أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٦‏/٧‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


١٢:٠١ م
٢٦‏/٧‏/٢٠١٧

"شيل البوابة".. طلبٌ جنّن المحتل

"شيل البوابة".. طلبٌ جنّن المحتل

عجيبة هي الهبة المقدسية لأجل الأقصى، فيها من الجمال ما يفوق كل وصف، هذا ما يصلنا عبر الصور المنقولة من تجمعات المعتصمين حول أبواب ثالث الحرمين، ولكن ماذا عن التفاصيل التي غابت عنّا بسبب البعد الجغرافي؟!.. يبدو أنها أكثر جمالًا، لذا نرصد بعضها في السطور التالية، لنتخيّل الصورة الكاملة عبر قطعها التي يرسمها لنا المقدسي "طارق العكش"، الذي تحدث لـ"فلسطين" عمّا يجري في محيط الأقصى من بداية إفراغه من المصلين، وحتى منعهم من دخوله، وصولًا إلى رفضهم الدخول إليه رغم ما يعتريهم من شوق للسجود في باحاته..

الشعور بالمسؤولية


عملية "الجبارين" تمت في وقت مبكر من صباح الجمعة، لذا لم يكن عدد المتواجدين في الأقصى كبيرا، فقط بعض الشباب الذين كانوا يقرؤون "الكهف" في "المسجد القبلي"، ولأن الاشتباك كان على الأطراف، فلم يروه، ولم يشاهده سوى بعض الحراس في المنطقة.

بناءً على ما سبق، ظنّ المتواجدون في المسجد أن إخراجهم منه ليس إلا أمرا مؤقتًا، وأنهم سيعودون إليه لأداء صلاة الجمعة، لذا كان الخروج دون مواجهات.

تصاعدت الأحداث، واتخذ الاحتلال من العملية ذريعة لإغلاق أولى القبلتين، وهنا ظهر واحدٌ من أسرار الجمال المقدسي، ألا وهو "الشعور بالمسؤولية تجاه الأقصى"، وهذا هو "مفتاح كل الأحداث"، فالمقدسي في علاقته بالأقصى تماما كما هي الأم الحريصة على طفلها، تحنو عليه، وتدافع عنه وتحميه من الخطر أيًا كان الثمن، وهذا الشعور مزروع ٌفي نفوس السواد الأعظم من المقدسيين.

إذاً أعلن سرّ الجمال هذا عن نفسه، ولكن الإفشاء بالسر لم يبلغ درجاته القصوى لأن الاحتلال أعلن أن الإغلاق سيكون حتى الأحد فقط، فتعامل المقدسيون مع الحدث على أنه مؤقت، وأن دخولهم إلى مسجدهم ليس إلا مسألة وقت، صحيحٌ أنهم لم يتركوا الأقصى أبدا، وكانوا يجتمعون عند أقرب النقاط من الأبواب، فيقيموا صلواتهم، ولكن الأعداد لم تكن كبيرة، كما هي الآن.

وعندما حان الموعد المُنتظر لإزالة الشوق، فوجئ المجتمعون عند الأبواب أن الاحتلال قد نصب بواباتٍ إلكترونية، فأدركوا عملية تغيير الأمر الواقع التي تتم، لذا فضلوا الإبقاء على نار الشوق تحرقهم، على أن يطفئوها عبر بواباتٍ تعني أن الاحتلال يسيطر على المسجد ويتحكم بمن يدخله ويخرج منه.

في هذه اللحظات الحاسمة، كان مدير المسجد الأقصى الشيخ عمر الكسواني من أول الواصلين، ولمّا انتبه مع من كانوا معه إلى البوابات الإلكترونية وأدركوا دلالاتها، اتخذوا قرارا فوريا بعدم الدخول، وأبلغوا المتجمهرين بالأمر، وما كان من الجميع إلا أن تبنى وجهة النظر هذه.

ومن هنا بدأت فكرة الاعتصام، ولسان حال المقدسيين: "لن ندخل، ولكننا سنكون في أقرب نقطة إلى مسجدنا، وإن جئنا لصلاتنا ووجدنا البوابات الإلكترونية، فسنؤديها عند الأبواب، لن نترك الأقصى، ولن ندخله بشروط عدّونا".

عفوي

الاعتصام نشأ بطريقة عفوية تمامًا، عندما رفض المقدسيون الدخول عبر البوابات وبشروط الاحتلال، وفي الوقت ذاته رفضوا التراجع عن حقّهم في الوصول إلى الأقصى بحريّة.

ومن عجائب المدينة المقدسة، أن أهلها يتمسكون بها أكثر كلما تعرضوا لخطرٍ أكبر، فعلى سبيل المثال، يرتاد الأقصى مئات المصلين في الأيام العادية، ولكن المصلين عند الأبواب هم بالآلاف، وفي كل يوم يرتفع العدد عن سابقه.

تنتهي كل ليلة بأعداد من المصابين في المشافي، وآخرون عادوا إلى بيوتهم بـ"علامات ملّونة" من أثر الهروات، وغيرهم ممن وجدت الرصاصات المطاطية طريقها إلى أجسادهم، هؤلاء جميعا يعودون في اليوم التالي، فيجدوا من كانوا معهم أمس، ومنضمين جددا.

الكل موجود هنا، أشخاص توحدوا رغم خلافاتهم السياسية، وآخرون لا علاقة لهم بالسياسة أصلا، حتى أن الشخص البعيد كل البعد عن الدين والوطنية، تجده يتحول إلى إنسان آخر إذا مس الخطر الأقصى، ومن بين المصلين، ستجد ملحدا كان قبل أيام يقول: "أنا لا أؤمن بالله"، واليوم يقف في صفوفهم يبكي بخشوع مرددا "آمين" خلف دعوات الإمام، وقبيل الصلاة، شباب يسألون أهل العلم: "يا شيخ علمني أتوضأ، أنا ما كنت بصلّي".

انتفاض المقدسيين جميعًا يظهر أيضا بإمعان النظر أكثر في أحوال المعتصمين، تجد جارتك المسنة تخدم الموجودين، وذلك الطاعن في السن يتلقى ضربات الهروات ولكنه لا يبرح مكانه، وذاك المدير الذي يعيش حياه رفاه يقبل الإهانة بصدر رحب طالما أنها في سبيل الأقصى.

أماكن الاعتصام لا تفرغ من محبي الأقصى مطلقا، فهم موجودون على مدار الساعة، ولكن بأعداد تختلف من وقتٍ لآخر، فمنهم من يؤدي الصلاة ثم يعود إلى بيته، ومنهم يتخذ من "الكراتين" سريرا يبيت ليلته عليه.

وقت الذروة، من حيث العدد، يكون بين صلاتي المغرب والعشاء، في تلك المسافة الفاصلة بين الفرضين تُلقي بعض الشخصيات كلمات حماسية، وشباب يهتفون بشعارات تشعل النفوس، وذوو الأصوات الندية يرددون أناشيد تتناسب مع الواقع، وهنا لا تستغرب إن وجدت مسيحيا يردد معهم "لبيك إسلام البطولة والفدا.."، وفي كل ذلك رفع للروح المعنوية للمعتصمين، ناهيك عما تحمله حناجرهم من رسائل للمعتدي بأن القدس خطٌ أحمر، خاصة أن المعتصمين ترى أولهم ولا ترى آخرهم.

السمة البارزة

التجمعان الأكبر يكونان عند بابي الأسباط وحطة، لاتساع المكان هناك، أما الأماكن الأخرى فإمكانية التجمع فيها أقل لتداخلها مع المناطق السكنية، وهذه التجمعات تنشأ بشكل عفوي وتلقائي لا بتنظيم من جهة معينة، فمثلا أهل البلدة القديمة، وخاصة كبار السن، يصلّون أمام بيوتهم، بينما يتجه غير سكانها إلى تجمعات أخرى، ولتفرق الأماكن لا تكون الصلاة موحدة، بل في كل تجمع تُقام صلاة.

في وقت صلاتي المغرب والعشاء، يكون الاعتصام أكثر تنظيما، حيث يتواجد مشايخ الأوقاف، ويتم إلقاء الكلمات، وترديد الأناشيد.

في هذه الأيام، تفرَّغ بعض المقدسيين للرباط، ووهبوا له طاقتهم وجهدهم ووقتهم، فهم موجودون في أماكن الاعتصام على الدوام، هؤلاء يبدؤون يومهم بتنظيف المناطق المحيطة بالبوابات، وشطفها بالمياه، ليؤدي المصلون الفجر في مكان نظيف.

التكافل سمةٌ فلسطينيةٌ بارزة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمسرى نبينا؟، بالطبع لا يترك الفلسطيني يد أخيه في هذه الحالة، بيوت البلدة القديمة مفتوحة لمن أراد أي خدمة من أهلها، والمياه وزجاجات العصير يتم توزيعها على المعتصمين عدة مرات في اليوم، وكذلك الطعام، يشتريه الناس من المطاعم أو تعدّه النساء في البيوت، بالإضافة إلى توصيل الكهرباء من البيوت إلى أماكن الاعتصام، واستخدام السيارات الخاصة في نقل المصابين، وكذلك لنقل المعتصمين إلى أماكن الاعتصامات، أي أن كل مقدسي يخدم مدينته بما يستطيع.

"عقلية التناحة"

من المشاهد التي تتكرر مرات عدّة في اليوم، أن يطلب المصلون من الجنود إزالة البوابات الإلكترونية ليدخلوا المسجد، رغم علمهم بأن طلبهم لن يغير في الواقع شيئا، وأن الأمر يحتاج لقرار سياسي، ولكن فعلهم هذا يندرج تحت ما يسميه المقدسيون "عقلية التناحة"، وقد طورتها عندهم الظروف التي يعيشونها، فتجد الواحد منهم يقف أمام الجندي، قائلا: "شيل البوابة، بدي أصلي، ما بينفع تحط بوابة وتفتشني عند باب بيتي"، النتيجة أنهم بحواراتهم هذه "جننوا" عناصر شرطة الاحتلال.

ومما تتميز به الاعتصامات، أنها لا تشبه نفسها من يوم لآخر، ففي كل يوم تختلف بعض التفاصيل، كأن يكون المعتصمون موزعين بين البلدة القديمة وباب الأسباط، وفي اليوم التالي يمنع الاحتلال كل من لا يقيم في البلدة من دخولها، فينضموا إلى المعتصمين عند الأسباط ويصبح التجمع كبيرا وموحدا.

بعض ملامح الحياة تغيّرت في القدس لتتناسب مع واقعها الحالي، فقد ألغى العديد من المقدسيين حفلات زفاف كان موعدها محددا مسبقا، واكتفوا بإقامة أعراس مصغّرة على أضيق نطاق، ولأن الإغلاق حدث بعيد الإعلان عن نتائج الثانوية العامة، فقد ألغت بعض العائلات احتفالات نظّمتها لأجل أبنائها الناجحين.

بين التجمعات، وحولها، ينتشر الصحفيون لنقل الصورة للعالم، فتوصيل الرسالة هو شكل الرباط الذي اتجه نحوه الصحفيون المقدسيون، وأخذوا على عاتقهم تعريف العالم بما يجري.

الخطر لا يزول بالطبع، فالقمع حاضرٌ دون سبب، ودون أي فعل يصدر عن المعتصمين، ما إن تنتهي الصلاة، حتى تظهر وحشية الاحتلال، لكن أهل القدس لا يستسلمون لأي درجة من درجات هذه الوحشية، فبعد هذه الاعتداءات تفرغ الساحات لدقائق فقط، ثم تمتلئ بأهلها من جديد، يعودون إليها بكل قوة وكأنهم لم يتلقوا الضرب والرصاص والمياه العادمة وقنابل الصوت قبل قليل، هؤلاء الذين يعودون وكأن شيئًا لم يكن هم مدنيون بسطاء، ليسوا محاربين.

"أجمل صلاة"، "أكثر خشوع"، "أفضل أيام حياتي".. هذا الجمال يُجمع عليه كل من وطأت قدماه ساحة الاعتصام، رغم كل ما فيه من خوف وتعب، وكأنهم في "دورة تدريبية عملية" على حب الأقصى، لا تتأتى نتائج مماثلة لنتائجها بأي وسيلة أخرى.

تلك الأجواء لا يعيشها المقدسيون وحدهم، فمثلا من فلسطينيي الداخل المحتل من قرر أن يكون بين المرابطين.

هذا "الجمال" يحدث في مركز البلدة القديمة وقرب بابي الأسباط وحطة، وعلى مسافة أبعد قليلًا، حيث الأحياء المقدسية "سلوان" و"رأس العامود"، وغيرهما ثمة وجه آخر للدفاع عن القدس، حيث المواجهات المباشرة مع الاحتلال، هناك يلقي الشباب الحجارة على جنود الاحتلال، فيأتيهم الرد بالرصاص، فيصاب منهم من يُصاب، ويرتقي الشهداء.


​كي لا تتسبب لطفلِك بانتكاسة .. امدح الجهد لا النتيجة

عندما كانت أم عبد الله السوسي تكرر عبارتها "أنت الأفضل بين أقرانك" لطفلها منذ أن كان ابن 4 سنوات، لم تكن تعرف أنها كانت تسهم في زعزعة ثقته بنفسه بشكل غير مباشر! فكلمتها تلك كانت دائماً تأتي رد فعل على كل العلامات التامة التي كان يحصّلها في مدرسته إلى أن جاء ذلك اليوم.

كان حينها "عبود" –كما تفضل أمه أن تناديه- في الصف الثامن، عندما أصيب بوعكة صحية شديدة أثناء فترة الامتحانات النهائية، فلم يبلِ حسناً بالإجابة عن محتواها حتى حصل على علامات منخفضة نسبياً لم ترفعه إلى مستوى "الامتياز" كما جرت العادة.

تقول أمه :"منذ ذلك الحين (حوالي عامين) ومستوى ابني الدراسي ينخفض نحو قاعدة الهرم! بعد أن كان الأول على مدرسته طوال حياته، صار –ورغم دراسته المتمكنة- يشعر بالخوف أمام فكرة الامتحان ويحصّل علامات منخفضة، وهذا ما جعلني أتخذ خطوة سؤال مختص تربوي ونفسي".

المختص الذي لجأت إليه السيدة أخبرها أن السر يكمن في فكرة محاولتها الحثيثة تعزيز ثقة طفلها بنفسه وقدراته منذ أن بدأ وعيه بالتشكل، ذلك من خلال الاستمرار في الحديث عن إمكانياته وذكائه ولو من باب المجاملة والتحفيز، فلا تحصل هنا النتيجة المطلوبة بل على عكسها تماماً.

تحدي المستحيل

وهذا ما أكده مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات في غزة د.درداح الشاعر، الذي قال :"استخدام اللفظ الإيجابي المطلق في وصف منتج الطفل (الأفضل، الأحسن، الأروع، الأشطر) من شأنه دفعه إلى تخطي المستحيل من أجل تثبيت مستواه أو رفعه، وهذا سيتسبب بانتكاسة نفسية له في حال فشل في تحقيق ذلك، ناهيك عن شعوره بالذنب وضعضعة ثقته بنفسه وقدراته نتيجة شعوره بأن من حوله يسخرون منه، أو أنهم غارقون اليوم في الخذلان بسببه"، مشدداً على ضرورة التركيز على أداء الطفل العملي خلال محاولته إنجاز العمل المطلوب منه لا على النتيجة، وهذا هو الأمر الذي سيدفعه فعلاً نحو النجاح لا النتيجة التي يحققها بالأرقام.

حرب "المثالية"

إن أصعب ما يمكن أن يمر به الطفل على صعيده النفسي الباطن، كما يوضح الشاعر، مدح أهله لنتيجته دون الاكتراث إلى حجم المجهود الذي بذله من أجل الحصول عليها، فاكتفاء الأم مثلاً بالقول لطفلها :"أنت ذكي جداً، عندما يتمكن من تركيب لعبة البازل، أو الصور المقطعة، سيدفعه مرة بعد مرة إلى ترك المحاولة، وما يرافقها من تعب، ركوناً إلى أنه لا يحتاج لبذل مجهود من أجل إثبات رأي موجود أصلاً لدى الجميع حول ذكائه وقدراته".

ويضيف د.الشاعر :"إن محاولة الآباء دفع أطفالهم إلى تبني الصورة المثالية التي رسمها أفلاطون في مدينته الفاضلة، تضعهم في حرب نفسية بين ما يجب أن يكونوا عليه وفقاً لمعايير الخطأ والصواب لدى الأهل، وما هو مرتبط بالطبيعة البشرية العادية التي تخطئ كما تصيب".

مرحلة اختبار القدرات

ودون قصد قد ترتكب الأم (أو الأب بطبيعة الحال) خطأ كبيراً بحق الأطفال عندما تتلفظ بكلمات قصدها فيها تشجيعهم على الإنجاز بينما هي في حقيقة الأمر كلمات مثبطة تشعرهم بغبائهم وتكشف عيوبهم بشكل ضبابي.

ويطرح الشاعر مثالاً على ذلك بالقول :"عندما تطلب الأم من طفلها تنظيف المساحة أمام باب البيت، ثم تهرع لمساعدته بقصد التعبير عن حبها له، فإنها تحرمه بذلك من اختبار قدراته، وكأنها تقول له :أنت صغير لن تستطيع فعل ذلك وحدك"، متابعاً :"كذلك الأمر عندما يسألها طفلها عن حل مسألة صعبة فترد عليه بنية تسهيل الأمر عليه وتشجيعه على المحاولة (المعادلة بسيطة للغاية)، هنا يشعر الطفل وكأنها تخبره بـ كم هو غبي، وكم هو لا يستطيع حل حتى هذه المسائل البسيطة، سيتسلل الشعور بالفشل حينها إلى قلبه، ويصبح متردداً أمام فكرة المحاولة".

وينصح د.الشاعر الآباء بترك الفرصة للأطفال كي يجربوا ويرتكبوا الأخطاء ويفشلوا، فإن حدث ذلك تعلموا للمرات القادمة، لكن تجنيبهم فعل الخطأ يقفز بهم من مراحلهم العمرية الطبيعية إلى مراحل أخرى أكبر مبكراً مما سيحرمهم متعة التجربة وشغف المحاولة عندما يكبرون.


على جناح الموهبة تحلّق "تولين" نحو لقب "السفيرة"

كأي أم، وفي ليلة هادئة، دخلت إلى غرفة ابنتها الصغيرة "تولين" (7 سنوات)، قبلتها وهي نائمة، ثم خرجت، وبعد لحظات وجدت الأم "أفنان الشوا" (28 عاما) طفلتها الصغيرة أمامها؛ تعجبت ونظرت إليها مبتسمة "مش كنتِ نايمة!" ببراءة طفولية ردت تولين "كنت عم مثل"، لفت هذا الموقف الشوا لوجود موهبة فطرية لدى طفلتها.

عزز هذا الانتباه، موقف آخر، فذات يوم قرأت الشوا سورة "الفاتحة" ثلاث مرات على مسمع ابنتها وهي لم تتجاوز العامين بعد، كانت في ذلك اليوم عائدة من بيت والدها، حدثت حينها ابنتها "شو رأيك واحنا بنطلع الدرج نقرأ قرآن"، وما أن بدأت الشوا بقراءة "الفاتحة" حتى أكملت ابنتها السورة بنفسها، بكت والدتها لشدة فرحتها واحتضنتها، وتعهدت أن تُحفّظها القرآن، وقد أتمت "تولين" حفظ جزء "عم" وهي في عمر أربعة أعوام.

تولين محمود القطراوي الشاعرة الصغيرة، هي الأولى على فصلها، لديها موهبة في إلقاء الشعر وحفظه، تسعى لإيصال رسالة أطفال غزة للعالم، تتفاعل مع مختلف قضايا الأقصى والأسرى، والحصار، من خلال أشعارها، وتنشر بعض قصائدها على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بمساعدة والدتها، وقد أدهشت بموهبتها بدايةً معلماتها برياض الأطفال ثم معلماتها بالمدرسة، وقبل كل ذلك أدهشت والدتها.

سفيرة صغيرة

"طموحي بأن تصبح تولين أصغر سفيرة، كي توصل للعالم معاناة أطفال غزة وحقهم في العودة" قالتها الشوا في بداية حديثها مع "فلسطين" في صباح يوم هادئ في مدرسة "القاهرة" بمدينة غزة خلال مشاركة الطفلة بمبادرة" شغف وحنين لمدن فلسطين" التي تنفذها المدرسة.

كيف استطعت تنمية قدرات تولين؟ عادت بنا في إجابتها إلى ما قبل أربعة أعوام، حينما كانت تعلم ابنتها حفظ القرآن والشعر معا، وفي عام 2014 خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، نبت الغرس، فقامت الطفلة بإلقاء قصيدة بمستشفى الشفاء، تناقلتها حينها وسائل الإعلام الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي.

تولين، طفلة طموحة تسعى لإيصال رسالة، مفادها أن في القطاع مواهب تحتاج لتنمية وتطوير، تحفظ حاليا خمسة أجزاء من القرآن، تحب التمثيل، وموهوبة بإلقاء الشعر، لاجئة من قرية "قطرة" تعرف عن مدينتها، كما تذكر والدتها، معلومات كثيرة.

لا تغيب أهمية دور الأم في تنمية قدرات طفلها من حديث الشوا، إذ إن الأم إن لم تحرص على غرس قيم تعاليم الدين الإسلامي، فإن الطفل سيفقد أشياء كثيرة، ودور الأم يتركز في تكوين فكرة عميقة لدى الأطفال عن دينهم، وفقا للشوا، موضحة: "أجلس يوميا نحو ثلاث ساعات مع ابنتي، لتحفظ سورة من القرآن، مع معاني مفرداتها، بالإضافة إلى أنها تتابع الحفظ في دار القرآن الكريم والسنة".

بالتسجيل والترديد

"اجتهدت مع تولين كثيرا، حيث أسجل الشعر بصوتي، وتردده نحو خمس مرات، ومن ثم استمع إليها، وهكذا هي الطريقة في حفظ القرآن، حيث قمت بتحميل برنامج صوتي لتلاوة القرآن تستمع إليه تولين شرط أن يكون نظرها على الكتاب الورقي"، الحديث هنا للأم عن أسلوبها في تطوير موهبة ابنتها.

وفي غمرة هدوء الصباح، تفتح الشوا شرفة الذكريات: "كنت أكتب الشعر وألقيه دائما في المناسبات المتعلقة بالأسرى أو عبر موجات الإذاعات، حتى يسمعه أبي عندما كان أسيرا في سجون الاحتلال".

عبرت الشوا عن رغبتها في ان تخط ابنتها ذات الطريق، لذا فهي تعلمها كيف تطور نفسها: "أتحدث معها كثيرا حول كيفية تطوير أسلوبها بالرد والتواصل مع الآخرين، وامنعها من مشاهدة مقاطع الفيديو على موقع "يوتيوب" كما يفعل بعض الأهالي لأني أراه غير هادف، وأسمح لها بمشاهدة أشياء مفيدة عبر التلفاز، وبوقت محدد".

"كل شيء في تولين جميل، تحرص على إرضائي إذا كنت قد أخدت موقفا منها، فهي تحب أن تراني سعيدة" هكذا تثني على ابنتها، لافتة إلى أن معلماتها يرددن دوما: "يا ريت كل البنات مثل تولين".

وتشارك هذه الطفلة الموهوبة في إلقاء الشعر بمهرجانات ومناسبات مختلفة وفي الإذاعة المدرسية، فازت بالمرتبة الأولى في حفظ سور من القرآن الكريم، وشاركت بمسابقة تحدي القراءة، إذ لخصت 50 قصة في المسابقة التي نظمتها وزارة التربية والتعليم، وتخطط لإتمام حفظ القرآن كاملا وهي في الصف "الخامس" الابتدائي.

ولا تنسى الشوا توجيه رسالة للأمهات، قائلة: "يجب استثمار الطفل منذ صغره، لأنه لن يكون قد دخل غمار الحياة لكي ينشغل بها، فما تزرعيه من قيم وأساليب تربية ومعرفة وثقافة ستحصدي ثمرته لاحقا"، لافتة إلى أن حفظ تولين للقرآن زاد ذكاءها وتفوقها، وترتيبها الحالي هو الأول على الفصل.


هكذا يبدو الوجه القبيح لأزمة الكهرباء في سوق الزاوية..

في أحد محلات الجزارة بسوق الزاوية شرق مدينة غزة، يسارع الحاج أبو محمد الدمياطي، إلى وضع اللحم الفاسد الذي تلف بفعل فصل التيار الكهربائي عن المنطقة منذ ما يقرب العشرين ساعة، في أكياسٍ سميكة، يرسلها مع طفله إلى أقرب حاوية، ويجلس أمام باب محله واضعًا يده على خده ريثما يبتلع صدمة تلك الخسارة الصباحية اليومية.

يلتفت إلى جاره متذمراً من المبلغ اليومي الذي يدفعه اشتراكاً في أحد المولدات الضخمة القريبة، والذي يزيد عن 30 شيكلاً يومياً، يحرك رأسه يميناً ويساراً وهو يردد "لا حول ولا قوة إلا بالله.. الفرج من عندك يا رب".

الدمياطي وعلى مدار سبعة أيامٍ مضت، أتلف من ثلاجته لحوماً بمبلغٍ تجاوز 400 شيكل، بينما يشتكي من عدم إقبال الناس اليوم على شراء اللحوم، نتيجة الصورة التي كونها انقطاع الكهرباء لديهم بأن اللحم المجمد الذي يباع في الأسواق معظمه فاسد.

انهيار وتراجع

إحدى الزبون، برفقة طفلها، حضرت لتشتري من محله الذي يحاول أن يبقيه قيد التشغيل على مدار اليوم حتى التاسعة مساءً، متنقلاً بين خطوط كهرباء البلدية، وكهرباء مولده الخاص الذي ينفق على البنزين المطلوب لتشغيله مبلغ 120 شيقلا أسبوعياً، والتيار الكهربائي الخاص بالمولد الذي يشترك فيه.

الزبون طلبت منه لحماً بمبلغ عشرة شواقل، فلما أحضره لها بدأت تتفحصه، وتشم رائحته حتى تتأكد من جودته وصلاحيته، حتى إذا تأكدت من ذلك أخذته وغادرت، وتركت الرجل يضرب أخماسه بأسداسه وهو الذي لم يشك أحد ببضاعته يوماً منذ أكثر من 40 عاماً، هي عمر محله.

"كفاية اليوم"

المعاناة ذاتها يعايشها الجزار أبو خضر الجرجاوي في نفس شارع السوق، حيث أتلف الشهر الماضي، فقط، ما قيمته 2000 شيقل من اللحوم على فتراتٍ متقطعة!

ويقول لـ"فلسطين": "انخفضت نسبة مشتريات المواطنين من اللحوم إلى أكثر من 90%، حيث يخشى الناس زيادة الكمية فتتلف في ثلاجاتهم"، مبيناً أن بعض المتسوقين يزورونه يومياً لشراء مستلزماتهم من اللحوم، ولو كانت الكمية أوقية واحدة، ذلك تفادياً لفساد الطعام في بيوتهم.

أحد المتسوقين ويدعى "أحمد ماضي"، كان يبدو عليه الإرهاق وهو يحاول انتقاء بعض حبات الطماطم من على إحدى البسطات في نهاية السوق، يقول لـ"فلسطين" :"انقطاع التيار أثر على أصغر تفاصيل الحياة في بيتي، إن بات الطعام في الثلاجة يوماً واحداً فمصيره حاوية القمامة، وهذا يعني عبئاً إضافياً على رب الأسرة الذي عليه أن يقصد السوق يومياً لشراء احتياجات أهله من الطعام والشراب بما يكفي اليوم فقط ولا يزيد".

ويضيف :"طبعاً، هناك توابع أخرى لقضية فصل التيار، على رأسها أنني مضطر دائماً، وحفاظاً على صحة أسرتي إلى شراء اللحم الطازج، والدجاج الذي يذبحه الرجل أمام عيني، والابتعاد عن شراء المجمدات من اللحوم، التي قد تكون فسدت في ثلاجات الباعة بفعل هذه الأزمة"، في إشارة منه إلى ارتفاع أسعار اللحوم الطازجة بالمقارنة مع المجمدة.

توافقه الرأي متسوقة أخرى اسمها "أميرة ياسين"، التي هبت بصوتها قهراً، وهي تحاول شرح معاناتها كربة بيت في ظل انقطاع التيار الكهربائي، متسائلةً: "من يتخيل أن مثل هذا يحدث عام 2017؟ أن تستيقظ الأم من نومها بعد منتصف الليل تماشياً مع الكهرباء وتمضي الأربع ساعات التي تمن علينا بها الشركة في إنجاز مهامها المنزلية!، الغسيل والكي وتنظيف الأرضيات وتسخين المياه".

وعن اللحوم تقول: "خلال الشهرين الماضيين، أتلفت كميات كبيرة من الطعام، تحديداً اللحوم، وصار عندي وسواس من أي نكهة غريبة أتذوقها في الطعام، فألقيه فوراً في سلة المهملات، خشية أن يصيب الضرر عائلتي".

وتلفت إلى أن يومها يشهد خلافات كثيرة مع أبنائها من أجل إغلاق باب الثلاجة وعدم فتحه نهائياً حتى تحتفظ ببعض البرودة لبعض الوقت بعد انقطاع الكهرباء.

ويعاني القطاع المحاصر إسرائيليا منذ قرابة العشر سنوات، من أزمة كهرباء حادة، بعدما دمرت طائرات الاحتلال الحربية محطة الكهرباء الوحيدة في غزة، صيف 2006، قبل أن تستهدفها مجددا في حرب صيف 2014، وبعد عدة أشهر عادت المحطة للعمل جزئيا وسط أزمات متعددة تؤثر على جدول التوزيع اليومي.