألمانية جعله بحاجة إلى لغة ألمانية سهلة، وهي التي تكون في كتب الأطفال، ومن هذه الزاوية رأى ما أشعل بداخله الضوء الأخضر لفكرته.

ففي زاوية الجغرافيا انتبه عاصي لوجود خرائط للأطفال ليست فقط لألمانيا وحدها، بل لجميع دول العالم، وهو أمر تكرر معه ثانية عندما ذهب إلى مؤتمر فلسطينيي أوروبا في السويد، فلأن لغته السويدية ليست قوية؛ اشترى خرائط الأطفال لتكون دليله ويعرف طريقه داخل دولة السويد.

هذان الموقفان طرحا سؤالًا بداخله: "لم لا توجد خريطة لأطفال فلسطين؟"، وبحث كثيرًا عن خريطة كهذه، لكنه -يا للأسف!- وجد شيئًا آلمه كثيرًا، فقد وجد الاحتلال الإسرائيلي أنشأ خريطة للأراضي الفلسطينية المحتلة على أنها تمثل (دولة إسرائيل) للأطفال، ما دفعه إلى الاستغراب، فكيف بعد 71 عامًا من نكبة عام 1948م وتهجير الفلسطينيين من قراهم، لا توجد خرائط فلسطينية للأطفال، الذين من المفترض أنهم ورثة القضية وجيل التحرير القادم؟!

وزاد الأمر أكثر أن عمر عاصي عندما درس في مرحلة التعليم الأساسي -وكان درس في قرية من القرى الواقعة تحت الاحتلال في الأراضي المحتلة عام 1948م- كل الخرائط التي تعلمها لا تتحدث عن فلسطين، وإنما تتحدث عن (إسرائيل) وجغرافيتها، وكبر وهو الفلسطيني لا يعرف من فلسطين إلا الضفة الغربية، وقطاع غزة فقط، كل ذلك حفّزه ليخطو هذه الخطوة، حتى تكون هذه الخريطة الودودة للأطفال مساعدة على كسر الحواجز لدى الأطفال الفلسطينيين في كل مكان، وخاصة في الداخل المحتل.

عمل جماعي

لكن جهد كهذا لا يمكن لعاصي أن يقوم به وحده، وهنا يتحدث عن الفريق الذي يمثل شرائح كثيرة من الشعب الفلسطيني، فهو (من كفر برا) خبير خرائط وفق دراسته، وزوجته (من اللد داخل الأراضي المحتلة عام 1948م) كانت تقوّم المعالم ومدى ملاءمتها مع الأطفال لأنها درست علم نفس وماجستير علم اجتماع، وعملت مع الأطفال.

ورسام الخريطة عمر زغلول وزوجته إيمان أبو عرة (من نابلس) رسماها بإبداع فاق تصور الجميع، ما أعطى الإنتاج قوة أكبر، وداعم الفكرة فلسطيني في قطر، وهو المشرف العام عليها، أحمد درويش مقدسي الأصل.

هذا هو الفريق الأساسي، كما يقول عاصي، إضافة إلى استشارات من هنا وهناك، على رأسها المخرجة الفلسطينية المشهورة روان الضامن، وتنوع الفريق نوّع وجهات النظر، وعزز الخريطة وطورها أكثر، وكل الفريق يعمل طوعًا دون أي مقابل مادي.

وهنا يأتي دور عاصي للحديث عن أبرز المعالم التي حوتها خريطة فلسطين للأطفال، على غرار المسجد الأقصى، ومعالم متحركة كعربة كعك القدس لما لها من رمزية، وفي الناصرة العين وكنيسة البشارة، وفي الرملة وضعوا مئذنة المسجد الأبيض، وفي الخليل وضعوا قطف العنب.

وأما في يافا فإن المميز فيها أنهم لم يأخذوا الساعة المربعة المشهورة جدًّا، بل أخذوا مبنى السرايا الذي لا يدري به أناس كثر، وهو أول مبنى فجرته العصابات "الصهيونية"، فالهدف من الخريطة ليس فقط إظهار معالم جمالية من فلسطين، بل أيضًا أن تكون وراء كل صورة ورسمة قصة تدعو للتعمق وقراءة التاريخ.

والعقبة التي تقف أمام إرفاق دليل إرشادي مع الخريطة يفسر معالمها ويعطي معلومات عنها أن الفريق كما سبق ذكره يعمل طوعًا، وهذه الأفكار تحتاج إلى دعم وإسناد ماديًّا ومعنويًّا.

لكن ما يخفف عنهم وطأة الأمر أن التفاعل مع خريطة فلسطين للأطفال كان أكثر من المتوقع، فعمر عاصي وفريقه توقعوا أن يهتم بها فقط أبناء قطاع غزة والضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948م، لكن الاهتمام عمّ أرجاء العالم، حتى إن أناسًا ليسوا فلسطينيين حزنوا أن عاصي قال إنه يريد من الأطفال الفلسطينيين تعليق هذه الخريطة، وقالوا إنه على كل طفل في العالمين العربي والإسلامي تعليقها.

خريطة تفاعلية

إذًا متى سترى هذه الخريطة النور؟، سؤال لا يعرف له عمر وفريقه جوابًا، فلا سقف زمنيًّا أمامهم؛ لأن توقعات الناس أعلى بكثير من إمكانات الفريق، ولكنهم قرروا مجاراة التوقعات قدر المستطاع، فهم يعملون على هذه الفكرة منذ عام ونصف العام تقريبًا، والنسخة الأولية لم تكن بهذا الشكل.

والجميل، والأكثر تميزًا في هذه الخريطة، أن كل خرائط الأطفال في العالم لا تشبهها، فصانعوها يضعون المعالم فحسب، أما هم فأضافوا أهمية للمساحات، ووضعوا امرأة فلسطينية تمشي في مسار، ما يمكن في المستقبل من صناعة لعبة تفاعلية على الخريطة؛ كأن يمشي الطفل فيها من أم الرشراش حتى جبل الشيخ.

وهناك أفكار كثيرة أخرى، يسعى الفريق إلى تحقيقها؛ حتى لا تبقى الخريطة صامتة، بل يدخل عليها عامل التفاعل، وربما يكون هناك في المستقبل خرائط محلية، كأن يكون لأطفال غزة خريطة لمعالم القطاع، فلا يبقى عقل الطفل محصورًا في مكان سكنه فقط.

حتى هذه اللحظة لم يتواصل مع عمر عاصي وفريقه أي جهة فلسطينية رسمية، لعلها تساهم أو تساعد في هذا المشروع الوطني الكبير، لكن الفريق يفضل التواصل مع مؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال، وفعليًّا يتواصلون معهم يوميًّا ويريدون دعم فكرة الخريطة بكل ما أوتوا من مال.

وهنا يغتنم عاصي الفرصة ليوجه للشباب رسالة مهمة، فالكثير منهم يقول إنه ليس هناك من يدعمهم، وهو ما يؤيده عمر، أن في لحظة الانطلاق لا دعم، إنما في اللحظة التي تنشر فيها شيئًا، وتطبق شيئًا عمليًّا ناجحًا، سيتواصل الناس وأصحاب الأموال والممولون معك من تلقاء أنفسهم.

فعمر لم تكن هذه بدايته مع الخرائط، فهو يسرد تجربة سيئة له مر بها قبل مدة، حينما كان يكتب مقالات عن منطقة في وسط فلسطين، وكان عنوان المقالات "بلاد أبي فُطرس"، وهي منطقة في وسط فلسطين ما زالت محافظة على رونقها، مع أن معظم قراها تحطمت، فأراد إنشاء خريطة، وكان صعبًا عليه إيجاد رسام محترف لإنجاز العمل، ويا للأسف!، خرجوا بإنتاج بسيط جدًّا دون المطلوب، ولم تنتشر الخريطة لضعفها، لكنه لم يدع ذلك يقف عائقًا أمام خريطة لكامل الوطن.

أخيرًا، يشدد عاصي على أنه من الأفضل عدم البدء من الصفر، فلابد من معرفة أين وصل الناس، حتى يبدأ الشخص مما انتهوا إليه، فهناك جهود سابقة في كل مجال، فلابد من البحث فيه والبناء عليه، وهو ما فعله عمر وفريقه؛ بنوا على أفكار سابقة وطوروا، وهذا ما جعل خريطتهم أقوى من خرائط الأطفال التي أنشأها الاحتلال الإسرائيلي ويضعها في مكتبات الأطفال.