​حجب المواقع الإلكترونية انتهاك خطير للقانون الأساسي والمعايير الدولية

عصام عابدين

تنص المادة (39) من قرار بقانون الجرائم الإلكترونية رقم (10) لسنة 2018 على ما يلي: "1- لجهات التحري والضبط المختصة، إذا ما رصدت قيام مواقع إلكترونية مستضافة داخل الدولة أو خارجها، بوضع أي عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام أو أي مواد دعائية أو غيرها، من شأنها تهديد الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة، أن تعرض محضراً بذلك على النائب العام أو أحد مساعديه، وتطلب الإذن بحجب الموقع أو المواقع الإلكترونية أو حجب بعض روابطها من العرض. 2- يقدم النائب العام أو أحد مساعديه طلب الإذن لمحكمة الصلح خلال (24) ساعة، مشفوعاً بمذكرة برأيه، وتصدر المحكمة قرارها في الطلب، في ذات يوم عرضه عليها إما بالقبول أو بالرفض، على ألا تزيد مدة الحجب على ستة أشهر، ما لم تجدد المدة وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في هذه المادة".

النص أعلاه، الوارد في قرار بقانون الجرائم الإلكترونية رقم (10) لسنة 2018، الذي استندت إليه محكمة صلح رام الله للنظر والبت "تدقيقاً" في طلب مقدم من النيابة العامة وحجبت بموجبه (59) موقعاً إلكترونياً، هو نصٌ مخالفٌ للمادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضمت إليه دولة فلسطين بدون تحفظات، ومخالفٌ للمعايير الدولية ذات الصلة، ويفشل حتماً في "الفحص ثلاثي الأجزاء" اللازم لصحة أي قيد يُفرَض على حرية الرأي والإعلام والحقوق الرقمية وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومخالفٌ للمادة (27) من القانون الأساسي المعدل التي تحظر الرقابة على وسائل الإعلام ولا تُجيز إنذارها أو وقفها أو إلغاءها أو فرض أي قيود عليها إلا بــ"حكم قضائي" إلى جانب النص القانوني.

وإذا كان حجب المواقع الإعلامية يتطلب "حكما قضائيا" بقوة القانون الأساسي الفلسطيني المعدل فكيف حُجبت العديد من المواقع الإعلامية بناءً على "طلب" قدمته النيابة العامة نُظر "تدقيقاً" من قاضي الصلح؟ وماذا عن المادة (27) من القانون الأساسي المعدل وإرادة "المشرّع الدستوري" والحماية الدستورية لوسائل الإعلام؟ وأين ضمانات المحاكمة العادلة المؤكد عليها في القانون الأساسي المعدل والاتفاقيات والمعايير الدولية والحالة تلك؟

وهل يمكن تصور وجود ضمانات محاكمة عادلة وبينة كافية في طلب نُظر "تدقيقاً" بحجب عشرات المواقع الإلكترونية دفعة واحدة؟ واذا كان الموقع الإلكتروني في العصر الرقمي يعني وقف المؤسسة الإعلامية بموظفيها كافة، فهل نحن أمام عقوبات جماعية استهدفت حرية الرأي والإعلام والحقوق الرقمية في فلسطين؟

وماذا عن المادة (32) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل التي تؤكد أن أيَّ اعتداء على الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي الفلسطيني المعدل – ومن بينها المواد 19 و 27 المتعلقة بحرية الرأي والإعلام- يشكل جريمة دستورية لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم وتستتبع تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الضرر؟

يبدو أن التشكيلة القضائية الأخيرة، ومواقف رئيس مجلس القضاء الأعلى الانتقالي المعلنة سابقاً بشأن حرية التعبير للقضاة، وإفراغ رام الله بثقلها من القضاة الشباب الذين كانت لهم بصمات رائعة في حماية حرية الرأي والإعلام والحقوق الرقمية، المكفولة في القانون الأساسي المعدل والاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، قد ألقت بظلال ثقيلة فيما يبدو على دور منظومة العدالة في حماية حقوق أصيلة للإنسان في طليعتها حرية الرأي والإعلام والحقوق الرقمية التي تعد بحق من أهم ركائز الحقوق والحريات العامة، ومرآتها الحقيقية، وأكسجين الديمقراطية، ومن أهم الأدوات المتاحة للأفراد لممارسة حقهم في التعبير عن رأيهم بحرية في إدارة الشؤون العامة والمشاركة في صنع القرارات التي تطال منظومة حقوق الإنسان.

إننا، بلا شك، أمام انتكاسة حقيقية إضافية طالت حرية الرأي والإعلام والحقوق الرقمية في فلسطين، وطالت الرقابة المجتمعية على أداء السلطة التنفيذية وأجهزتها ومنظومة العدالة، وطالت الحق الأصيل للمواطنين في المعرفة والحصول على المعلومات، وطالت ما تبقى من أدوات رقابة ومساءلة على انتهاكات حقوق الإنسان، وطالت مبدأ المشروعية ومرتكزات الحكم الصالح، وفاقمت التصدع الحاصل في النظام السياسي الفلسطيني، سيراً نحو المجهول وطريق اللا عودة.