ربطة خبز تسد رمق 10 أطفال وحلم العائلة شقة مناسبة تؤويها

عيسى وزوجته وأبناؤه.. "ناس مُناها تعيش"

تصوير - سامح ثريا
غزة/ أدهم الشريف:

ما إن اقتربت من بيت الغزِّي الفقير عيسى، حتى أطلَّت أولًا إحدى صغيراته التي كانت يدها مكسورة ومعلقة بحبل أبيض التف حول عنقها، وهي تغطيها الضمادات.

تكسو البراءة وجه الطفلة وهي تعرف عن نفسها بصوت خافت: "اسمي اعتماد (خمسة أعوام)"، وتمد يدها وتسلم على الزائر الجديد.

تبدو عليها وعلى أشقائها وشقيقاتها التسعة معالم اللهفة واضحة لمن يدق باب بيتهم شمال مدينة غزة، ويسأل عنهم.

وعندما تقترب من بوابة منزلهم؛ حقًّا ستدرك حجم المأساة التي تعيش فيها العائلة المكونة من 13 فردًا: أب وزوجتين و10 أطفال، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أنهم في غير زماننا.

كان مدخل البيت شبه مغلق، فأحبال الغسيل المصفوفة بعضها بجانب بعض والمعلق عليها عدد كبير من الملابس لا متسع لها إلا هنا، إنها المنطقة الوحيدة من البيت التي تصل إليها الشمس؛ فهي يجب أن تلامس أشعتها الساطعة تلك الملابس التي بدا غالبيتها مهترئًا، في جزء من عملية الغسيل والتعقيم اليدوية التي تقوم بها الزوجتان.

خطوات قليلة إلى الأمام تأخذك إلى دورة المياه الوحيدة؛ بابها مكسور وبدا أنه غير قادر أن يسند نفسه، أما مساحتها الصغيرة فهي لا تكاد تكون كافية لشخص واحد يريد تلبية نداء الطبيعة.

وفي البيت المسقوف بالألواح المعدنية الشهيرة غزِّيًّا بـ"الزينجو" التي تظهر فيها ثقوب مختلفة الأحجام صالة طولها خمسة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار تقريبًا، وهي الملاذ المفضل لرب الأسرة للجلوس فيها على فرشتين لا يملك سواهما لاستقبال ضيوفه.

عندما دخل طاقم صحيفة "فلسطين" إلى تلك الصالة؛ أصر عيسى الذي فضّل عدم كشف هويته على الجلوس أرضًا بدلًا من الجلوس فوق إحدى الفرشتين، حتى يوفر مكانًا لضيوفه، قبل أن يتراجع عن ذلك ويجلس بجوار "مراسلنا" ليبث شكواه.

يتفرع من الصالة المليئة بالقطع الصلبة التي يجمعها أبناؤه من الشوارع لبيعها وكسب المال غرفتان مخصصتان لزوجتي عيسى (55 عامًا)، الذي ليس لديه قدرة على العمل ولا يملك مصدر دخل يعيل به العائلة.

في واحدة من هذه الغرف تقف خزانة واحدة لملابس الأطفال العشرة، يظهر عليها معالم القدم بوضوح، فلو كانت لدى عائلة مقتدرة ماليًّا لما سمحت بوجودها يومًا واحدًا في بيتها، لكنها تمثل لعائلة عيسى شيئًا لا يقدر بثمن.

"واللهِ إن البيت لا يوجد فيه شيقل واحد" يقول عيسى مقاطعًا مراسل صحيفة "فلسطين" في أثناء تجواله ببيته، وتغرورق عيناه بالدموع: "ربطة خبر ما في عنا".

كان عيسى يعمل ميكانيكيًّا قبل سنوات طويلة إلى أن تردى به الحال كما كثر غيره في غزة بفعل ظروف الحصار وحالة الإغلاق المفروضة للسنة الـ13 تواليًا، وأصيب بعدة أمراض مزمنة، منها الضغط والسكر، وأزمة في الصدر (الربو)، وأصبح غير قادر على العمل.

يقول لـ"فلسطين": "نعيش في ظروف في غاية القسوة، نتلقى المساعدات، ولولاها لمتنا من الجوع".

ويحتفظ عيسى بدستة أوراق بعضها يثبت الاستحقاقات المالية التي لم يعد قادرًا على تسديدها كإيجار البيت، فأجبره صاحبه –كما يقول- على أن يوقع "كمبيالات"، وأوراق أخرى عبارة عن "روشتات" أدوية، يعطي نسخًا منها لزواره ويسألهم هل لديهم قدرة على توفيرها له؟

لكن أكثر ما يشد الانتباه في بيت هذه العائلة الفقيرة حالة الانسجام بين الزوجتين اللتين بدتا متحملتين ظروف زوجهما، وقادرتين على التأقلم مع أحواله، وصابرتين على ذلك، حتى إن زوجته الثانية (39 عامًا) لم تغادر ابتسامة الرضا وجهها وهي تتحدث إلى "فلسطين".

وكانت تحاول بقدر الإمكان أن تشرح الظروف المعيشية لعائلتها، أملًا أن يصل صوتها إلى أي طرف رسمي أو شعبي أو أهلي قادر على مد يد العون لها.

بالمناسبة، عائلة الفقير عيسى مهددة بالطرد في أي وقت من البيت؛ فهي لم تدفع قيمة الإيجار الشهري 500 شيقل منذ ما يزيد على سنة كاملة، وهذا قد يكون دافعًا لصاحب البيت إلى اتخاذ قرار بطردهم منه، لكنها تأمل توفير شقة سكنية مناسبة لإيوائها.

ويقول عيسى: "ما نتمناه فقط أن نعيش".