أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
أجندة الأحداث

اليوم/ ١٨‏/١‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​الاحتفاظ بالأشياء القديمة سلوكٌ شائع أسبابه غير واضحة

يكاد لا يخلو بيتٌ من مكان مخصص لأشياء لا قيمة لها، وليس فيها ما يُرجّح استخدامه مستقبلًا، كأدوات منزلية قديمة، أو أجهزة كهربائية معطلة، أو تحف لم يُزيّن بها البيت منذ سنوات، وحتى بقايا بعض الأشياء التي تم التخلص منها، كمسمار أو سلك كهربائي، وإضافة إلى هذا المكان، قد يكون في البيت أماكن أخرى تخص كل فرد على حدة، فهناك من يحتفظ بأشياء قديمة لكونها مرتبطة بذكرى معينة بالنسبة له، وهناك من يفعل ذلك بلا سبب واضح، سوى تفكيره بأنه قد يحتاجها مستقبلًا.

عشرات السنوات

تقول "نهى شعبان" (27 عامًا): "لدي علبة كبيرة نوعا ما أضع فيها أشياء لا أستخدمها مطلقا، أعرف في قرارة نفسي أنني لا أحتاجها، لا اليوم ولا في أي وقت قادم، ومع ذلك فإنني كلما هممت بالتخلص منها أتساءل: (ماذا لو احتجتها؟!)".

وتضيف لـ"فلسطين": "تختلف محتويات هذه العلبة، ففيها قِطع من الملابس القديمة، وبعض (الإكسسوارات) التي فقدت لونها ولم أعد أرتديها، وتحف ودمى كنت أزين بها غرفتي في وقت سابق".

وتتابع: "في السنوات الأخيرة لاحظت أن هذه العادة قد تراجعت عندي، وأصبحت أتخلص من الكثير من الأشياء، ولكنها لم تَزُل تمامًا، ولا أجد تفسيرًا لما أفعله"، لافتة إلى أن البعض يعتبر هذا التصرف دليلًا على البخل والأنانية، بينما هي تتصف بالكرم، والكل يعرف عنها ذلك، وفق حديثها.

الاحتفاظ بالأشياء القديمة هو سلوك تمارسه أحيانًا "أمينة أبو عطا"، ولكنها تفعل ذلك في الأشياء المرتبطة بذكريات معينة فقط، وتتخلص مما لا قيمة معنوية له.

وتوضح: "كل ما يمثل لي ذكرى أحتفظ به، سواء كانت الذكرى جيدة أو مؤلمة، فمثلًا لدي بعض الدمى التي كنت ألعب بها في طفولتي، وساعة يد أهدتني إياها صديقتي المتوفاة".

"رامي عطا" يقول إنه يرى أشياء قديمة في بيته منذ طفولته، ولكنه لم يرها تُستخدم ولو لمرة واحدة، فوالدته اعتادت أن تحتفظ بالكثير من الأشياء التي لم تعد ذات قيمة.

ويضيف: "أغلب هذه الأشياء هي أدوات منزلية تستخدم في الطهو، ففي مطبخ البيت خزانة كاملة يملأ الغبار ما بداخلها، لأنها تكاد تكون لا تُفتَح، فيها آلات مثل الخلاط الذي لا يعمل منذ سنوات، وغيره من الأشياء التي عمرها عشرات السنوات".

ويتابع: "عمري ثلاثون عاما، ولكن بعض هذه الأشياء أكبر مني عمرا، وموجودة في البيت قبل أن أُولد، وكلما سألت أمي عن السبب تردّ بأنها ربما تحتاج شيئا منها في أي وقت، وأنه لا غنى عنها، وتؤكد في كل مرة أنها ستصلح الأشياء المتعطلة لتستخدمها من جديد".

ذكريات أو اضطرابات

وتقول الأخصائية النفسية نيفين الفراحتة: إن التعلق بالأشياء القديمة له عدة أسباب، منها ما يتعلق بالذكريات، أو ما يرجع إلى أسباب نفسية ذات علاقة بطبيعة شخصية الفرد.

وتضيف لـ"فلسطين": "ارتباط شيء ما بذكرى معينة، سواء مفرحة أو محزنة، يدفع الإنسان في كثير من الأحيان إلى الحفاظ على هذا الشيء حتى وإن فقد قيمته المادية، إذ إن قيمته المعنوية ما تزال قائمة، فهو بالنسبة له يدل على موقف عايشه ولن يتكرر، أو يذكره بأشخاص فقدهم بسبب موت أو غربة، وغالبًا ما يحرص الناس على الاحتفاظ بما يذكرهم بالأحداث المؤلمة التي مروا بها لشعورهم بأنهم يجب أن لا ينسوها".

وتتابع: "أما إذا لم يكن للشيء الذي يحتفظ به الفرد قيمة مادية ولا معنوية، فربما يدل ذلك على أنه يتصف بحب التملك والأنانية، فهو يريد بقاء الشيء ملكًا له حتى لو فقد قيمته، بالإضافة إلى أنه إلى غالبًا ما يكون قد تربى على التملك بلا تنازل"، لافتة إلى أن الفرق كبير بين الحالتين.

وترى الفراحتة أن الاحتفاظ بالشيء بلا سبب قد يدل على خلل في الشخصية، ولا بد من الانتباه لمشكلة الأنانية وحب الذات، وعلاجها بإجبار النفس على التنازل عن بعض الأشياء، خاصة تلك التي يمكن أن يستفيد منها الآخرون.

وأكبر من ذلك، فإن "الاحتفاظ بالخردة القهري" هو من أعراض مرض "الوسواس القهري"، والذي لم يجد له العلماء تفسيرًا، ولكن بعضهم يرجح أن يكون هذا الأمر ناتجًا عن "الكفاح المستمر للوصول إلى الكمال والسيطرة على البيئة"، وبحسب المختصين فإنه من الصعب أن يغير هؤلاء المرضى سلوكهم مهما حاول الآخرون إقناعهم، وكذلك فإن "اضطراب الاكتناز القهري" هو من الاضطرابات النفسية النادرة، والتي يمارسها المريض لشعوره بالأمان النفسي عندما يحتفظ بكل شيء معتقدًا أنه سيستفيد منه مستقبلًا.


هل تفقد شهيتك الاجتماعية وتفضل الانعزال؟

أن يفقد الإنسان شهيته عن الطعام والشراب أيامًا فذلك أمرٌ وارد، لكن ماذا عن فقدان الشخص شهيته الاجتماعية، وظهور عليه أعراض الانطوائية والعزلة والبعد عن الاختلاط بالمجتمع والتفاعل مع أفراده، وتفضيل الوحدة على الجماعة؟

فقدان الشهية الاجتماعية يصاب به الإنسان لأسبابٍ عدة، منها ما يعود إلى جذور التنشئة في الطفولة، وإما بسبب تجارب سلبية أو صدماتٍ تلقاها في حياته، وأخيرًا أصبح إدمان التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي يدعو المرء للتواصل من وراء الشاشة ويفضل الانعزال.

طفولتي

"دالية" آخر العنقود لأسرةٍ عدد أفرادها (10)، أخواتها اللاتي يكبرنها كل واحدة كانت تدلو بدلوها في تربيتها، ومن الخوف الزائد عليها كان من غير المسموح لها باللعب خارج البيت، فتمضي يومها بين ألعابها ودلال أخواتها.

تحدثت "دالية" إلى "فلسطين": "كبرت معي وحدتي حتى درست في المدرسة والجامعة، كنت خجولةً جدًّا، ولم أكون صداقات، حتى إنه لم يسمح والدي لي بزيارة أي صديقة، وهذا الأمر سبب لي صعوبة في التواصل مع زميلاتي، وخجلًا في تبادل الحديث معهن".

وتابعت: "حتى في حياتي العادية غالبًا ما أفضل البقاء في البيت بعد انتهاء دوامي، ولا أحب الزيارات الاجتماعية أو المشاركة في المناسبات أو استقبال أي ضيوفٍ في البيت، وأحب الوحدة والعزلة عن الجميع، وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي و(الإنترنت) دون أن أمِلَّ".

تجارب سلبية

أما عزة الهندي فعبرت عن رأيها في أن فقدان الشهية الاجتماعية يصيب الفرد بسبب تجاربه السلبية وصدمته ببعض الناس، لذا يفضل عدم التعامل مع الناس أو الحذر الشديد منهم، وهذا يجعله متقوقعًا حول نفسه ويرفض الاختلاط.

وأضافت الهندي لـ"فلسطين": "مررت بهذه الحالة التي جعلتني أفضل البقاء مع نفسي طوال الوقت، حتى أريح نفسي من مشاكل أخرى وصدمات أخرى، وكنت أشعر بالراحة، ولكن هذا الأمر جعل خبراتي في الحياة قليلة، وأصابني بالجهل في فهم نفسياتهم ومعادنهم، ولذا قررتُ الخروج من العزلة، والانتقائية في اختيار صديقاتي والمقربين مني".

وفي السياق نفسه بين الاختصاصي النفسي زهير ملاخة أن فقدان الشهية الاجتماعية هي ضعفٌ في التواصل الاجتماعي من الفرد تجاه الآخرين، ويعود ذلك إلى أسباب تنشئة الفرد، وهناك أسبابٌ لها علاقة بالخبرات السلبية: الصحبة السيئة مثلًا، أو تلقي صدمةٍ ما.

وذكر ملاخة لـ"فلسطين" أن عدم التفاعل الإيجابي بين الشخص والمجتمع يجعله ينطوي على نفسه ويفقد الشهية في العلاقات والتفاعل الاجتماعي، وأن الوضع الأسري والاقتصادي أيضًا يؤثر في درجة التفاعل، وبعض الإعاقات الجسدية تحد من الدافع نحو التواصل الاجتماعي.

وأشار إلى أن إصابة بعض الأفراد بآفاتٍ من قبيل الإدمان التكنولوجي، ومواقع التواصل الاجتماعي تدريجًا تعوده الانطواء على الذات، إذ تكون علاقته بالآخرين افتراضية من وراء الشاشة، وهذا يعزز التمركز حول الذات وخلق فجوة مع المجتمع الحقيقي.

وذكر ملاخة أن أعراض فقدان الشهية الاجتماعية أخطرها فقدان الإنسان أصالته الاجتماعية، والانحراف عن الفطرة الإنسانية، ليضحى الاهتمام بذاته غالبًا على تفكيره، وينعدم تقريبًا أثره في المجتمع، فضلًا عن الاغتراب عن نفسه، وفقدان الإبداع والنشاط، والمرور بمزيد من الصدمات والمشاكل النفسية، فيصاب بالاكتئاب، وبعض الأمراض الجسدية.

ولفت إلى أنه في بعض الحالات _خاصة عند الأطفال_ من الممكن أن يكون الهوس بالتكنولوجيا وإدمانها مدخلًا لبعض الاضطرابات النفسية في الشخصية.

وفيما يتعلق بالحل الأمثل لتجاوز فقدان الشهية الاجتماعية نصح ملاخة باستبصار الشخص دوره في هذه الحياة، فلا ينعزل مع كتاب أو شاشة الجوال، فقيمته تتمثل بوجوده داخل الجماعة، وإنجازاته وأثره ومشاركته في تطوير وبناء هذه الحياة، ولابد أن يتعود التفكير الإيجابي والتفاعل، والاحتكاك بالإيجابين الذين يكونون مصدرًا للأمل والمثابرة، والاستعانة بالآخرين، وتعود العمل الجماعي.


​الضرب المؤذي جسديًّا عواقبه ليست هيِّنة

العواقب النفسية للضرب كثيرة، ولكن ماذا إن كان الضرب مؤذيًا جسديًّا وتسبب للطفل بجروح أو كسور أو حروق؟، ما آثاره؟ وهل يكون تجاوزه سهلًا؟، وما الذي يدفع أبًا أو أمًّا إلى استخدام هذا العنف بحق فلذة الكبد؟

لماذا أنا؟

الأربعينية "رجاء محمد" ذاقت في طفولتها مرارة التعذيب بالسجائر، فكان والدها يضربها بشدة، إذا ما غضب منها لأي سبب، مهما كان تافهًا، وكان إذا ما تصادف غضبه وتدخينه للسجائر فإنه يحرقها بها.

تقول: "ألفتُ الضرب الشديد إلى حد البلادة، أحيانًا لم أكن أبكي، وإن كان الضرب مؤلمًا، ولكن السجائر كانت تمثل لي شبحًا، لأنني كنت طفلة أخاف النيران، فكيف إذا كنت أحرق بها؟!".

تضيف: "كنت أتألم من الحرق، وأتأذى جسديًّا ونفسيًّا، إضافة إلى الآثار التي تتركها السجائر على جسدي، وكنت أذوب خجلًا عندما يلحظها الآخرون"، متابعة: "لم يكن والدي يُعنّف إخوتي بالطريقة نفسها، ولطالما بحثت عن سبب مقنع لما يفعله معي، ولكني لم أجد تفسيرًا حتى الآن".

وتكمل: "حاليًّا أفعل كل ما بوسعي لأكون بارة بأبي، وأقاربي الذين يعرفون ما مررت به في طفولتي يستغربون علاقتي به، ولا أخفي أنني أيضًا أستغرب في بعض الأحيان، ولكن أيًّا كان شكل معاملتي له؛ فذاكرتي لا تزال تحمل الكثير من المشاهد المؤلمة".

وقعت عن الدرج

وتتحدث "رنا صافي" عن ردّ فعل ابنتها ذات السنوات التسع عندما ضربها والدها بعلبة خشبية على وجهها، إذ كانت الطفلة حريصة على إخفاء هذه الحقيقة، وكذلك كان الأب.

تقول: "ضربت ابنتي أخاها الأصغر منها، فما كان من زوجي إلا أن ألقى عليها علبة خشبية مخصصة للمحارم الورقية، فأصابت العلبة وجهها مباشرة، وأدت إلى تورّم خدّها، وأصبح لونه أزرق، واضحًا جدًّا".

وتضيف: "كانت صدمة الطفلة كبيرة من رد فعل والدها، لكن كان الأسوأ لديها هو خوفها من سؤال أقرانها من الأقارب، وزميلاتها في المدرسة عن السبب، فهي لا تريد أن تخبر أحدًا أن والدها ضربها بهذه القسوة، ولذا كانت تجيب كل من يسأل بأنها وقعت عن الدرج".

تبكي يوميًّا

وتتذكر "إلهام الشوبكي" في حديثها لـ"فلسطين" زميلة لها في الصف الثالث الابتدائي، وعنها تقول: "كانت لي زميلة جميلة جدًّا، ولكن وجهها ذو البشرة البيضاء كان ملطخًا بالأزرق والأحمر دومًا على هيئة تورمات صغيرة، إضافة إلى أنها كانت تبكي يوميًّا".

وتضيف: "بعد مدة من بداية العام الدراسي عرفنا أن تعاني من ضرب والدها لها باستمرار، وبقدر كبير من العنف، وأنها تبكي لهذا السبب"، متابعة: "لا أعرف ماذا حلّ بهذه الزميلة حاليًّا، ولكن لا أنسى منظرها مطلقًا، فقد كنت أنا وباقي الزميلات في الفصل نتألم لأجلها، وكثيرًا ما أتساءل عن علاقتها بوالدها".

تكرار الخطأ

من جانبه يقول الاختصاصي النفسي والتربوي الدكتور إياد الشوربجي: "اتباع الأساليب الخطأ في التعامل مع الأبناء _ومنها العنف_ ناتجٌ عن جهل الآباء والأمهات بالطرق التربوية الصحيحة، ما يجعلهم يلجؤون إلى الضرب المؤذي بكل آثاره الخطيرة على الابن في الحاضر والمستقبل، ومنهم من يظن أن القسوة تصنع شخصيات قوية يتمتع بها الأبناء عندما يكبرون".

ويضيف لـ"فلسطين": "إضافة إلى الجهل هناك أسباب نفسية ناتجة عن التربية التي تلقاها هؤلاء الآباء والأمهات، فقد يكونون ذاقوا الشكل نفسه من العنف في طفولتهم، وعندما كبروا كرروا الخطأ نفسه لا إراديًّا، ونتيجة طبيعية لما مرّوا به".

ويبين أن الأصل أن يكون الأبوان مصدر الحنان والمحبة والبيئة الآمنة للطفل، وإن وجد منهما عكس ذلك؛ فالأضرار النفسية ستكون كبيرة، ومنها عدم الإحساس بالأمان والاستقرار، والشعور بأنه منبوذٌ من الوالدين، وربما يصبح عدوانيًّا وشرسًا تجاه الآخرين، أو يحدث العكس فيكون ذا شخصيةٍ ضعيفة ومهزوزة، ما يجعله يميل إلى العزلة والانسحاب.

ويتابع الشوربجي: "عندما يكبر هذا الابن قد يصبح مؤذيًا للآخرين، ويتعامل معهم بأساليب غير صحيحة، وخاصة مع أبنائه، إذ سيكرر خطأ والديه على الأغلب، وهذا لأن السنوات الأولى تُبنى فيها شخصية الطفل".

ويلفت إلى أن الضرب الذي تبقى آثاره الجسدية ظاهرة مدة طويلة يصعب نسيانه، فكلما رأى الفرد العلامة التي تركها العنف الوالدي على بدنه تذكر كل المصاعب التي مرّ بها، وبذلك يبقى يعاني باستمرار.

ويشير إلى أن الآثار التي يتركها الضرب المؤذي بدنيًّا تجعل الطفل يعاني طوال مدة بقائها على جسده، إذ يخشى أن يعرف الناس ما حلّ به، ويخجل من ذلك لأنه في نظره نقيصة بحقه.

وبحسب حديث الشوربجي قد يحمل الابن الانتقام تجاه والديه عندما يكبر، ولكن هذا لا يحدث دائمًا، معقبًا: "مهما كان الابن جيدًا في التعامل مع الأهل الذين عاملوه بقسوة؛ فإن الضرب يبقى مدفونًا في ذاكرته ولا يُمحى".

ويقول: "العواقب النفسية لهذا الشكل من العنف تختلف حسب شخصية الطفل ومدى حساسيته للإهانة، إضافة إلى عدد مرات تعريضه للعنف؛ فمن يتلقى الضرب المؤذي جسديًّا مرة واحدة ليس كمن يقضي طفولته في ظل هذه القسوة".

ويضيف: "إذا أدرك الأبوان خطأهما والابن لا يزال في مرحلة الطفولة؛ فالعلاج سهل، وترميم الشخصية ممكن بالتوقف عن العنف، واتباع بدائل تربوية مناسبة، واللجوء إلى الحوار والتفاهم، وإعطاء الابن جرعات مكثفة من الحب والحنان".

ويتابع: "أما بعد أن يكبر الابن يصبح الأمر أكثر صعوبة، إذ لابد من احترامه والاعتذار إليه عمّا سبق من عنف، وتأكيد له أن هذا الخطأ كان من باب الحرص وليس بهدف الإيذاء".


ريشةٌ وخيطٌ وإبرة.. جمعت هوايات "هبة الزغلول"

بعد أن أدمى الوجع قلوب أهلها الفلسطينيين بفعل ممارسات الاحتلال الذي يضرب بكل القوانين الدولية عرض الحائط، أرادت أن يكون لها طريقتها الخاصة في تحويل ألم شعبها ووجعه إلى شعاع أمل يتسلل إلى قلوبهم ويثبت لهم أن الأمل متجذرٌ وباقٍ، فنحن شعب يحب الحياة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ومن هنا صاغت رسالة لذلك الغاصب الذي يتفانى في إثقال كاهل الفلسطينيين بالمعاناة بشتى صورها من خلال فكرة جديدة، بحيث تصوّر، من خلال رسوماتها، شباب انتفاضة القدس كأبطال خارقين، مستفيدة من الصور التي يلتقطها المصورون الصحفيون الذين يعملون في الميدان، فهي تتعامل مع هذه الصور كمادة خام لأفكارها.

الفلسطينية هبة الزغلول (29 عامًا) من بلدة "ترمسعيا" شمالي رام الله، مُغتربة تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثماني سنوات، ورغم بعدها عن وطنها، إلا أن ريشتها تداعب حبها له، كانت قد درست التصميم في كلية فلسطين التقنية، وحاليا تحلم أن تكمل مشوارها في مجال تصميم الأزياء.

شرارة الفن

لم تكن انتفاضة القدس هي بداية انطلاقة مسيرتها الفنية، بل سبق ذلك رسوماتها التضامنية أثناء العدوان الأخير على قطاع غزة، والتي كانت بمثابة شرارة لموهبتها في الرسم والتصميم للدفاع عن غزة، ومع بداية الهبة الجماهيرية في الضفة الغربية بدأت بتحويل صور بعض شباب الانتفاضة المشاركين في المواجهات مع الاحتلال إلى رسومات كرتونية وخيالية مثل "سبايدر مان" و "سوبر مان"، وتوسعت في تصميماتها بمزيد من الأفكار، فرسمت لوحة لفتاة ألبستها الزي التراثي تحمل العلم الفلسطيني وتشارك في المواجهات، وهي تفعل ذلك بالرسم على اللوحات، وبتصميم الصور باستخدام الحاسوب.

وتقول في حوار مع "فلسطين": "في بعض الأحيان يحدث تشابه كبير بين الحقيقة والخيال، وذلك في عدة نقاط منها القوة والحركات والعزيمة وإرادة الشاب الفلسطيني".

وتستقي الزغلول أفكار لوحاتها من الأحداث اليومية في وطنها، من خلال متابعتها للنشرات الإخبارية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وبذلك تتمكن من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بطريقتها الخاصة رغم أنها مغتربة، وبمقاومتها تستطيع أن تفرغ طاقة الحزن التي تتولد نتيجة الجرائم المتكررة من قبل الاحتلال، كما أنها تركز في رسوماتها على زراعة الصمود والتحدي، وإضافة لمسة أمل.

بدأت الفنانة الفلسطينية بالرسم منذ نعومة أظافرها، فهي موهبة موروثة من والدتها التي اهتمت بتعليمها الرسم والتصميم في طفولتها، فكانت عينها ناقدة لحركة يد والدتها وطريقة سيرها على اللوحة، أما جدتها التي تمتلك ماكينة خياطة فقد وفرت لها أرضية للإبداع في مجال تصميم الأزياء، وخاصة أنها كانت تحظى باهتمام وتشجيع كل من حولها، سواء في البيت من أسرتها، أو في المدرسة من معلماتها ومديرتها التي كانت تحتم عليها المشاركة في المسابقات المدرسية، وقد كانت تحتل أعلى المراتب فيها.

سابقًا، كانت تهوى الرسم على الغيوم العشوائية بعد أن تلتقط صورا لها، وبعدها أصبحت ترسم صورا لدخان القنابل والصواريخ التي تخلف دمارًا هائلًا، خاصة في الحرب الأخيرة عام 2014، ومن هنا أصبح فنّها يخرج من الواقع اليومي التي تعايشه في السلم والحرب، وفي كلتا الحالتين يرتفع منسوب الشغف لديها.

وتبين الزغلول: "هذه الرسومات والتصميمات توثق مدى الإجرام الصهيوني، والدمار والألم اللذين يلحقان بأهل غزة، إذ أرادت أن تحمل اللوحات الدخانية رسائل بهذه المعاناة، فمن الصعب أن أرى حجم الدمار ولا أستطيع أن أحرك ساكنًا، هذا إلى جانب أنه من واجبي إظهار أن الأمل وحب الحياة موجودان لدى الشعب الفلسطيني، وأنه قادر على المقاومة والصبر والصمود".

لإبراز الهوية

أما توجهها لتصميم الأزياء، فهو بسبب محاولاتها المستمرة لإبراز شخصيتها من خلال ملابسها وأزيائها، إذ توضح: "أصمم ملابسي الخاصة في المناسبات مع الحرص على أن تكون مناسبة للواقع والبيئة والتطور الذي نجاريه في هذا الزمن، وعندما بدأت بدراسة التصميم الجرافيكي، وممارسة تصميم الأزياء أدركت أن الكثير من أعمالي استلهمتها من التراث، وحاولت إبراز الهوية الفلسطينية في أغلب أعمالي، سواء من ناحية الرسم، أو الأزياء، واعتقد أن ذلك أسس طريقي إلى عالم الأزياء".

جمعت الزغلول في تصاميمها بين العصرية والتراث، كما أن أغلبها غني بالتطريز الفلسطيني، وأساليب الحياكة العصرية.

وتقول: "بدايتي كانت عندما وجدت إقبالاً على طلب تصاميمي وبيعها، وطلب الكثيرين لها على الرغم من عدم وجود مصنع، فلدي فقط بعض من العاملات".

وتضيف: "لا أميل للتقليد أبدًا، فأنا اتبع حدسي دائمًا، أصف تصاميمي بثلاث كلمات، أنيقة ومتجددة، ومتميزة، وأنشرها على حسابي على موقع تبادل الصور (انستجرام) لتصل إلى أكبر عدد ممكن، وأحلم بأن أصمم شيئا لملكة الأردن رانيا العبدالله، لأنها واحدة من أيقونات الموضة المفضلة بالنسبة لي".

صممت الزغلول بعض القطع البسيطة، وتفضل السير على خط واحد في التصميم، فلا تريد التشتت، ولكن المهم أنها استطاعت أن تجمع بين هواياتها في الفن والتصميم، وترى أن كلاهما طريق واحد ولكنه متشعب، كما أن كلا منهما يكمل الآخر، فينقل معاناة أو يحمل رسالة أو يؤكد أحقية الشعب الفلسطيني بتراثه.