مجتمع

صور .. أعماق بحر غزة.. عالم يروي حكاية جميلة عن المدينة المحاصرة

مياه زرقاء يكشف نقاؤها ما تخفيه أعماقها من شعاب مرجانية وصخور تمتزج فيها ألوان الطبيعة وتخفي بين ثناياها أسماك متنوعة الجمال وفي القاع تنعكس أشعة الشمس على الرمال الذهبية فتمنحها بريقا ساحرا.

هذا المشهد ليس في جزر المالديف الآسيوية الشهيرة أو في أعماق البحر الأحمر، بل على بعد أمتار قليلة من الحافة الغربية لواحدة من أفقر مدن العالم وأكثرها بؤسًا فنحن على شاطئ مدينة غزة المحاصرة منذ (13 عاما).

ولم يكن سكان غزة يعلمون الكثير عن هذه المشاهد البحرية قبل أن يبدأ بعض الشبان بممارسة رياضة "الغوص الحر" والصيد بـ"الهاربون" (مسدس مخصص لصيد الأسماك)، ويلتقطوا خلال رحلاتهم الخريفية صورا حية للطبيعة البحرية الغزية.

بداية الرحلة

الرحلة إلى أعماق الطبيعة الغزية، التي باتت تلقى إقبالا من الشبان الفلسطينيين الذين لا يجدوا ما يفعلوه في ظل ندرة فرص العمل، تتطلب الاستيقاظ قبل الشروق والتوجه إلى الشاطئ للاستمتاع بجمال زرقة مياه البحر النقية الهادئة في مثل هذا الوقت من العام، كما يقول هاوي الغوص الحر، أدهم الشريف.

ويطلق من يعرفون أوقات البحر على هذا الوقت من العام اسم "أيام التشارين"، وهي فترة تمتد من 27 سبتمبر/ أيلول من كل سنة وتنتهي في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، ويكون خلالها البحر نقيا وهادئا.

وبعد احتساء فنجان من القهوة الساخنة يبدأ الغواص الثلاثيني "الشريف" بتجهيز مسدس الصيد وارتداء ملابسه الخاصة وهي قناع زجاجي سميك، وقصبة تسمى (سنوركل) تتيح له التنفس قريبا من سطح الماء، وبدلة غوص داكنة تحمل لون الصخر البني والأسود تخفيه عن عيون الأسماك، إضافة لحزام ثقيل مصنوع من سبائك الرصاص يمنع جسده النحيل من الطفو ويساعده على الثبات تحت مياه البحر.

ويثبت "الشريف"، وهو يعمل صحفي في إحدى الصحف المحلية، كاميرا خاصة على مقدمة مسدس الصيد لتسجل رحلته ومشاهد الطبيعة البحرية الخلابة التي ينشر بعضها على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي.

وقبل أن يدخل إلى الماء يربط الشاب الثلاثيني، كرة مطاطية ذات لون مميز بحبل رفيع وطويل يثبته في مسدسه.

ووظيفة الكرة الملونة تحديد موقع الغواص والابتعاد عنه، ففي حادث وقع قبل أيام أصابت شفرات محرك قارب سريع أحد الغواصين بجروح عميقة في يده وظهره، بسبب عدم استخدامه لهذه الكرة.

وعلى بعد 10 أمتار تزيد أو تنقص قليلا يبدأ "الشريف" أولى غطساته ليستطلع طبيعة المنطقة وصخورها وأماكن تجمع الأسماك وإن كان هناك شباك للصيادين في المكان حتى يبتعد عنها ولا يعلق بها.

ويخرج هاوي الغوص الحر من المياه الضحلة ويستأنف رحلته، التي رافقه خلالها مراسل وكالة الأناضول، بالسباحة على السطح لمئات الأمتار في عرض البحر حتى يصل لهدفه وهو منطقة مياهها نقية هادئة يزيد عمقها عن 10 أمتار وتنتشر فيها صخور عملاقة تكسوها الطحالب الملونة.

دقيقة في عمق البحر

وفور وصوله إلى تلك المنطقة يتأكد مرة أخرى من خلوها من شباك الصيادين ويأخذ نفسا عميقا يملأ صدره بالأوكسجين النقي قبل أن يعيد تثبيت قناع وجه جيدا وينثني بسرعة ليهبط بشكل عمودي إلى أسفل ويبدأ حينها رحلة الغوص إلى القاع مستعينا بزعانف بلاستيكية مرنة يرتديها في قدميه.

وما أن يصل إلى قاع البحر ينتقل "الشريف" في دقيقة ونصف وهي مدة كل غطسة، إلى عالم آخر بعيدا عن ضوضاء المدينة وهمومها وأزماتها التي لا تنتهي، فهناك لا يرى إلا الجمال الصامت.

في العمق هناك تنتشر الشعاب المرجانية، وإن كانت قليلة، بين الصخور المكسوة بطحالب تحمل ألوانا لا توجد في غابات الإسمنت الغزية، وأسراب الأسماك متنوعة الجمال والأحجام تسبح آمنة بين ثنايا الصخور فهي لن يعكر صفوها أصوات الغارات أو الطائرات الحربية الإسرائيلية.

ولكن مسدس الصيد هو من سيعكر صفو الأسماك، فبين أسرابها كانت تسبح سمكة "حداد" كبيرة رأى فيها الغواص "الشريف" فريسة جيدة، فاختفى بين مجموعة من الصخور قبل أن يصوب مسدسه نحوها ويلاحقها ببطء قبل أن يطلق سهمه المعدني الرفيع ليخترقها بسرعة ويسقط نحو العمق.

ومع إطلاق السهم تفرقت الأسماك واختفت بين الصخور هربا من سهم آخر، ليغوص "الشريف" ويحصل على صيده الأول بنجاح.

كل ذلك حصل خلال دقيقة واحدة فقط صعد بعدها الصياد إلى السطح ليلتقط أنفاسه ويعيد الأوكسجين إلى رئتيه وإلا فإنه سيكون معرضا لخطر إصابته بحالة إغماء نتيجة عدم وصول الأوكسجين إلى الدماغ.

دقائق قليلة يعود بعدها "الشريف" إلى الأعماق بعد أن يكون قد علق سمكته الأولى في خطاف يشبه صنارة الصيد يربطه في حزام يلفه حول وسطه.

طبيعة بحرية ساحرة

وبعد سلسلة غطسات في نفس المنطقة ينتقل الشاب الغزي إلى نقطة أخرى ليستطلع بيئتها البحرية ولعله يجد أعدادا أكبر من الأسماك.

وفي نقطة تبعد عن سابقتها نحو كيلو متر وصل إليها "الشريف" بعد أن اصطاد سمكة متوسطة الحجم وأخرى كبيرة تعرف محليا باسم "الحداد"، كان المشهد مختلفا ففي الأعماق تراصت الصخور على شكل حلقات عملاقة وتوزعت بينها شعاب مرجانية صغيرة وطحالب خضراء تشبه الأشجار، وبين كل ذلك يسبح سرب من أسماك "البوري" الفضية وإلى جواره مجموعة من أسماك "اللوكس".

صوب الصياد الغزي مسدسه نحوها بدقة قبل أن يطلق سهمه ليلتقط سمكة "لوكس" كانت أفضل ما اصطاده منذ فترة طويلة، وبعد أن وجدت السمكة الحمراء مكانا لها إلى جوار "الحداد" وشقيقتها، عاد "الشريف" إلى السطح مسرعا فهذه المرة أمضى نحو دقيقة ونصف ويحتاج بسرعة إلى التنفس.

كانت الغطسة الأخيرة نهاية رحلة هاوي الغوص الفلسطيني لهذا اليوم، فقد حان وقت العودة فبعد أقل من ساعة عليه التوجه إلى عمله.

وسيحصل طفلا الصياد "الشريف" التوأم "ريان" و"إيلاف" (5 أعوام) اليوم على وجبة غذاء مميزة من الأسماك الطازجة، فهما يحبان الأسماك التي يصطادها والدهما ويقولان إنها تختلف عن تلك التي تباع في الأسواق.

وفي المساء بعد العودة من العمل يتفقد الصحفي الفلسطيني ما التقطته كاميراته خلال رحلة الغوص ويختار بعض مقاطع الفيديو والصور وينشرها عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويتفاجئ متابعو "الشريف" من جمال الصور ومقاطع الفيديو التي ينشرها فمعظم سكان غزة لا يعرفون شيئا عن بيئتهم البحرية فهم لم يجربوا الغوص من قبل بسبب غياب الأندية التي تهتم بهذه الرياضة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المعدات اللازمة لهذه الرحلات، بسبب منع إسرائيل توريدها للقطاع.

ويقول "الشريف": "أسعار معدات الغوص والمسدس ذات الجودة المنخفضة تزيد عن 1000 شيكل (300 دولار)، وهذا المبلغ كبير بالنسبة لمعظم الشبان في غزة لذلك يعتمد الكثير من هواة الغوص على استعارة المعدات بدلا من شرائها".

ويجد بعض الشبان من هذه الرياضة إضافة إلى الاستمتاع بجمال الطبيعة البحرية، مصدر رزق لهم فهم يبيعون ما يصطادونه من أسماك يوميا لتحقق لهم دخلا ماديا جيدا يتراوح ما بين 35-70 شيكلا (10-20 دولار).

وتفرض (إسرائيل) منذ نحو 13 عاما حصارا مشددا على غزة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في نسب الفقر والبطالة في القطاع المكتظ بالسكان.

ونهاية الشهر الماضي، قالت اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزة، في بيان لها، إن 85% من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر بسبب الحصار الإسرائيلي.

المصدر (وكالة الأناضول التركية)

عيسى وزوجته وأبناؤه.. "ناس مُناها تعيش"

ما إن اقتربت من بيت الغزِّي الفقير عيسى، حتى أطلَّت أولًا إحدى صغيراته التي كانت يدها مكسورة ومعلقة بحبل أبيض التف حول عنقها، وهي تغطيها الضمادات.

تكسو البراءة وجه الطفلة وهي تعرف عن نفسها بصوت خافت: "اسمي اعتماد (خمسة أعوام)"، وتمد يدها وتسلم على الزائر الجديد.

تبدو عليها وعلى أشقائها وشقيقاتها التسعة معالم اللهفة واضحة لمن يدق باب بيتهم شمال مدينة غزة، ويسأل عنهم.

وعندما تقترب من بوابة منزلهم؛ حقًّا ستدرك حجم المأساة التي تعيش فيها العائلة المكونة من 13 فردًا: أب وزوجتين و10 أطفال، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أنهم في غير زماننا.

كان مدخل البيت شبه مغلق، فأحبال الغسيل المصفوفة بعضها بجانب بعض والمعلق عليها عدد كبير من الملابس لا متسع لها إلا هنا، إنها المنطقة الوحيدة من البيت التي تصل إليها الشمس؛ فهي يجب أن تلامس أشعتها الساطعة تلك الملابس التي بدا غالبيتها مهترئًا، في جزء من عملية الغسيل والتعقيم اليدوية التي تقوم بها الزوجتان.

خطوات قليلة إلى الأمام تأخذك إلى دورة المياه الوحيدة؛ بابها مكسور وبدا أنه غير قادر أن يسند نفسه، أما مساحتها الصغيرة فهي لا تكاد تكون كافية لشخص واحد يريد تلبية نداء الطبيعة.

وفي البيت المسقوف بالألواح المعدنية الشهيرة غزِّيًّا بـ"الزينجو" التي تظهر فيها ثقوب مختلفة الأحجام صالة طولها خمسة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار تقريبًا، وهي الملاذ المفضل لرب الأسرة للجلوس فيها على فرشتين لا يملك سواهما لاستقبال ضيوفه.

عندما دخل طاقم صحيفة "فلسطين" إلى تلك الصالة؛ أصر عيسى الذي فضّل عدم كشف هويته على الجلوس أرضًا بدلًا من الجلوس فوق إحدى الفرشتين، حتى يوفر مكانًا لضيوفه، قبل أن يتراجع عن ذلك ويجلس بجوار "مراسلنا" ليبث شكواه.

يتفرع من الصالة المليئة بالقطع الصلبة التي يجمعها أبناؤه من الشوارع لبيعها وكسب المال غرفتان مخصصتان لزوجتي عيسى (55 عامًا)، الذي ليس لديه قدرة على العمل ولا يملك مصدر دخل يعيل به العائلة.

في واحدة من هذه الغرف تقف خزانة واحدة لملابس الأطفال العشرة، يظهر عليها معالم القدم بوضوح، فلو كانت لدى عائلة مقتدرة ماليًّا لما سمحت بوجودها يومًا واحدًا في بيتها، لكنها تمثل لعائلة عيسى شيئًا لا يقدر بثمن.

"واللهِ إن البيت لا يوجد فيه شيقل واحد" يقول عيسى مقاطعًا مراسل صحيفة "فلسطين" في أثناء تجواله ببيته، وتغرورق عيناه بالدموع: "ربطة خبر ما في عنا".

كان عيسى يعمل ميكانيكيًّا قبل سنوات طويلة إلى أن تردى به الحال كما كثر غيره في غزة بفعل ظروف الحصار وحالة الإغلاق المفروضة للسنة الـ13 تواليًا، وأصيب بعدة أمراض مزمنة، منها الضغط والسكر، وأزمة في الصدر (الربو)، وأصبح غير قادر على العمل.

يقول لـ"فلسطين": "نعيش في ظروف في غاية القسوة، نتلقى المساعدات، ولولاها لمتنا من الجوع".

ويحتفظ عيسى بدستة أوراق بعضها يثبت الاستحقاقات المالية التي لم يعد قادرًا على تسديدها كإيجار البيت، فأجبره صاحبه –كما يقول- على أن يوقع "كمبيالات"، وأوراق أخرى عبارة عن "روشتات" أدوية، يعطي نسخًا منها لزواره ويسألهم هل لديهم قدرة على توفيرها له؟

لكن أكثر ما يشد الانتباه في بيت هذه العائلة الفقيرة حالة الانسجام بين الزوجتين اللتين بدتا متحملتين ظروف زوجهما، وقادرتين على التأقلم مع أحواله، وصابرتين على ذلك، حتى إن زوجته الثانية (39 عامًا) لم تغادر ابتسامة الرضا وجهها وهي تتحدث إلى "فلسطين".

وكانت تحاول بقدر الإمكان أن تشرح الظروف المعيشية لعائلتها، أملًا أن يصل صوتها إلى أي طرف رسمي أو شعبي أو أهلي قادر على مد يد العون لها.

بالمناسبة، عائلة الفقير عيسى مهددة بالطرد في أي وقت من البيت؛ فهي لم تدفع قيمة الإيجار الشهري 500 شيقل منذ ما يزيد على سنة كاملة، وهذا قد يكون دافعًا لصاحب البيت إلى اتخاذ قرار بطردهم منه، لكنها تأمل توفير شقة سكنية مناسبة لإيوائها.

ويقول عيسى: "ما نتمناه فقط أن نعيش".

​دراسة: بدانة الحوامل تعجل شيخوخة ذريتهن

أفادت دراسة أمريكية حديثة، بأن الآثار السلبية للسمنة التي تصيب الأمهات، تنتقل إلى الأجيال القادمة، وتسرع معدلات إصابة ذريتهن بالشيخوخة المبكرة، والأمراض المرتبطة بها.

الدراسة أجراها باحثون بجامعة وايومنغ ومعهد سلفادور زبيران الوطني للعلوم الطبية والتغذية بالولايات المتحدة، ونشروا نتائجها في العدد الأخير من دورية (Journal of Physiology) العلمية.

وأوضح الباحثون أنه من المعروف منذ زمن طويل، أن السمنة تضعف عملية الأيض أو التمثيل الغذائي، وتزيد فرص الإصابة بأمرض السكري والقلب والأوعية الدموية.

ودرس فريق البحث تأثيرات سمنة الأمهات على ذريتهن، عبر مراقبة مجموعتين من الفئران الحوامل، الأولى كانت أمهاتها مصابة بالسمنة، فيما تمتعت أمهات المجموعة الثانية بأوزان طبيعية.

ووجد الفريق أن آثار فرط زيادة الوزن لدى الأمهات، تنتقل إلى النسل، ما يزيد من معدلات الشيخوخة لديهم، إضافة إلى مشاكل التمثيل الغذائي التي تحدث في الحياة لاحقا.

ووجد الباحثون أن نسل الأمهات البدينات أصيبوا بمزيد من الدهون في الجسم، وظهرت عليهم علامات مبكرة لمرض السكري، مثل الارتفاع المبكر في مقاومة الأنسولين، ما يزيد من التعرض لمرض السكري.

كما ظهر على نسل الأمهات البدينات ضعف في وظيفة الميتوكوندريا، وهي الأجزاء المسؤولة عن توليد الطاقة داخل الخلايا للحفاظ عليها، وهذه التغييرات تجعل من المرجح أن يصاب النسل بأمراض القلب عند الكبر.

وقال الدكتور بيتر ناثانيلز، قائد فريق البحث: "هذه النتائج الجديدة تضاف إلى الأدلة المتراكمة لتأثير الظروف التي يتعرض لها الأجنة في الرحم، وتأثيراتها على الحياة المبكرة وصحة النسل وقابليتهم للإصابة بالأمراض مستقبلا".

وأضاف أن "الأبحاث السابقة التي أجراها الفريق كشفت أن الأم الحامل المصابة بالسمنة، وتتناول نظاما غذائيا غنيا بالدهون وعالي السكر أثناء الحمل، قد يصاب جنينها بمرض الكبد الدهني، والسمنة، واضطرابات التمثيل الغذائي في وقت لاحق من حياته".

وحذرت دراسات سابقة من أن زيادة وزن الأم أثناء الحمل، يمكن أن تسبب مشاكل صحية خطيرة للأم والطفل، منها السكري، وارتفاع ضغط الدم، والعيوب الخلقية، كما أنها تؤثر على نمو الجهاز العصبي للطفل.

وأضافت أن الأطفال الذين يولدون لأمهات يعانين من زيادة الوزن، معرضون بنسبة 50 بالمئة لزيادة الوزن، وترتفع النسبة إلى 70 بالمئة إذا كان كلا الوالدين يعانيان من السمنة.

للرجل.. إذا كبتَّ مشاعرك جهز أدويتك!

محمد عبد الكريم، شابٌ ثلاثيني لا يجد حرجا أبدًا في إظهار مشاعره، وإخبار المقربين عنها، بل ويتحدث عنها دونما أي إحراج، وآخر عهده بمشاعره، يوم رزق بمولوده البكر و"ولي العهد" علاء.

فكلما هنأه شخص أخبره بعظيم ما يكنه لزوجته من مشاعر وود واحترام، لصبرها على معاناة الحمل طيلة تسعة أشهر، ولم يخفِ عن أصدقائه أنه بكى كثيرًا وهو يساند زوجته في لحظات المخاض الأخيرة.

وإذا كان هناك اعتقاد عند البعض بأن بكاء الرجل أو إشهاره بذلك قد يدخل "في نطاق العيب"، فإن عبد الكريم يبدي فخره بمشاعره.

وعن إظهار الرجل مشاعره، يقول أستاذ الإرشاد النفسي والتربوي بجامعة الأقصى د. عبدالله الخطيب: "كل إنسان يتكون من مشاعر وأحاسيس وأنماط شخصية، وهذه الأنماط هي التي يتصرف الإنسان بناءً عليها"، مشيرًا إلى أن الرجل لديه سمات شخصية تختلف عن المرأة، فطبيعة هذه السمات لها درجة من الحساسية الخاصة في التعامل مع الآخرين.

لذلك عندما يتحدث كثير من الرجال أمام الآخرين –كما يقول الخطيب لصحيفة "فلسطين"- نجدهم يتحفظون على نحو أكبر ويحرصون في كل ما يقولون خوفًا من الوقوع في الخطأ.

ويرجع الخطيب ذلك إلى أن الرجل يحرص على عدم التسرع في إظهار ما يختلج صدره.

ويلفت إلى أن الرجل لديه ضبط ذاتي في التعبير عن المشاعر، وعندما يحاول إظهارها يقوم بذلك في الدائرة الضيقة، والتي قد تكون الزوجة أو أحد الأبناء، أو الأصدقاء المقربون، ممن يثق فيهم وبإبراز مشاعره لهم.

ويبين أن طبيعة شخصية الرجل التي يغلب عليها قلة الحديث في يوميات حياته بمشاكلها بانفعالها وبأحداثها، قد تمنعه من الحديث وإظهار المشاعر، موضحًا أنه عندما يكون هناك نقاش بين المرأة وزوجها في موضوع خاص بالأسرة فإن الأخير يميل إلى عدم الحديث كثيرًا.

لكنه يشير إلى أن قلة الحديث أو إبراز المشاعر قد يعود لخلل في المهارات الاجتماعية عند بعض الرجال، فهناك من يمتلكون مؤهلات جامعية ومواقع مرموقة في المجتمع، ولكن هذه الخبرات لا تؤهلهم للحديث دقيقة واحدة أمام الآخرين، في مجال تخصصه، فكيف له أن يتحدث عن مشاعره الخاصة لهم، لاسيما إن كانت تعبر عن مشاعر خاصة من الغضب أو الفقدان أو ما شابه.

ومما قد يمنع الرجال من الحديث –وفق الخطيب- الخبرات السابقة غير الإيجابية، فمثلًا قد يكون تحدث عن مشاعره أمام الآخرين، فعيّروه بها أمام دوائر أوسع.

ويلفت إلى جانب آخر، يتمثل بالمفهوم غير الدقيق للرجولة، إذ يعتقد البعض أنها تعني أن يكون الرجل كالصخر.

التعبير قوة وصحة

ويقول أستاذ الإرشاد النفسي والتربوي: "من الواقع العملي نجد فجوة واضحة لدى الرجال في التواصل مع الآخرين والتي تنبع من الأسباب المذكورة سابقًا، وهي أسباب نجدها كقناعات راسخة عند الرجال، وهذه القناعات لابد من تغييرها والتدرب على فهمها أكثر".

لكنه يضيف: إن الرجل يمتلك مجموعة من المشاعر، ومجموعة من الأحاسيس، والانفعالات والمهارات التي تؤهله ليكون إنسانًا قادرًا على الانفتاح على الزوجة والأبناء والوسط المحيط الموثوق.

ويشير إلى الرجل إن لم يخرج هذه المشاعر في الوقت والمكان المناسبين، فمن المتوقع إصابته بحالة من الاضطرابات النفسية ونفسية-جسمية مثل الضغط والسكر وآلام الصداع والمعدة وضيق في التنفس.

وينسب الخطيب إلى دراسات أن 70% من الرجال الذي يتحدثون عن مشاكلهم ويومياتهم يعيشون حياة أفضل، خاصة بالمحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، وهؤلاء لم يتعرضوا لاضطرابات نفسية-جسمية.

ويدعو الخطيب كل رجل للتعبير عن مشاعره والحديث عن مشكلاته؛ لأن من شأن ذلك أن ينعكس إيجابا على صحته النفسية والجسمية.

وينبه إلى أن الصحة النفسية هي انعكاس للصحة الجسدية، فعندما يكون سليمًا جسديًا تكون المشاعر سليمة، ويمكن أن تكون منطلقًا للتفاؤل والعيش بسعادة وسلام.

"أنت من تسعد نفسك، وأنت من تحزنها"، يستند الخطيب إلى هذه المقولة، لتبيان أن سعادة النفس تأتي من خلال الحديث مع الآخرين والتواصل الإيجابي معهم.

ويشدد على أن التعبير عن المشاعر يعطي الرجل قوة اجتماعية، ويجعله ناجحًا في حياته مع الوسط المحيط، خاصة إن استطاع التعبير عن حبه لمن حوله.

أخيرًا، يجيب أستاذ الإرشاد النفسي والتربوي عن سؤال قد يراود أي رجل: "كيف لي أن أعبر عن مشاعري؟"، بقوله: المشاعر حالة متغيرة، وتتميز أنها سريعة التكوين وسريعة الذوبان، فعلى الرجل استثمار الحالة المزاجية الإيجابية ليعبر عن حبه وتقديره لمن حوله، فالتعبير عنها يعطي الحياة الأسرية نوعًا من الاستقرار والتفاؤل والمحبة.

ويكمل نصيحته للرجل: "يتعين التواصل مع دائرة الأصدقاء المقربين والخروج معهم، لا العيش في دائرة ضيقة؛ لأن التواصل معهم فيه نوع من العافية الجسمية والنفسية التي تجعل الرجل مقبلًا على حياته، ويتحدى الضغوط التي يتعرض لها".