​أوصى بإلغاء إجازة العمل ودراسة القوة الاقتصادية لوجودهم

تقدير استراتيجي يطرح 3 سيناريوهات لتحرّكات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان

صورة أرشيفية
بيروت-غزة/ نور الدين صالح:


  • تعديلات قانون العمل 2010 أعفت الفلسطيني من رسوم إجازة العمل
  • خطة "العمل" تشوبها إشكالات تطبيقية.. والفلسطيني لا ينطبق عليه مبدأ المعاملة بالمثل


استعرض تقدير إستراتيجي أعده مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ثلاثة سيناريوهات بشأن حراك اللاجئين الفلسطينيين المتواصل منذ منتصف الشهر الماضي على خلفية قرار وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان.

وكان أبو سليمان قد وضع في تموز/ يوليو الماضي، خطة لمكافحة العمالة الأجنبية غير النظامية في لبنان، التي يطال تطبيقها العمال وأرباب العمل الفلسطينيين.

وقال مركز الزيتونة في تقديره الاستراتيجي: إنه "من الواضح أن لبنان قد دخل في استحقاقات داخلية سياسية واقتصادية حساسة، وهو ما انعكس سياسياً بتفاهمات داخلية على قانون انتخابات جديد أتاح للقوى السياسية الأساسية تقاسم السلطة فيما بينها."

وعدّ أن هذه الفترة "من أخطر الفترات التي يتأزم بها الوضع الاقتصادي اللبناني، حتى باتت تهدد تصنيفه الائتماني العالمي وتهدد استقرار وضعه النقدي".

ولفت إلى أن الدَّيْن العام اللبناني تصاعد إلى نحو 87 مليار دولار أمريكي، وهو ثالث أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي في العالم، كما أن خدمة الدَّين العام تشكل نحو 35% من الموازنة العامة التي أقرت في مجلس النواب لسنة 2019.

وبيّن أن الأموال المحوّلة من لبنان إلى الخارج تقدّر بنحو مليار دولار شهرياً، وهو رقم يشكل تهديداً على الاستقرار النقدي في لبنان.

السيناريوهات الثلاثة

وذكر المركز أن السيناريو الأول هو "الكل يخسر"، أي التشبث بقرار إنفاذ القانون وتطبيقه، وهو ما يعني أن تستمر وزارة العمل بملاحقة العمال الفلسطينيين ومخالفتهم مقابل تشبث الفلسطينيين باستمرار تحركاتهم الاحتجاجية والمطالبة بحقوقهم الاقتصادية والإنسانية.

ورأى المركز أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى حالة شدّ متبادل قد تنعكس سلباً على الاستقرار بين لبنان والشعب الفلسطيني، إضافة إلى استمرار استنزاف البيئة السياسية والقوى الأمنية في ظل التحركات الفلسطينيين الرافضة للقرار.

وأشار إلى أن استمرار حالة التوتير والتحشيد الإعلامي يضر بالتعايش الفلسطيني اللبناني والسلم الأهلي.

أما السيناريو الثاني فهو الاستفادة من الواقع والنظر إلى ما جرى كـ"فرصة" في سبيل تصحيح واقع العمالة الفلسطينيين في لبنان؛ أي أن يطرح جميع قضايا العمال الفلسطينيين على طاولة الحوار وأن تسهم وزارة العمل بالتنسيق مع لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، والقوى الفلسطينية واللبنانية بتقديم مقترح لتنظيمهم بما يتيح لجميع الفلسطينيين العمل دون استثناءات.

أما السيناريو الثالث "الوصول إلى منتصف الطريق" فيطرح حل الأزمة الحالية من خلال مقاربة تنصف اللاجئين الفلسطينيين ولا تحرج وزارة العمل، وتتوافق مع مخرجات لجنة الحوار اللبناني وتنفذ عدداً من مقترحاتها.

ورأى التقدير الإستراتيجي أن هذا السيناريو يُمكن أن يتحقق بإصدار مرسوم حكومي يستثني الفلسطيني من ضرورة استخراج إجازة العمل، ويعدّ الهوية الصادرة عن الدائرة السياسية لشؤون اللاجئين بمنزلة إجازة عمل.

المقاربة اللبنانية

وبحسب ما ذكر التقدير الإستراتيجي فإن لبنان نظم عمل الأجانب بمرسوم حمل رقم 17561 – صادر في 18/9/1964، ويتضمن هذا المرسوم ثلاث قواعد للعمل في لبنان وهي: شرط الحصول على إجازة عمل، والأفضليّة للعامل اللبناني، ومبدأ المعاملة بالمثل.

وبيّن أن وزراء العمل المتعاقبين في الحكومات السابقة لاحظوا عدم الإنصاف في تطبيق هذه المعايير وأدركوا استحالة تطبيقها على اللاجئ الفلسطيني لاعتبار لجوئه القسري، وهو أمر لم يلتزم به القانون اللبناني الذي تعامل مع الفلسطيني كعامل أجنبي أحياناً، وكلاجئ أحياناً أخرى.

وأشار إلى أن البرلمان اللبناني أقر في آب/ أغسطس 2010 تعديلات على المادة (59) من قانون العمل، والمادة (9) من قانون الضمان الاجتماعي، وأقر القانونين (128) و(129)، وبناء على هذه التعديلات أُلغي مبدأ المعاملة بالمثل للفلسطيني، كما أعفي من دفع رسوم إصدار إجازة العمل.

أما فيما يخص الضمان الاجتماعي فقد سمحت هذه التعديلات للعامل الفلسطيني الحاصل على إجازة عمل بالانتساب إلى صندوق الضمان الاجتماعي على أن يدفع (23.5%) من الأجر وحصر الاستفادة بتعويضات نهاية الخدمة (8%) وطوارئ العمل، دون الاستفادة من التعويضات الأخرى (العلاج الصحي والأمومة) التي يقدمها الصندوق للمنتسبين إليه من اللبنانيين.

وأوضح أن خطة وزارة العمل التي أعلنها أبو سليمان تشوبها إشكالات تطبيقية عدّة وفق ما لاحظ المراقبون، منها أنها لم تُميّز بين العامل الأجنبي والفلسطيني، ولم تأخذ بعين الاعتبار أن العامل الفلسطيني لا ينطبق عليه مبدأ المعاملة بالمثل، وفق التعديلات سالفة الذكر.

وتتمثل الإشكالية الثانية في أن وزير العمل لم يُحدد فيها المهن والأعمال المحصورة باللبنانيين، قبل تطبيق خطة "مكافحة العمالة الأجنبية".

كما لم تراعِ الخطة مخرجات لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي صدرت عنها وثيقة وقعت عليها القوى اللبنانية الرئيسة، ومنها الحزب الذي ينتمي إليه أبو سليمان، وقد أكدت الوثيقة في توصياتها ضرورة إصدار مراسيم تطبيقية لقانوني العمل المعدل رقم 128 و129، وفق "الزيتونة".

المقاربة الفلسطينية

وجاء في تقدير مركز الزيتونة أن هذه المعاناة التي يمر بها الفلسطينيون منذ (70 عامًا) أدت إلى نزيف كبير في مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ما أدى إلى هجرة الكثيرين وخصوصاً خريجي الجامعات وأصحاب الكفاءات بحثاً عن الرزق.

ورأى المركز أن توقيت هذه الإجراءات قد يصب عمليَّا، بغض النظر عن النوايا، في صالح "صفقة القرن" في وقت يتوحد فيه الفلسطينيون واللبنانيون ضدها، نقلاً عن مراقبين.

وأضاف المركز: "إن القوى الفلسطينية ترى التأكيد أن الفلسطيني أجنبي يحتاج إلى إجازة عمل، قد يسهم في إسقاط صفة اللجوء، ولا يتسق مع تعريفه كلاجئ جاء قسراً إلى لبنان، وهو ما يسعى له الاحتلال والولايات المتحدة".

وذكر أن القوى العاملة الفلسطينية في لبنان تقدر بنحو (90) ألف عامل فلسطيني وهي في إطارها الفعلي بحدود (51) ألف عامل، وتقدَّر نسبة البطالة بنحو (56%)، ويعمل (41%) من القوى العاملة فعلياً بالأعمال الحرة (معظمها في المخيمات أو التجمعات الفلسطينية)، و(37.8%) أجراء.

وأفاد بأن عدد العاملين في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين يقدر بنحو ثلاثة آلاف موظف وعامل، حيث تصل أعداد اللاجئين المسجلين لدى الأونروا في لبنان إلى (530) ألفا، غير أن العدد الحقيقي لا يكاد يصل إلى نصف ذلك (نحو 220 ألفًا).

وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني في لبنان لا يشكل عبئاً اقتصاديًا على الدولة، إذ تقع مهمة إدارة معظم شؤونه في المخيمات تحت وصاية الأونروا، ولا تنفق الحكومة من موازنتها المالية عليه شيئا.

وبين أن التحركات الشعبية الفلسطينية لا تعد ثورة على قرار "أبو سليمان" بقدر ما هي ثورة على حالة الظلم والحرمان التي يُعاني منها الفلسطينيون في لبنان على مدار سنوات طويلة، مشيراً إلى أن التخفيف عن العامل الفلسطيني يسهم في قطع الطريق على صفقة القرن.

قراءة بين المقاربتين

وأوضح المركز أن "أبو سليمان" يرى أنه بتطبيق قانون العمل ستعود الفائدة على خزينة الدولة وعلى العمّال اللبنانيين بفتح فرص العمل لهم.

واستدرك: "لكن نلاحظ وفق الأرقام السابقة أن القوى العاملة الفلسطينية التي من المحتمل أن تنافس العامل اللبناني جلها من الأجراء الذين يعملون كمياومين".

وأشار إلى أن المؤسسات الصغرى في لبنان تتهرب كلها تقريباً من تسجيل العاملين فيها في الضمان الاجتماعي لكي لا تدفع الرسوم والمترتبات المالية الأخرى الواجبة.

ورأى مركز الزيتونة أن الإجراءات التي يريد الوزير "أبو سليمان" تطبيقها لا تُسهم في حل المشاكل الاقتصادية التي يمر بها لبنان "ففرض إجازة العمل على الفلسطينيين المقيمين في لبنان لن يزيد من مداخيل خزينة الدولة اللبنانية على اعتبار أن الفلسطيني معفى من رسوم الإجازة".

وبيّن أن هذه الإجراءات تشكل بيئة طاردة لأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين الفلسطينيين، وهو ما قد ينذر بنزيف مزيد من رؤوس الأموال، وينعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني.

وأوضح أن هذه الإجراءات التمييزية بحق الفلسطينيين في لبنان ستزيد من معاناتهم الاقتصادية، خصوصاً أن (62%) منهم يعانون من فقدان الأمن الغذائي، وغالبيتهم من الطبقة العاملة بالمياومة؛ أي الشريحة المستهدفة في قرارات الوزارة، وهو ما قد يسهم بإيجاد بيئة اجتماعية غير مستقرة يسهل الاستثمار السلبي فيها.

المقترحات والتوصيات

وختم التقدير الإستراتيجي للمركز بجُملة من المقترحات والتوصيات، مؤكدًا ضرورة متابعة الحراك الفلسطيني بشكل حضاري منظم، وكذلك "إصدار مراسيم تطبيقيّة للقانونيْن 128 و129 تسهل عمل اللاجئ الفلسطيني في أقرب وقتٍ تجتمع فيه الحكومة".

وأوصى بترجمة إلغاء "مبدأ المعاملة بالمثل" من خلال إلغاء إجازة العمل، باعتبار أنّ الفلسطينيين مقيمون، لا أجانب يجب عليهم الحصول على الإجازة.

كما طالب بتفعيل دور لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني ومؤسسات المجتمع المدني للوصول إلى مقاربات فاعلة وعملية، وأخذ وثيقة الرؤية الموحدة منصة انطلاق لحوار لبناني فلسطيني موسع.

وأكد التقرير ضرورة إجراء إحصاء حقيقي للوقوف على حجم القوى العاملة الفلسطينية في لبنان وتوزيعها على القطاعات الإنتاجية، وكذلك إجراء دراسة اقتصادية حول الوجود الفلسطيني في لبنان وإسهاماته في الدورة الاقتصادية.

وناشد المركز لضرورة تفعيل دور المؤسسة الوطنية للتوظيف، والاستفادة منها في الوقوف على واقع القوى العاملة في لبنان وحاجات القطاعات الإنتاجية، وضبط الشارع والبعد عن اللغة الطائفية والعنصرية في الخطاب السياسي والشعبي.

وشدد على أهمية حصر هذه القضية ضمن نطاقها الحقوقي والإنساني، والابتعاد عن إغراقها في دهاليز الشعبوية السياسية، و"المزايدات" التنافسية الداخلية، مطالباً بتوحيد القوى الفلسطينية على رؤية موحدة تجاه العمل وقانون العمل، وتقديم حلول عملية حقيقية.

كما أوصى بشرعنة حقوق العمل للاجئين الفلسطينيين وقوننتها في مجلس النواب اللبناني.