​حُلُمٌ وَأُمٌ وَطِفْلٌ مُتَوَحِد

د. زهرة وهيب خدرج
الجمعة ١١ ١٠ / ٢٠١٩

مثل أي أم أخرى، شرع يتحرك داخل أحشائي وشرعت أَعِدُ نفسي بأحلام كبيرة تبلغ عنان السماء بل تتجاوزها، وأمنيات تتسع مثل بحر، بل مثل محيط.. تمنيت أن أرى بريق عينيه، وأستمتع بنعومة شعره، وأقبِّل أصابعه ويديه، وأُطرب سمعي بصوته يناديني "ماما"... لم أتوقع أو أدرك في لحظة ما بأن هذه الأحلام الصغيرة المباحة ستضيع وتتحطم قبل أن يطلع فجرها ويهلَّ نهارها.. وأبداً لم يخالج يقيني أي شك بأن صغيري سيكون متأخراً في تطوره وقدراته عن بقية الأطفال.

كان حملاً طبيعياً وولادة عسرة، عاينت خلالها الموت عن كثب حتى إني شاهدت ملامحه وعبوس وجهه، لم أتوقع بأن تُكتب لي نجاة.. ولكن رحمة الله شملتني ولم تحرمه من حناني ورعايتي، ولم تحرمني من دفء وجوده معي.. وكتب الله عليَّ الابتلاء والاختبار الصعب الذي يعود لي بالكامل اجتيازه بنجاح وتفوق، أو الرسوب فيه والفشل "لا قدَّر الله".

أحضرته لي القابلة، وبرغم ما أجد من آلام مبرحة ونفس مرهقة، ضممته إلي بحب لا أعثر في خلدي على كلمات تستطيع وصفه والتعبير عنه، مرَّرت شفاهي ووجنتي على وجهه ورأسه.. ما أنعمه! ما أجمله! كم أحبه! تفقدت أصابعه وقبَّلتها.. كانت خمسة في كل يد وقدم.. تفقدت أعضائه الظاهرة.. لم يكن فيها ما يثير المخاوف.. حمدت ربي على نعمائه وغمرتني السكينة.

لم أتصور أن الخلل يمكن له أن يكمن بعيداً عن أصابع اليد وأعمق من الأعضاء الظاهرة والجلد الخارجي ونعومة الشعر وبريق العيون.. لم يداخلني ظنٌّ أنني سأنتظر ما يزيد عن عامين لأسمعه ينطق بأعز كلمة على قلبي" ماما"، ولم يخطر لي على بال بأن أبناء جيله سيمشون ويركضون ويذهبون إلى الروضة ثم المدرسة ويغادرون إلى الجامعات وينطلقون في دنيا العمل، بينما هو يتوانى عنهم محطات ومحطات.. وستفوته قطارات شتى كنت أتمنى أن أراه يستقلُّها ويلوح لي بيده من نوافذها فرحاً بتقدمه. بل أجده يلتصق بي، يحتاج لرعايتي وحمايتي.. جسده جسد يافع، وعقله ومشاعره وقدراته تعود لطفل صغير هش لا يستطيع الانفصال عن أمه.

كل من حولي راهنوا على خسارتي بجسارة، وكأن تعليمك ودمجك في معترك الحياة الهائلة في نظرهم أشبه ما يكون بالقبض على زوبعة مجنونة ثم تقييدها بحبل متين، لا يفكر في ذلك إلا فاقدٌ لعقله أو مغيَّبٌ عن قوانين الحياة التي وضعها بشر يقدسون كل ما هو عادي، ولا يوجد في قاموسهم مفردات التحدي والإصرار أو مرادفات لها.. ولكني أتحدى رهاناتهم وأقول: لستُ ممن يخسرون، ولستُ ممن يستسلمون.. دموعي تندفع على وجنتي رغماً عني.. فتسارع أصابعي إليها تمسح آثارها.. وتثور عواطفي مثل عاصفة هوجاء، فأعمد إلى تهدئتها قسرياً.. لا أدري، هل هي شفقة مني على نفسي، أم أنها شفقة عليك؟ ولكني أعاجل إلى لفظ هذا الشعور البغيض، وأشمخ برأسي إلى الأعلى وأحمد ربي أن منَّ عليَّ بك.

لن أتخلى عنك يا حبيبي.. أبداً لن أتخلى عنك. بل سآخذ بيدك بهدوء وإصرار، وأمضي بك إلى الأمام ما بقي في داخلي عرق ينبض وبقية من نَفَسٍ يتردد في جوفي.. سأحبك وأبقى أحبك، سأكون وأبقى معينة لك حتى تتعلم مكابدة الحياة ومعاركتها.. أبداً لن أكون في عون الحياة وقسوة الظروف عليك يوماً، لن أعينها على هزيمتك كما يفعل البعض مع أبنائهم.. لن أهمل بك، سأبقى أبذل كل ما أوتيت من قوة وعزم لتتعلم أن تستقل بنفسك وتلبي احتياجاتك بذاتك حتى ولو جاء ذلك متأخراً جداً، وأنا متأكدة بأنك ستفعل يوماً.. وسيكون ذلك هو الجائزة التي ستمنحني إياها مكافئة على جهودي وصبري معك.