​"خذها حلوة ولو مجنونة"

د. زهرة وهيب خدرج
الجمعة ١٣ ٠٩ / ٢٠١٩

"نظر الأمير إلى أعلى الشجرة التي ربط حصانه بجذعها، فإذا فتاة بارعة الجمال مثل فلقة القمر تختبئ بين الأغصان، ألجمته المفاجأة لحظات، قال بعدها: "من أنت؟"، أخذت الجميلة تبكي خوفًا دون أن تنبس ببنت شفة، فقال لها مطمئنًا: "لا تخافي، فلن أؤذيك، أنت في أمان"، وأعاد عليها سؤاله مستفسرًا عن هويتها.

فقالت بتردد وخوف: "اسمي جبينة، صويحباتي أخذن الدوم (ثمرة) الذي قطفته، وعدنَ إلى القرية البعيدة، وتركنني وحدي هنا، فحلَّ الظلام، دون أن أستطع النزول، وثوبي عالق بين الأغصان لم أستطع تحريره".

حرر الأمير ثوبها العالق وساعدها على النزول، وأخذ يتأمل جمالها، ثم قال لها: "هل تقبلينني زوجًا لك يا جبينة؟"، احمر وجهها خجلًا ثم قالت: "نعم أقبلك".

انتقلت جبينة إلى قصر الأمير، وتزوجته، وعاشا في سعادة وثبات، وأنجبا صبيانًا وبنات.

هذا نموذج صغير مختصر لحكاياتنا الشعبية النمطية التي تكثر في تراثنا الشعبي بل يكتظ بها، وتنتهي في مجملها بزواج الفتاة الجميلة الفقيرة من الأمير، أو ابنة القرية الفائقة الجمال التي ظلمتها زوجة أبيها من الملك لتعيش في كنف أميرها أو ملكها الحبيب بسعادة وهناء.

هذا النموذج يعكس الطريقة التي نفكر فيها ونواجه الفقر والظلم بأن نسلب السعادة لأنفسنا بالجمال والسلطة وما يتبعها من جاه ومال، وهي إحدى أهم القواعد التي أرسيت في مجتمعاتنا العربية على مرِّ الأيام.

وقبل أن أمضي في حديثي أتمنى أن تُبقوا في أذهانكم حقيقة، وهي: إن التعود يلتهم الجمال ويسلبه بريقه، فأي شيء تراه للمرة الأولى يبهرك جماله كما أبهر جمال جبينة الأمير، ولكن هذا الانبهار لا يلبث ويخبو شيئًا فشيئًا حتى ينطفئ ويزول تمامًا بعد أن يتعود الأمير جبينة وجمالها مع مضي الوقت، حينها يصبح هذا الجمال شيئًا عاديًّا لا شيء يميزه.

"خذها حلوة ولو مجنونة"، فالجمال في منظورنا هو أحد أهم معايير ومقاييس السعادة الزوجية، فعندما نبحث عن فتاة نزوجها لشاب يخصُّنا، بغض النظر أكان الشاب أخًا أو ابنًا ... إلخ؛ يكون الجمال هو الشرط الأول والأساسي الذي لا تنازُل عنه، لتأتي بعده بقية الشروط القابلة للتفاوض، وكيف لا يكون الجمال هو الأهمّ، و"الله جميل يحب الجمال" كما نُردد على ألسنتنا كثيرًا؟، فكيف سيتزوج الشاب فتاة لم تستوف مقاييس جمال لا أدري كيف حدَّدناها ووضعنا لها قواعد وأسسًا يصعب أن نشذَّ عنها؟، فهل هو مقبل على الزواج كل يوم ليغض الطرف عن هذه القضية المهمة في حياته؟، وإذا تزوج أي فتاة عادية فكيف سينظر في وجهها عندما يستيقظ صباحًا "كما يقولون"؟

وكأن السعادة الزوجية الحقَّة تنحصر في وجه جميل وقوام ممشوق وصوت رقيق عذب، وسوى ذلك ليس له قيمة كبيرة، أو كأن الوجه الجميل يُمَلِّك المرأة الحكمة الغائبة، والقدِّ الممشوق يورِّثها السكينة والوفاق الذي يبحث عنه كل الناس في حياتهم ... وينسون أو يتناسون أن جمال الوجه والجسد لا يعني بالضرورة جمال الروح والأخلاق والسلوكيات والفكر، وليس من الضرورة بمكان أن تكون الوافرات حظًّا من جمال الوجه والجسد هن الأوفر حظًّا من السعادة الزوجية والوفاق.

وكم من حكايات يومية نسمعها وأحداث نراها بأم أعيننا لزيجات كان الجمال محورها الرئيس وباءت بفشل ذريع!

أرجو ألا تفهموا كلامي بأن الجمال يفسد الزواج ويقوض السعادة الزوجية، أبدًا، إنما هو مجرد عمود جانبي قد يساعد على رفع السقف وإسناده ليس إلا.

الاحترام المتبادل، والصبر، والرضا، والقناعة، والاستعداد للتضحية لأجل الأسرة، والذكاء والحكمة في التعامل مع العقبات التي تعترض الزواج وغيرها؛ هي المعايير والعوامل الأساسية الضرورية لإنجاح الزواج، والإبحار في مركبه نحو الهدف الذي وُجد من أجله في جو تملؤه السعادة والسكينة والهدوء الأسري.

فكيف لـ"مجنونة" فائقة الجمال مثل "فلقة القمر" أن تقود مركب الأسرة وتوجهه نحو بر الأمان؟!