تركيا ٢٠١٧م


حاولت تركيا منذ اختيار أردوغان رئيسًا أن تعمل على تصفير مشاكلها مع الداخل ومع الخارج. كانت هذه سياسة أحمد داوود أوغلو مستشار أردوغان ورئيس الوزراء السابق. تركيا محاطة بمجموعة من المشاكل الداخلية والإقليمية وهي عضو في حلف الناتو. اعتبرت الأوساط العلمية سياسة تركيا هذه بالسياسة الحكيمة والمسئولة، ولكن هل نجحت تركيا في تطبيق سياستها هذه على مدى عقد ونصف من الزمن الماضي؟

قبل الإجابة عن السؤال المهم، يمكن سرد بعض مشاكل تركيا، ومنها المشكلة الكردية، والمشكلة مع داعش، والمشكلة مع الكيان الموازي (جماعة غولن)، والمشكلة مع سوريا والعلويين (١٥) مليون علوي في تركيا، والمشكلة مع العراق، والمشكلة مع النظام المصري، والمشكلة مع إيران، وحزب الله، والمشكلة مع إسرائيل، والمشكلة مع الناتو، والمشكلة مع الاتحاد الأوروبي، والمشكلة مع أوباما، ومع بوتين، والمشكلة الدستورية.

هذه مجموعة من المشاكل العديدة التي تفرضها السياسة، والجغرافيا، والأعراق، والعلاقات الدولية والإقليمية، وكل واحدة منها تعدّ عقبة أمام ما يسمى بتصفير المشاكل في سياسة تركيا، ومما زاد الطين بلة الأوضاع المتوترة في العراق، والصراع في سوريا، وزحف حزب الأكراد السوريين نحو الدولة الكردية بمساعدة أميركية.

تركيا الآن تعمل خارج حدودها مرغمة على ذلك، فهي تعمل ضد حزب العمال الكردي، وضد الأحزاب الكردية السورية وداعش فيما يسمى بعملية درع الفرات، وهي تراقب الوضع الدولي بعد تراجع أميركا والناتو عن دعمها، وهي تحاول أن تصلح الوضع بينها وبين روسيا دون استشارة الغرب، وتحاول أن تضمن اتفاقية وقف إطلاق نار بين النظام السوري والمعارضة بحضور إيران أيضا؟!

تركيا التي بدأت طريقها برغبة تصفير مشاكلها مع الآخرين، باتت اليوم في نهاية ٢٠١٦م وبداية ٢٠١٧م غارقة في مجموعة ضخمة من المشاكل المتعددة، وهي تشهد تقريبا تفجيرات داخلية قاتلة في كل شهر مرة على الأقل، ويقف خلف هذه التفجيرات إما داعش وإما الأحزاب الكردية، وربما كان الهجوم على الملهى الليلي في رأس السنة هو آخر التفجيرات الخطيرة القاتلة في نهاية السنة وبداية السنة الجديدة.

تركيا التي تعتمد بنسبة جيدة على السياحة في عملية دعم اقتصادها باتت قلقة جدا من هذه الحوادث التي تبعث على هروب السياحة إلى بلاد أخرى، وهي قلقة على استقرار البلاد الذي بات مستهدفا من أطراف عديدة، دون أن تجد تركيا مساعدة حقيقية من حلف الناتو.

ليس كل ما يتمنى المرء يدركه تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ورياح تركيا في السنتين الأخيرتين لا تأتي على نحو جيد مع سياسة تصفير المشاكل، لذا وجدنا أردوغان يفسر ما حدث من عدوان إرهابي في الملهى الليلي بأنه جزء من الحالة التي تحيط بتركيا، وتحترق بها المنطقة، وهذا اقتضى من تركيا مراجعة سياستها الإقليمية والدولية، دون أن تضع البيض كله في سلة واحدة، وهي حتى الآن تسجل بعض النجاحات المهمة في إدارة العلاقات الداخلية والإقليمية والدولية، ولكنها ما زالت بعيدة عما يسمى صفر مشاكل لأن التحديات متعددة.