أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٠‏/٢‏/٢٠١٨

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​علاقةٌ سلبية بين الوجبات السريعة والحالة النفسية

أكدت العديد من دراسات التغذية على العلاقة بين الوجبات السريعة والاكتئاب أو المزاج السيئ بشكل عام، وبينت تلك الدراسات أن هذه الوجبات تحتوي على سعرات حرارية عالية، وسرعان ما يزول تأثير السعادة اللحظية التي تتحقق بسبب هذه الوجبات.

أخصائية التغذية سماح وادي أكدت في حديث لصحيفة "فلسطين" صحة ما تقوله هذه الدراسة، وأن عامل التغذية يلعب دورًا أساسيًا في إصابة الإنسان بالاكتئاب، وخاصة عند الحديث عن الوجبات السريعة.

دهون عالية

قالت وادي إن الوجبات السريعة تحتوي على نسب عالية من الدهون غير المشبعة، والكوليسترول، والسكر، والملح، وتؤدي إلى زيادة في الوزن، وهذه المركبات عندما تصل إلى دماغ الإنسان فإنها تزوده بالطاقة ولكنها طاقة مؤقتة.

وأضافت: "فمثلا، عبوة المشروبات الغازية التي يتم تناولها مع الوجبات السريعة تحتوي على ثماني ملاعق سكر، مما يسبب في ارتفاع السكر بشكل مفاجئ وهبوطه بشكل مفاجئ، وهذا ما يسبب الشعور بالنشاط والحيوية مع الارتفاع، والكسل والخمول مع الهبوط".

وتابعت: "وبالتالي يدخل الإنسان في مرحلة من الخمول والشبع أو فقدان الشهية، والوحدة، بمعنى أنه فقد عناصر مغذية للدماغ، ما انعكس على الحالة النفسية أو المزاجية"، لافتة إلى أن تغذية الدماغ تتطلب شرب كميات من المياه، ويُفضّل أن تكون المياه معدنية ولو مرة واحدة في الأسبوع.

وأوضحت وادي أن الناقلات العصبية للدماغ تستجيب لكم السكريات الموجود في الوجبات السريعة وهي سكريات بسيطة لا تعطي أوامر للنشاط بل تؤدي إلى الخمول والإعياء، ناصحة، للخروج من هذه الحالة، بالتركيز على تناول الخضروات الورقية والفواكه.

وقالت: "كذلك من أسباب أن الوجبات السريعة سبب للاكتئاب أنها تفتقر للفيتامينات وخاصة فيتامين 6 لأنه فيتامين أعصاب يدعم الناقلات العصبية التي تعطي إشعار بالجوع والشبع ومتى تأكل وكيف تأكل.

وأضافت: "نقص هذا الفيتامين في الوجبات السريعة يجعلها ضمن منظومة الأغذية الخطرة، ومن أسباب ذلك أيضًا أنها تحتوي على كميات عالية من الدهون غير المشبعة والثلاثية والتي تؤدي إلى الخمول والتعب والسمنة والحالة النفسية السلبية بسبب السمنة عدا عن أنها تُعدّ بوابة المرض".

ودعت إلى التقليل من تناول الوجبات السريعة قدر الإمكان، والاستغناء عن المشروب الغازي المرافق لها، وإضافة بعض الخضروات لهذه الوجبات كبديل عن البطاطا المقلية والكاتشب، مع ضرورة الابتعاد عن البيض والمايونيز، وشرب الماء بمعدل يتراوح بين ستة إلى ثمانية أكواب في اليوم الواحد.

وأوضحت: "لا شعوريًّا، نشعر بالسعادة بعد تناول الوجبة السريعة، ونعتقد أنها سعادتنا بسبب الوجبة لكن سرعان ما نشعر بخمول واكتئاب، وكل ذلك بسبب ما ذكرناه عما تحتويه هذه الوجبات".

وأكدت وادي أهمية الرياضة للتخلص من الاكتئاب، مبينة: "يجب أن نمارس الرياضة كل يوم، ولو لنصف ساعة، أو على الأقل ثلاث مرات أسبوعيًّا".

وبيّنت: "أعمال المنزل تُعدّ استهلاكًا للطاقة وليس رياضة، وكذلك المشي بتوقف عند كل متجر ليس رياضة، إنما في الهرولة المتواصلة هي ما تعنيه رياضة المشي، وذلك حتى نحرّك كل عضلات الجسم".


١٠:١٧ ص
١٨‏/٢‏/٢٠١٨

​التطوع علاجٌ نفسيٌ للقائم به

​التطوع علاجٌ نفسيٌ للقائم به

لا شك أن العمل التطوعي من الأعمال السامية التي يرتفع بها المتطوع ويرتفع معه المجتمع، حيث يسود التعاون والتعاضد بين الناس، حينما يعطي الإنسان أغلى ما يملك ويبذل أحب الأشياء لقلبه في سبيل الآخرين، هذا البذل لن يُسعد الآخرين فحسب، وإنما سيكون مصدر سعادة لمن قام به أيضًا، فللتطوع آثارٌ عظيمة على نفس المتطوع.

فوائد كبيرة

مدرب التنمية البشرية صابر أبو الكاس، قال: إن "للعمل التطوعي أهمية كبيرة وفوائد أكبر ربما غفل عنها الكثيرون، خاصة الذين لم يجربوه، ومن هذه الفوائد أنه مساحة لتفريغ طاقات الشباب فيما هو مفيد وليس فيما هو ضار، الأمر الذي يساعد في تطويره وتطوير المجتمع".

وأضاف لـ"فلسطين" أن "التطوع علاج لعدد من الأمراض النفسية كما أفاد بذلك خبراء علم النفس، حيث إن هناك برامج سلوكية يستخدمها الأطباء النفسيون بتوجيه المرضى للتطوع بصورة خاصة لعلاج بعض الحالات من الاكتئاب، أو نقص الثقة، أو القلق، وتكون ممارسة العمل التطوعي بشكل دوري جزء أساسي من العلاج، حسب حالة المريض".

وتابع: "للتطوع فوائد معنوية تعود على الشخص جراء تقديم الخدمة للآخرين ومساعدتهم، وقد قال في ذلك أحد الحكماء (أسعدُ الناس مَنْ أسعدَ الناس)، فسعادة الشخص تكمن في إدخال السعادة على الآخرين".

ومن علامات الصحة النفسية للشخص بحسب الأمم المتحدة: "شخص يعمل عملاً لآخرين دون نفع مادي، هو يشعر ويحس بالآخرين ويشاركهم همومهم في حل مشكلات المجتمع الذي يعيش فيه وهو ليس متقوقعًا على نفسه ينفع نفسه فقط ويحتكر المنفعة على ذاته".

وأكد أبو الكاس: "فوائد التطوع كثيرة جداً لا يمكن حصرها، لذا ننصح الناس بأن يخوضوا تجربة التطوع وحينها سيعرفون المزيد من الفوائد".

أما عن نظرة البعض للتطوع على أنه عمل استغلالي من قبل البعض ولا يعطي الأشخاص حقهم، فبيّن: "التطوع يُسمى استغلالًا إذا كان هناك من يوظف المتطوعين لأهداف غير سوية، كأن يستغل المتطوع في تحقيق أهداف شخصية أو حتى أهداف لا تتساوق مع أخلاقيات العمل التطوعي".

خير مثال

وللتأكيد على النتائج الإيجابية للتطوع على نفسية القائم به، ضرب أبو الكاس مثالا: "أحد الأثرياء أصيب بحالة من الاكتئاب، هذا الذي لا ينقصه شيء من احتياجات كل إنسان من مطعم ومشرب ونعيم، إلا أنه فقد الراحة والسعادة، فنصحه أحد أصدقائه أن يتطوع وأن يخدم الآخرين كي يحصل على سعادته المفقودة، فتطوع في خدمة أطفال أيتام من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث قدم لهم ما يحتاجونه وساهم في توفير كراسي متحركة لهم، وبينما أخذ يودع الأطفال ليغادر المكان، تشبث أحد الأطفال به قائلا له: (ابقَ معنا ولا تتركنا، أنا شعرت أنك والدي وأحببتك كثيراً)، وهنا انفجر الرجل بالبكاء، إنه بكاء السعادة التي انتابته بعدما تطوع وأعطى، حتى أنه قال بعد تجربة التطوع (أنا أشعر الآن بسعادة لم أشعر بها من قبل في حياتي)".


​"أم إياد".. تحت سيف الهموم والأمراض والديون

حركاتها وسكناتها تحكي وجعًا، ونظراتها تأبى إلا أن تفضح الحزن المختبئ في عينيها الممتلئتين بالدموع على الحال الذي آلت إليه، والتجاعيد وجدت مكانا ارتسمت على وجهها بسبب "الهمّ" الذي لطالما حملته على كاهلها، دون إعانة من قريب أو بعيد، إلى أن أصبحت غير قادرة على العمل، فتفاقمت حالتها سوءا، وهي التي تعيل أبناء مرضى..

أمٌ وأب

حديثنا عن "أم إياد"، سيدة خمسينية لكن وجهها يوحي بأنها في سبعينيات العمر على أقل تقدير، تقمّصت دور الأم والأب لأبنائها الخمسة بعدما تركها زوجها في مصر دون معيل، لتكابد بمفردها مرارة الوجع قبل 25 عامًا.

بعد أن تركها زوجها، عادت إلى قطاع غزة خوفًا على مستقبل أبنائها، خاصة فيما يتعلق بإصدار بطاقات شخصية لهم، تاركة أهلها الذين يقطنون في سيناء، لتشق الطريق بمفردها.

في صباها، كانت تطعم أبناءها من عرق جبينها، بطرق مختلفة، منها الخدمة في البيوت، والبيع في السوق، فلا يهمها ماذا تعمل، المهم عندها أن تعود لأبنائها بقوت يومهم، وتسد احتياجاتهم، ومع مرور الأيام والسنوات بدأ الضعف يتلف جسدها النحيل، وتسلل إليه المرض، فأُصيب بتليف الكبد، إلى جانب تقدمها في العمر، لذا لم تعد تقوى على العمل وتوفير احتياجات أبنائها المرضى.

كابوس البيت

الكابوس الذي لا يفارقها، هو حاجتها الماسة لبيتٍ تعيش فيه مع أبنائها، تحيا فيه حياة الاستقرار وتشعر بالطمأنينة بدلًا من الخوف الذي يتملكها من الطرد لعدم قدرتها على دفع قيمة إيجار البيت.

ضيق الحال جعلها كالرحالة، تتنقل مع أبنائها من بيت لآخر، فجابت بيوتًا كثيرة، تجاهد نفسها في البداية، لتتمكن من دفع الإيجار في حال حصلت على عمل، وتحرم نفسها وفلذات أكبادها الطعام والشراب كي لا يصبح مسكنهم الشارع، لكن هذا لا يستمر، فسرعان ما تفقد القدرة مجددا على دفع الإيجار، فتتراكم عليها الديون لصاحب البيت، حتى ينتهي الأمر بالطرد من جديد.

قالت أم إياد: "لا يهمني نوع الطعام الذي نتناوله، فكسرة خبز وملح تكفي لسد فراغ أمعائنا، فالأهم بالنسبة لنا هو العيش باستقرار وأمان، حتى لو كان البيت غرفة واحدة، المهم أن يحمينا من الصيف وحرارته، والشتاء وبرده وأمطاره".

وأضافت، ودموعها تخونها فتنساب على وجهها: "ابني الأكبر مريض نفسيًا، وابني الأوسط وبنتي الصغرى مصابان بمرض الصرع، والصغير مريضٌ بالتهاب الكبد الوبائي".

وبقلب يعتصر ألمًا، تابعت: "مريض الصرع يحتاج بشكل دائم لأدوية تخفف من حدة النوبات، أما المصاب بالتهاب الكبد فهو يحتاج بين فترة وأخرى إلى حقنة تبلغ تكلفتها 300 دولار، إلى جانب أدوية أخرى وتحاليل طبية كثيرة، والآن أنا أيضًا مريضة بتليف الكبد، وأخبرني الطبيب أني بحاجة لإجراء عملية تكلفتها 3 آلاف شيكل، وهذا مبلغ يفوق الخيال بالنسبة للحال الذي أعيشه".

في فصل الصيف الماضي، بسبب عدم امتلاكها قيمة إيجار البيت، طردهم منه صاحبه، فنصبت حبال خيمتها على شاطئ بحر غزة لتقضي شهوره وأيامه، ولكن مع حلول فصل الشتاء قام متبرع باستئجار شقة ودفع إيجار شهر واحد (400 شيكل)، ولم تتمكن من دفع المطلوب في الشهور التالية، وحاليا، ومنذ شهرين، يطالبها صاحب البيت بالرحيل، أو تسديد ما تراكم عليها.

وأشارت إلى أن الديون المتراكمة عليها بلغت 6 آلاف شيكل، وقد صدر بحقها أمر بالحبس نتيجة شكوى المدينين عليها، فأصبحت تخفي نفسها عن عيونهم.

وكانت قد دفعت بابنها الكبير إلى العمل، ولكن المجتمع لم يرحمه من الاستهزاء به لمرضه النفسي، وقد حاول أكثر من مرة الانتحار، ما دفعها إلى عدم توجيهه نحو العمل مجددا، وفي ظل الوضع الذي يزداد سوءًا لا تمتلك هذه السيدة سوى التضرع إلى الله والدعاء بأن يفرج كربها.


​"أحمد جرار".. حكاية بطلٍ "دوّخ" الاحتلال


نودّع الدنيا بالوصايا، وتبقى السيرة العطرة التي تتناقلها الأجيال في تخليد أسماء أبطال فلسطين، الذين سالت دماؤهم لأجل تعبيد طريق الحرية، وصناعة المجد بأجسادهم التي تحدّت جبروت الاحتلال، فكيف إن كانت البطولة صنعها الأب وختمها الابن الذي ظل وفيًّا لوالده.

إلى أمي الغالية "ختام إبراهيم جرار".. تمرّ الساعات والأيام وأنت تشعرين بمرارة الغياب والفقدان، "حتى الآن أشعر كأنه مطارد أو مسافر".. ما تقولينه يا أمي مليء بالحزن، "لم أصدق بأن أحمد نفذ عملية قتل الحاخام، كان كتوما جدا لم ألاحظ عليه أي شيء، حتى أنني لم أرَه يحمل السلاح في البيت.. لكنه كان صادقا مع الله الذي أحبه وجعل كل الناس يحبونه".

لم تَأذني يا أمي لدموعك بالانسدال، رغم صعوبة الفراق، وتتماسكين أثناء سردك لذكريات طفولتي: "انتظَر أحمد وشقيقه الأكبر صهيب حينما كانا طفلين والدهما نصر جرار الذي سجنه الاحتلال 15 عاما، طوال الوقت كانا يسألان، كأي طفلين، عن والدهما وعن موعد الإفراج عنه، وحينما خرج من السجن لم يمكث معهما سوى عامين، ومن ثم بدأت رحلته بالمطاردة، وخلالها أُصيب عام 2001 في انهيار أحد المباني عليه، وبُترت يده وقدمه، وفي اشتباك آخر أثناء اقتحام مخيم جنين أُصيب وبترت قدمه الأخرى، وبعدها أبعد عن البيت سبعة أشهر لم نره خلالها، فبقي أحمد وصهيب يتجرعان لوعة الشوق لوالدهما، إلى حين استشهاده عام 2002 في اشتباك مع جيش الاحتلال بعد رحلة مطاردة طويلة، كان أحمد حينها طالبا في الصف الرابع الابتدائي".

بلهفة العشّاق, ودفء الأشواق, تكملي الحديث عن ذكريات تعيشينها من جديد: "كان موقفا صعبا قبل استشهاد زوجي، فكان مقعدا ومطاردا وكنت أفكر كيف سيهرب حينما يأتي إليه جيش الاحتلال".

كانت السعادة تملأ أرجاء البيت حينما أبصرتُ الحياة عام 1991، ما أجمل صبرك وأنت تقلّبين دفتر الذكريات: "عندما كان زوجي في الأسر، وكنا نتوجه لزيارته، لم يكن أحمد ينتظر أن يأخذه جنود الاحتلال لرؤية والده، بل كان من لوعة الشوق يصعد الى نوافذ الصالة التي يلتقي فيها الأسرى مع أبنائهم حتى يرى والده الذي تنقل بين عدة سجون منها النقب والدامون ومجدو".

القائد الصغير

وها أنتِ تعيدين ذكر سيرتي الذاتية بالانتقال إلى محطة أخرى في طفولتي: "أحمد منذ طفولته كان قائدا، فبعد أن يصلي العصر ويدرس كان يلعب مع أبناء عمه، الذين كانوا لا يقبلون اللعب بدون وجوده لأنه يرسم جوا من المرح حينما يلعب معهم".

وقفت هنا الذكريات في مشهد رسَم البسمة على حديثِك من رحم الألم وأنت تواصلين: "بعد استشهاد والده بعام واحد، اشترى أحمد سماعة (مكبر صوت) وأخذ ينادي على الجيران: (ممنوع التجول، كل الناس يدخلوا إلى بيوتهم)، وبالفعل دخل الناس إلى بيوتهم واعتقدوا أن المنادي جيش الاحتلال، فمنذ طفولته كان مرحا وصاحب خلق ودين يحب الحياة واللعب وكذلك كان يحب تسلق الأشجار".

"أحب رؤية والده، وكذلك كان ينتظر أن تُوضع صورته في المهرجانات بعد استشهاده وأن يتحدث الناس عنه، وكان يأتيني سعيدا حينما يُذكر والده في المناسبات".. ما زلت بحديثِك تعبرين عن جمال العلاقة بيني وبين والدي، ثم تحتسين جرعة من صمت في ذلك المشهد: "كانت حياة أحمد عادية لم أشعر بأنه مقاوم، حتى المصحف الذي أهداه إياه والده لم أعلم أنه كان يأخذه معه خارج البيت إلا بعد استشهاده".

المشهد الأخير

اليوم الذي لا يُنسى، يوم اقتحام جيش الاحتلال لمنزلنا بحثا عنّي، تستعيدين ذلك المشهد: "في ذلك اليوم، لم يكن لدى أحمد عمل، فجاء إلى البيت ظُهرا، وتناول طعام الغداء وجلسنا معا، وخرجت أنا وابنتي عصرًا إلى بيت عائلتي، ومن ثم عدت مع غروب الشمس، لتدرس ابنتي لامتحانها الجامعي".

ما زلت تذكرين .. الساعة العاشرة والربع نزلت درج المنزل من الطابق الثاني وأردت الخروج من صالة البيت للخارج لكن الباب كان مغلقا، وعاتبتك حينها ممازحا: "دائما بابك مغلق"، لتردي علي: "بدننا ننام بتعرف احنا ما بنسهرش"، وبحبّ الأم لابنها تابعتِ الكلام: "حبيبي أحمد تعال بفتحلك الباب".

لا يزال ذلك المشهد محفورا يا أمي وأنت تواصلين: "فتحت الباب وحضنت أحمد، وسألني عن سبب الحضن، فقلت له لا تتأخر، فرد أنه لن يتأخر لأن دوامه في اليوم التالي يبدأ في الساعة الثامنة والنصف صباحا، وأنه سيلتقي بأصدقائه وسيعود، ولم ألاحظ عليه أي شيء".

الساعة الحادية عشرة إلا ربع، مشهدٌ لا تنساه محافظة جنين وبلدة برقين التي نعيش فيها، وأنت تتعجبين من هول ما حدث: "سمعت صوت إطلاق النار اعتقدت، أن هناك أسيرا خرج من السجن، خرجت لمشاهدة ما يحدث من شرفة المنزل، فلما سمعت أن هناك بيتا محاصر بالمنطقة، اعتقدت أنه بيت أحد أسلافي، ولكن فجأة بدأ إطلاق النار يتجه نحو المنزل، فخرجت انا وابنتي، واستشهد أحمد اسماعيل جرار أمام منزلنا، فكان الأحمدان روح واحدة سرهم لا يعرفه أحد".

سألك ضابط الاحتلال حينها "وين ابنك؟" فأجبتيه بحرقة "أنتم قتلتموه" ليرد عليك "ابنك لم يستشهد.. اتصلي به" لكن الهاتف لم يرد، لتمرّ صفاتي مرة أخرى على حديثك، فجميل قولك: "كان النور يزداد بوجه نجلي مع مرور السنين، انتبهت لذلك بعد استشهاده، كان يلبي دعوات مناسبات الأفراح لكنه كان يكتفي بأن (يؤدي الواجب) ويغادر المكان، وكأنه كان يعمل حسابا لآخرته، مواقفه رجولية، شجاع لا يخاف إلا من الله، حياته طبيعية".

"لم يتحدث معي أحمد ولم أره بعد خروجه الأخير من المنزل كنت أدعو.. ما زلت أريد الذهاب إلى المنطقة التي استشهد فيها وخاض فيها اشتباكه الأخير مع جنود الاحتلال" وقبل أن تضعي النقطة الأخيرة هنا، تقولين: "جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة هو من كشفه، حتى أنه حينما قدمت قوات الاحتلال لهدم منزلنا لم يأتِ جهاز الأمن الوطني التابع للسلطة لإسعافنا رغم وجود مقرّ له بجوار منزلنا".

أخلاق مدهشة

تتوقفين عند أخلاقي التي أدهشتك: "لم يمر يوم على أحمد ينام فيه قبل أن يقرأ القرآن، صلاته ليست عادية، كان يصلي بخشوع، صادق مع الله لذلك أعطاه كرامة الشهادة.. تفاجأت بتنفيذه للعملية، فبعد تنفيذ عملية مقتل الحاخام، لم أشعر بتغيير في حياته كان يذهب لعمله ويعود سعيدًا بشكل طبيعي".

بكل حب تواصلين سردَ سيرة ستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال: "لفت أحمد نظر صاحب متجر المواد الغذائية الذي كان يعمل فيه، كان طوال الوقت يحرك شفاهه باستمرار، اعتقد ذلك الشخص أن هناك شيئا ما، فسأل أحمد، فأخبره أنه يردد الاستغفار باستمرار.. الجميع يشهد له بأخلاقه سواء الجيران أو بالجامعة".

تواصلين فخورة: "يكره أحمد ذكر سيرة الآخرين بغيابهم، يقتنع بأي شيء، عاش كريما، عمل وأنفق على دراسته الجامعية، ومؤخرا عمل في محل خياطة، وكان سعيدا جدا بهذا العمل، ولم أره في حياتي إلا حسن المظهر، ملابسه جميلة، يحافظ على نظافتها".

يا لها من ذكريات جميلة ومواقف لا تنسى تسحبك من أعماق الذاكرة، تنتقين احداها .. "ذات مرة سمعت صوت تلاوة قرآن اعتقدت أنه صوت من المسجد، وتتبعت الصوت فوجدت أحمد يقرأ بصوت منخفض بإحدى غرف المنزل فكان يحب أن تكون اعماله بالسر، وإن في يوم من الأيام أضاع صلاة الفجر كان يعاتبني كثيرا بأنني لم أوقظه، فظل محافظا على صلاة الفجر".

"حافظت على أبنائي أحمد وصهيب ومحمد وجينا، وكنت أعلمهم طريق الحرام والحلال، حتى يستمروا على هذا الطريق طوال حياتهم، بأن تبدأ الصلاة من ست سنوات، وأن يعرفوا ما الذي يجب أن يشاهدوه وما الذي يجب أن يجتنبوه".. بهذا توجين رسالتك وتنصحيك غيرك من الأمهات.

الرابط الوحيد

صوتكِ بدا كجمرة أذابها الفراق رغم تماسكه وصلابته، وأنت ما زلت تفتحين شريط الذكريات: "حُرم أحمد من والده، وظلّ طوال الوقت يحمل صوره، كان متأثرا جدا باستشهاده.. ذهب بيتنا الأول الذي هُدم في عهد زوجي، وذهب بيتنا الثاني الذي دمره الاحتلال في عهد ابني، ومعه ذهبت كل الذكريات، حتى المصاحف التي أهدانا إياها زوجي اختفت بين ركام المنزل، وبقي ذلك المصحف الذي استشهد أحمد وهو يحمله، ليكون هو الذي يربطنا ويجمع أحمد بوالده".

ما أجملك وأنت تواصلين سرد سيرتي: "تأخّر أحمد في الحصول على شهادته الجامعية (بكالوريوس إدارة مستشفيات) من الجامعة الأمريكية في جنين، لأنه كان يدرس ويعمل، وتعرّض قبل ثلاثة أعوام لاعتقال من قبل قوات الاحتلال، واستمر 50 يوما في التحقيقات، وتعرض للتعذيب، إلا أنه لم يعترف بشيء يتعلق بالتهم الموجهة إليه، وخرج من السجن وأكمل دراسته، وتخرج قبل عامين، كما أن أجهزة أمن السلطة طلبته في مرتين للحديث معه دون اعتقاله لكنه لم يخبرني بتفاصيل اللقاء".

وكأنكِ تعيشين ذلك المشهد لحظة اقتحام قوات الاحتلال لمنزلنا قبل ثلاثة أعوام، عندما كسروا باب المنزل واعتقلوني، فتكملي: "كنت أدعو لأحمد حينها، وأخبرني بعدما خرج من الاعتقال أن (بركات دعائي) كانت تصله".

"رأيته ليلة أمس في المنام وكان سعيدا ويبتسم".. ورغم الاستشهاد إلا أن جموع المعزين الذين يأتون إليكم وكأنهم لم يصدقوا أنني رحلت بلا عودة، وتتعجبين بقولك.. "بنات المدارس والنساء الذين يأتون لبيت الأجر (العزاء) لا يصدقوا أن ابني استشهد، ويتعجبوا من صبري على رحيل أحمد الذي ليس هو ابن فلسطين فقط بل ابن العالم، وهذا فخر لنا جميعا".

تختمين حديثك عند برِّي بكِ: "كان أحمد حنونًا، يقبّل يدي دائما، كان له بصمة جميلة في البيت، لذا تتساءل شقيقته، كيف سنعيش بعده، إلا أنني أخبرتها أننا يجب أن نصبر ونحمد الله".

وهنا نسدل الستار على قصة أحد أبطال فلسطين الشهيد، أحمد نصر جرار، قائد الخلية القسامية التي نفذت عملية اطلاق النار التي حدثت بمدينة نابلس، وبالقرب من مستوطنة "حفات جلعاد"، والتي قُتل فيها حاخام اسرائيلي، وانسحب المنفذون من المكان، وذلك في التاسع من يناير/ كانون ثاني الماضي، وبعد عدة أسابيع من المطاردة عقب العملية استشهد أحمد، ابن بلدة برقين، بعد اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لبلدة اليامون غرب جنين في السادس فبراير/ شباط الحالي، إذ حاصرت قوات إسرائيلية المنزل الذي تحصّن فيه، وخاض اشتباكا مسلحا معها وارتقى شهيدا.