إقرأ المزيد


صناعة قوارب الصيد الخشبية تُبحر نحو نهايتها بالصومال

مقديشو - الأناضول

في ورشة صغيرة على بعد أمتار عن ساحل "عربو" في العاصمة الصومالية مقديشو، يتشبث بعض صُناع قوارب الصيد الخشبية بحرفتهم التقليدية، كما ورثوها أباً عن جدٍ.

وتشكل هذه الصناعة عنصراً أساسياً في استمرار مهنة الصيد، التي تمثل مصدراً اقتصادياً مهماً في البلد العربي الواقع بمنطقة القرن الإفريقي.

لكن يبدو أن هذه الحرفة التقليدية تودع أيام مجدها وتُبحر نحو الإنقراض، بسبب تحديات عديدة، في مقدمتها ظهور شركات حديثة لصناعة القوارب، وتراجع مهنة الصيد نفسها؛ جراء مضايقات سفن أجنبية بدعوى مكافحة القرصنة.

ويعود تاريخ صناعة قوارب الصيد الخشبية في الصومال إلى عصور قديمة، حيث كان الصوماليون يستخدمونها في الصيد والإبحار والتنقل إلى المدن الساحلية، مثل مركة وبراوة، وكسمايو، وعدلي.

وتُصدر القوارب الخشبية المصنوعة محلياً إلى المدن الرئيسية المطلة على السواحل، حيث يُباع القارب بما يعادل ما بين ثلاثمائة وأربعمائة دولار (ما بين حوالي 174 ألف شلن و231 ألف شلن).

وكان القارب يُباع بحوالي ألف دولار (قرابة 578 ألف شلن)، وهو انخفاض أرجعه بعض صانعي القوارب إلى المخاطر الراهنة في مهنة الصيد.

ولا يقتصر الخطر الذي يهدد حرفة صناعة القوارب الخشبية التقليدية في الصومال على ظهور شركات حديثة لصناعية القوارب فحسب.

فمن آن إلى آخر تحرص هيئات خيرية معنية بإيجاد فرص عمل على توزيع قوارب صيد تنتجها شركات أجنبية على صيادين محليين، لتشجيعهم على العمل، ما يصيب صُناع القوارب الخشبية بمزيد من الركود.

بينما يمسح مادة لزجة على سطح قارب بدأ في صناعته قبل ثلاثة أيام، قال الصومالي الستيني عمر نور: "نسخر كل طاقتنا للحفاط على هذه المهنة، التي لا تخلو من متاعب كثيرة في مراحل الإنتاج".

وأردف نور قائلاً: "القوارب الخشبية التقليدية تتمتع بميزة الجودة، فصُناعها يتمتعون بمهارات دقيقة ورثوها عن الأجداد".

وأضاف أن "التذبذب والتراجع في الإنتاج سمة سائدة في جميع الحرف في بعض المواسم، ونأمل أن تستعيد حرفتنا سوقها لتنطلق من جديد أمام كل التحديات".

مراحل عديدة

وتستغرق صناعة قارب خشبي واحد أكثر من ثلاثة أيام، تشمل مرحلة التصميم، ثم رسم وإنشاء مكونات الهيكل، وهي عملية تتطلب دقة عالية.

بعدها تأتي مرحلة طلاء القارب بمادة لزجة تقاوم تسرب المياه، وصولاً إلى مرحلة دهان القارب حسب الطلب، وفق حرفيين في هذه المهنة.

ومع ظهور شركات حديثة لصناعة القوارب، بفضل التحسن النسبي في الوضع الأمني، بدأ صياديون في شراء قوارب صيد حديثة تنتجها شركات، بدلاً من القوارب التقليدية، التي لا تستطيع الإبحار إلى مسافات طويلة، بجانب عدم صمودها أحياناً في المياه لفترات طويلة.

مكافحة القرصنة

على ساحل "عربو" تصطف عشرات القوارب الخشبية، حيث تتقاذفها الأمواج يمنة ويسرة، بعد أن تقلص عدد الصياديين؛ بسبب المضايقات من قبل سفن أجنبية.

وما يزال القليل من الصيادين يخاطرون بحياتهم، لكون الصيد مصدر رزقهم الوحيد، وهو ما يعكس حجم معاناتهم.

وتمثل السفن الأجنبية المتواجدة في المياه الإقليمية الصومالية، بدعوى محاربة القرصنة، عاملاً إضافياً يساهم في تراجع مهنة صناعة القوارب الخشبية التقليدية؛ نتيجة عزوف كثير من الصيادين عن الصيد، ما جعل تلك الصناعة مهددة بالاندثار.

ومن بين مضايقات السفن الأجنبية للصيادين الصوماليين: تمزيق شباب الصيد، وغمر قواربهم الصغيرة بالمياه، وصولاً إلى إطلاق النار عليهم أحياناً، ما أجبر صيادين على هجرة مهنتهم.

3 آلاف كم

بحسب صالح أحمد، أحد مسؤولي إحدى الشركات الحديثة لصناعة السفن، فإن "السوق المحلي يتسع للكثير من الشركات، بفضل امتلاك الصومال أكثر من ثلاثة آلف كيلومتر من السواحل".

وحول تهديد الشركات الحديثة للحرفيين التقليديين، قال أحمد: "طورنا فقط عملية التصنيع، التي كانت ترتكز على البشر، وأدخلنا أدوات حديثة تسهل هذه العملية".

ويتهم حرفيون في صناعة السفن الشركات الحديثة بجذب زملائهم وإلحاقهم بالشركات مقابل رواتب مرتفعة، ما يقلص عدد العاملين في هذه الحرفة التقليدية، ويمهد الطريق أمام زوال مهنة الأباء والأجداد.

مواضيع متعلقة: