رسائل المقاطعة (BDS)

المقاطعة من أقدم أساليب مقاومة الاحتلال في فلسطين، إذ قاطعت القوى الوطنية المصالح الصهيونية قبل إقامة الكيان العبري في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وعملت الدول العربية والإسلامية على مقاطعة الاستثمارات والبضائع الإسرائيلية بعد نكبة فلسطين عام 1948م، وكثير من دول العالم لا تزال تقاطع الكيان ولا تعترف به.

لكن حركة المقاطعة الدولية الرسمية شهدت تراجعًا واضحًا مع توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر والكيان في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وتوقيع اتفاقيات أوسلو في عقد التسعينيات من القرن الماضي، واتفاقيات عربية-إسرائيلية أخرى، وتحولت حركة المقاطعة في هذه المدة من مواقف رسمية ميزتها مكاتب المقاطعة في العواصم العربية إلى حركة شعبية انضوت تحت شعار "مناهضة التطبيع".

لكن ثقافة المقاطعة عادت شيئًا فشيئًا، وعلت الأصوات والحملات المنادية بمقاطعة الكيان بطريقة عفوية في العديد من الدول الأوروبية، مع انطلاق الانتفاضة الثانية في أيلول 2000م، وكان أبرزها مبادرة المقاطعة ببريطانيا في عام 2004م، التي أطلقت بالتنسيق مع الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية في رام الله، وحملة مقاطعة المنتجات الزراعية الإسرائيلية ببلجيكا في عام 2002م، ونجحت هذه الحملة في تجميع مؤسسات أهلية فاعلة في المجتمع البلجيكي لدعم مقاطعة البضائع الإسرائيلية، قبل أن تهدد المؤسسات الصهيونية بعض مركباتها التي اضطرت إلى الانسحاب منها.

بيد أن نقطة التحول في مسار حركة المقاطعة الدولية قد جاءت في التاسع من تموز من عام 2005م، الذي وافق الذكرى السنوية الأولى لصدور الرأي الاستشاري عن محكمة العدل الدولية، الذي عد فيه جدار الفصل العنصري "غير شرعي وغير قانوني"، في هذه الذكرى أصدرت مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني نداء إلى المجتمع المدني الدولي، تطالبه فيه بالعمل على مقاطعة الكيان، وسحب الاستثمارات منه وفرض العقوبات عليه حتى ينصاع للقانون الدولي وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني، وفي المقدمة منها تطبيق حق العودة للاجئين والمهجرين الفلسطينيين، وإنهاء الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م، وإزالة ما تسبب به، ومنح الفلسطينيين داخل أراضي الـ(48) المساواة الكاملة، وقد قع هذا النداء أكثر من 170 نقابة واتحادًا ومؤسسة وحركة وحملة فلسطينية تمثل قطاعات الشعب الفلسطيني جميعًا في فلسطين التاريخية والشتات.

إن أبرز ما يميز حركة المقاطعة الجديدة من سابقاتها هو ارتكازها على أعمدة شعبية غير رسمية، وعليه هي تتطلب زيادة في برامجها الرامية إلى التوعية الشعبية بغية حشد الطاقات للوقوف إلى جانب إخوانهم في فلسطين ومخيمات اللجوء، وتعني الطبيعة الشعبية لهذه الحركة أن لكل فرد أيًّا كان _وليس فقط ذوي النفوذ وصناع القرار_ دورًا في مناصرة الشعب الفلسطيني، بمقاطعة البضائع الإسرائيلية من المستوطنات _مثلًا_ وتوعية من حوله.
إضافة إلى ذلك ثمة أهمية بالغة لمساندة أنفسنا بالعودة إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية من المستوطنات بالأراضي المحتلة؛ فقد أصبح للفلسطيني القابع تحت الاحتلال نظرة دونية إلى نفسه ومنتجه الوطني، حتى عندما يكون المنتج الفلسطيني أعلى جودة من منتج الاحتلال، لكن الموضوع لا يتمحور حول الجودة، فالفلسطيني الذي يختار البضائع الإسرائيلية بوجود بديل وطني أو أجنبي إنما يدعم الحصار على نفسه وعلى أهله وشعبه، من هذا المنظور لا تعد المقاطعة عملًا مقاومًا فقط، وإنما أصبحت ثقافة مقاومة، وهي ثقافة تأثرت سلبًا بثقافة التطبيع مع البلاد العربية التي تنهش بلحم أبناء شعبنا كافة.
إن تقديم الرواية الفلسطينية يجب أن يكون بالعمل على عزل الإسرائيليين بالكامل، والإصرار على دعوة المجتمع الدولي لمقاطعة المؤسسات الإسرائيلية التي لا تعترف بالحق الفلسطيني المقر من قبل الشرعية الدولية.

إن الرواية الفلسطينية هي رواية مقاومة لا تساهم بأي شكل من الأشكال في "تجميل" الوجه القبيح للاحتلال و(الأبارتهايد), هي رواية حقوق في مواجهة استعمار استيطاني، فإنها رواية تستلهم الأساليب النضالية الخلاقة من تجارب شبيهة نجحت في التخلص من اضطهاد الاستعمار الاستيطاني العنصري، بالأخذ بعين الاعتبار تجربة المقاطعة في جنوب أفريقيا، التي حصدت ثمارها بعد أكثر من ثلاثين عامًا من النضال حتى تحقق هدف التحرر.

وأما الرسالة الأخيرة التي يجب علينا استغلالها فهي حملة المقاطعة الدولية التي تتسع رقعتها وتتمدد بطريقة سريعة كالنار في الهشيم، إذ سارعت حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني في كل الدول الأوروبية، والأمريكيتين، وأفريقيا، وكثير من الدول الآسيوية إلى تبني النداء، الذي كان له كبير الأثر في تداولات نقابات عمالية أجنبية وبرلمانات واتحادات طلبة وجامعات ومعاهد وبلديات ومؤسسات أخرى، أعلنت في النهاية انضمامها إلى حركة المقاطعة.

أما الرسالة التي علينا فهمها جيدًا فهي أنه ينبغي توحيد الصف الفلسطيني، لأن المقاطعة وحدها لم تأت _ولن تأتي_ بنتائج ملموسة، ما دمنا في حالة انقسام سياسي وجغرافي واجتماعي واقتصادي، لذا يجب أن تكون المقاطعة جزءًا من مشروع وطني يجسد الوحدة في الداخل والخارج على أرض الواقع لمقاومة التطبيع، ومؤازرة المقاطعة للاحتلال.