​ماما ما شكل الله؟

بادرتني صغيرتي بسؤال: "كيف ينام الله في السماء؟"، فأجبتها: "إن الله لا ينام"، فقالت: "ألا يشعر بالنعاس؟"، قلت لها: "لا، لأن الله ليس مثلنا البشر، نحن مخلوقات خلقنا الله، نأكل ونشرب، وننام، ونُخرج، وهذه الاحتياجات مقصورة على المخلوقات، والله هو الخالق، وهو لا يشبهنا في شيء"، سألت: "كيف شكله إذا كان لا يشبهنا؟"، أجبتها: "نحن لا نعرف شكله لأننا لا نستطيع رؤيته، فقط نراه عندما نذهب إلى الجنة، وما نعرفه عن شكل الله أنه نور ولا يشبه أي شيء نعرفه نحن".


أين هو الله؟، لماذا لا نراه؟، كيف لي أن أعرف أن الله موجود؟، كيف يستطيع الله أن يراني وأنا في البيت ويرى في الوقت نفسه أبي في عمله وأخي في مدرسته؟، فكم عينًا له؟، خذيني _يا أمي_ إلى الجنة التي تحدثينني عنها دائمًا؟، كيف أتيتُ إلى هذه الدنيا؟، وأين كنت قبلها؟، وكيف حملت بي؟، ولماذا لا تنجب خالتي إيمان غير المتزوجة أطفالًا؟، ولماذا لا يحمل أبي، وأنت من تحملين يا أمي؟، ولماذا لا يوجد لأبي ثديان كبيران مثلك يا أمي؟، ولماذا أنا مختلف عن أخي؟


يتلقى الوالدان من أطفالهم الكثير من الأسئلة المحرجة، أو تلك التي نعدها من المحرمات، ويطرحها بجرأة بريئة كالتي تتعلق بالجنس والحمل والولادة، والأسئلة التي تتعلق بالخالق (عز وجل)، والغيبيات، وأمور الدين الأخرى التي لا يستطيعون رؤيتها بعيونهم، ويطلب الطفل الإجابة عنها بإصرار ورغبة عارمة في المعرفة.


تكون ردة فعل الآباء مختلفة في العادة بشدة، فمنهم من يصرخ في وجه الطفل ويزجره بحدة وينهاه عن تكرار مثل هذه الأسئلة، وقد يصل الحال ببعض إلى ضربه، وهناك من يأخذ الموضوع ببساطة شديدة ويجيب الطفل إجابة صريحة وبسيطة وصحيحة عن أسئلته، ليشعر الطفل بالراحة بعدها وبأنه كشف السر الذي يبحث عنه، وهناك من يهدد الطفل بغضب الله ويخوِّفه من عذاب النار، وآخرون يلجؤون إلى إعطاء الطفل معلومات خطأ لإسكات فضوله، عادة ما يسكت الطفل بعد ذلك، فيعتقد الأهل أن الطفل قد اقتنع بالإجابة أو أنه نسي الموضوع، ولكن الأمر يكون عكس ذلك، فيتصرف الطفل حينها بطرق شتى تختلف من طفل إلى آخر باختلاف سنه وشخصيته وطريقة تربيته.


وتكون نتيجة ذلك إما أن يخاف الطفل توجيه مثل تلك الأسئلة مرة أخرى، وبهذا نكون قد ضيعنا فرصة ثمينة للتعلم والمعرفة وجدت أمام الطفل (خاصة إذا تكررت الأسئلة وتكرر الزجر والتعنيف)، أو أن يفقد الثقة بوالديه، عندما يكتشف أنهما قد زوداه بمعلومات خطأ عن قصد، أو أن يحدث لديه نفور من الدين (وهو حال كثير من الناس) إذ ترتبط صورة الدين بصورة القمع والقيود المقيتة.


يجب ألا ننسى أن هذه الأسئلة جزء من الثقافة الدينية والثقافة العامة، فيجب أن نجيب الطفل عنها بصدق وشفافية، دون أن نتهمه بقلة الأدب أو انتهاك المحرمات، واستثمار أسئلته لتزويده بالمعلومات الصحيحة المبسطة وغرس القيم داخله لتغدو ركيزة ينطلق منها إلى المرحلة الصعبة التي ستتلو مرحلة الطفولة لديه، واستثمار أسئلته عن الخالق والدين لتعريفه بخالقه ودينه وغرس العقيدة الحقة داخل نفسه، بأسلوب مبسط وبمعلومات صحيحة، والتدرج بالمعلومات العامة دون الخوض في التفاصيل التي تثير المزيد من أسئلته، فيعطى جرعة من المعلومات تناسب سنه، وإذا واجه الآباء أسئلة من الطفل عجزوا عن الإجابة عنها بطريقة صحيحة، وخافوا أن تسبب إجابتهم خللًا لدى الطفل؛ فلا ضير من طلب مهلة من الطفل واستشارة اختصاصي علاقات أسرية أو اختصاصي نفسي أو تربوي أو شرعي، أو الرجوع إلى الكتب للبحث عن الإجابة الأفضل، ويجب الانتباه إلى عدم تناسي سؤاله لأنه لابد أن يعود إليه مرة أخرى.


وتذكر أن تربية الإنسان هي أصعب مهمة، لهذا لابد من الاطلاع على بعض الكتب التي تعنى بتربيتهم، مثل كتاب "تربية الأبناء في الإسلام"، وسأحاول في مقال قادم _بإذن الله_ عرض بعض الإجابات الأفضل عن بعض الأسئلة المحرجة والأسئلة التي تتعلق بالخالق والدين.