​هَدْم المقدسيين لبيوتهم بأيديهم قمة الإذلال

راسم عبيدات
الأحد ٠٣ ٠٣ / ٢٠١٩

كل يوم يبتكر الاحتلال وبلديته وداخليته أسلوباً جديداً للتنكيل بالمقدسيين ومصادرة حقوقهم في السكن والتعليم والبناء وملاحقتهم في تفاصيل حياتهم اليومية وكأن الشغل الشاغل لبلدية الاحتلال وداخليتها، فقط ابتداع الأشكال والأساليب المتطورة للتنكيل بهم، وغالباً ما يتم الإعلان عن ميزانيات ضخمة للبنية التحتية وتحسين الخدمات في القسم الشرقي من المدينة من قبل بلدية الاحتلال، والتي يجبر سكانها على دفع الضرائب للاحتلال وفي المقدمة منها ضريبة المسقفات "الأرنونا"، حيث يدفع المقدسيون ما مجموعه من 28 -30% من قيمة الضرائب التي تجبى من سكان القدس، ويتلقون خدمات لا تزيد عن 6 -8%، وبقية أموالهم المسطى عليها تذهب لـ"تسمين" الاستيطان وتحسين البنية التحتية والخدماتية في القسم الغربي من المدينة. وتبقى الميزانيات الضخمة المعلن عنها مجرد أنشطة إعلامية وعلاقات عامة، حيث الشوارع ليس فقط مهملة وبدون أرصفة وإشارات مرور وخطوط مشاة وأعمدة إنارة، بل يتعدى ذلك إلى أنه لا يجري لها أي شكل من أشكال الصيانة، وأزمات المرور لا يجري التفكير بأي حل لها، لم يبن أي جسر ولم يفتتح شارع جديد أو يضاف مسارب جديدة للشوارع تقلل من هذه الأزمات، بل على سبيل المثال من منطقة دوار رأس العامود تزداد الأزمة بشكل كبير جداً، حيث أصبحت كل المنطقة الممتدة من باب الأسباط وحتى الدوار مصفاً لباصات السياحة القادمة الى كنيسة الجسمانية، وبما يضيق من سعة الشارع الضيق أصلاً.

معظم البلدات الفلسطينية المقدسية بدون مخططات بناء وأغلب أراضيها مصنفة خضراء أو مفتوحة أو خدمات عامة، والحصول على تراخيص البناء معقد جداً وكل يوم يضاف له شروط وتعقيدات جديدة وتكاليف جديدة، وعندما يضطر المقدسي للبناء غير المرخص بسبب هذه التعقيدات، إذا لم يصدر أمر إداري بحقه في الهدم، فإنه يجري مخالفته أكثر من مرة وبمبالغ خيالية، وتستمر رحلته ومعاناته في دهاليز وأروقة بلدية الاحتلال لمدة تصل إلى 15 عاماً للحصول على التراخيص ولكن دون جدوى، وبعد كل الخسائر والتكاليف، تقوم بلدوزرات وجرافات وشرطة الاحتلال بهدم بيته، والاحتلال حتى يحسن من صورته أمام العالم المسمى بالحر زوراً وبهتاناً، والذي قد يتسبب منظر البلدوزرات وجرافات الاحتلال وهي تهدم بيوت المقدسيين وتعتدي على أصحابها وتتركهم في العراء بين السماء والطارق في تشويه سمعة هذا الاحتلال، ولذلك تفتقت عقليته عن أسلوب جديد من أجل إذلال المقدسيين وامتهان كرامتهم واستولاد قهر داخلي عندهم، هذا القهر لن يبقى مكتوماً الى الأبد، والذي يوم انفجاره قادم لا محالة، وهذا الأسلوب هو إجبار المقدسيون على هدم منازلهم بأيديهم، ومع كل ضربة شاكوش أو مطرقة أو حفرة "كونكو"، يشعر المقدسي بأن روحه تخرج من جسده، ويعيش مشاعر مختلطة ويشعر بحالة عجز كلي، فهو واقع بين نارين ما يتسببه له الهدم الذاتي من آثار نفسية وتداعيات اقتصادية واجتماعية ناجمة عن هدم بيت، دفع فيه كل شقاء عمره، وربما باع حلي ومجوهرات زوجته وسحب مدخراته، أو استدان أو حصل على قرض بنكي، من أجل أن يجد له مكاناً في قدسه وقريته، وبين أن يرفض قرار بلدية الاحتلال ويتمرد عليه، وبالتالي تقوم بلدوزرات الاحتلال وجرافاته وشرطته بهدم البيت، والملزم بعد كل هذا الخراب بدفع تكاليف عمليات الهدم بما في ذلك شرطة وخيالة الاحتلال التي حمت ووفرت الأمن للمعدات والآلات التي تقوم بعملية الهدم، والتنكيل بعائلته وأسرته.

فالمحتل وفق القانون الدولي، ملزم بتوفير الخدمات والحياة الكريمة للسكان واحترام حقوقهم، ولكن القانون الدولي يجري "تعهيره" والازدواجية في والانتقائية في تطبيقه، وهناك دولاً مثل أمريكا وأوروبا الغربية، جعلت من دولة الاحتلال، دولة فوق القانون الدولي، تبرر لها أي خرق او خروجاً عن هذا القانون، وتقف في وجه أي قرارات او عقوبات قد تتخذ ضدها او تفرض عليها في المؤسسات الدولية، وليصل الأمر حد قول مندوبة أمريكا السابقة في الأمم المتحدة نيكي هايلي العنصرية اليمينية المتطرفة والمتصهينة لحد القول بأن عهد تقريع (إسرائيل) في الأمم المتحدة ومؤسساتها قد ولى، وإنها ستضرب بحذائها ذو الكعب العالي، كل من يقول بانتقاد (إسرائيل) أو يطالب بفرض عقوبات عليها، وأبعد من ذلك ذهبت أمريكا إلى الانسحاب من المؤسسات الدولية وأوقفت مساهماتها المالية فيها مثل "اليونسكو" وغيرها لكونها أدانت (إسرائيل) واتخذت قرارات بحقها على ما تقوم به من انتهاكات للقانون الدولي بحق المقدسات والأثار والأماكن الأثرية والتراثية الفلسطينية في القدس والخليل وبيت لحم وغيرها من المناطق الفلسطينية.

المقدسي ليس فقط مهدد بحقه في السكن، حيث هدم في العام الماضي ما مجموعه (153) بيتًا ومنشأة تجارية وصناعية وورش وأسوار وبركسات وغيرها، ووزعت مئات الإخطارات بالهدم على سكان المدينة، عدا أوامر الهدم الإداري، ومنذ بداية العام الحالي، أجبر خمسة عشر مقدسياً على هدم منازلهم بأيديهم، والحبل على الجرار، وهذا المسلسل يتصاعد ويتكثف، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فحتى حق المواطن المقدسي في العبادة والصلاة في المسجد الأقصى أصبح مهدداً، حيث أبعد في العام الماضي 176 مقدسي عن الأقصى، لمدد تصل إلى ستة شهور، ومنذ بداية العام الحالي، وصل عدد المبعدين عن الأقصى إلى ما يزيد عن 120 مواطناً، والعدد مرشح كل يوم للزيادة، والحجج إعاقة الجماعات التلمودية والتوراتية من أداء صلواتها وطقوسها وتعاويذها التلمودية والتوراتية في ساحات المسجد الأقصى، والزيادة الكبيرة في العدد نتجت عن أزمة باب الرحمة، الذي كان الاحتلال وشرطته يغلقون مصلاه وساحاته بغير وجه حق منذ عام 2003، لأمر مؤقت صدر بحق لجنة التراث التي كانت تستخدم المكان، والاحتلال استغل هذا القرار أو الأمر، لكي يغلق ساحات باب الرحمة والمصلى الخاص به لمدة ستة عشر عاماً، حيث كان الهدف من ذلك السيطرة على باب الرحمة ومقبرة باب الرحمة المستولى على جزء منها، وتحويل ذلك إلى كنيس يهودي يفرض تغييراً في الوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى، وبما يقسمه مكانياً، ولكن الموقف الشعبي والاتصالات السياسية ودور مجلس الأوقاف وبطلان الحجج القانونية التي أثبت طاقم المحامين المدافعين عن الأقصى، عدم وجود أي قرار قضائي بإغلاق مصلى باب الرحمة وساحاته، أفشل مخطط الاحتلال للتقسيم المكاني، ولكن نحن ندرك بأن المحتل لن يتوقف عن مخططاته باستهداف الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية.

الحرب الشاملة على المقدسيين بشراً وحجراً وشجراً مستمرة ومتواصلة وتشارك فيها كل أجهزة الاحتلال الأمنية والمدنية والشرطية والقضائية يضاف إلى ذلك بلدية الاحتلال ووزارة داخليتها والجمعيات الاستيطانية من "العاد" و"عطروت كوهونيم" وما يسمى (سلطة تطوير أراضي إسرائيل) ودائرة الأثار وغيرها، والمعركة على الحجر والتي أخذت شكلاً غير مسبوق بإجبار المقدسيين على هدم بيوتهم بأيديهم، يجب العمل على مجابهتها قانونياً وعبر القانون الدولي والتوجه للمؤسسات الدولية، لأن مثل هذه الأعمال ترتقي إلى جرائم حرب، والاحتجاجات الشعبية والسلمية، والتي تجبر الاحتلال على إقرار المخططات الهيكلية وتوسيعها للقرى والبلدات المقدسية وزيادة نسبة البناء، وتخفيض رسوم التراخيص وتكاليفها، وتحويل الأراضي التي يجري مصادرتها تحت ذريعة المصلحة العامة لخدمة السكان وليس من أجل خدمة بناء المزيد من المستوطنات، ويجب دعوة الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية للقيام بدور فاعل في هذا الاتجاه للجم ووقف الاحتلال عن مشاريعه ومخططاته المستهدفة التطهير العرقي بحق المقدسيين، وليس فقط الاكتفاء بدور المراقب والمصدر لبيانات شجب واستنكار خجولة مل شعبنا منها.

--