أصغر أسير فلسطيني غدا رجلًا خلف القضبان

القدس المحتلة / غزة - رنا الشرافي


سبعة أشهر فقط هي ما تبقى من سنوات أسر أصغر أسير فلسطيني يمثل أمام محاكم الاحتلال الإسرائيلي الصورية، "شادي فراح" الذي غدا ابن 14 عامًا، شاهد في السنوات الأخيرة منها ما يشيب له رأس الرجال.

محكمة صورية

طفلٌ انتُزع من حضن عائلته وبيته ومدرسته، وأُلقي به في غياهب السجون، في نهاية شهر ديسمبر من عام 2015م، حينما كان عائدًا من مدرسته بزعم حيازته سكينًا، وبعيدًا عن أروقة القانون الدولي وحقوق الطفل والإنسان بوجه عام وقف أمام القاضي الإسرائيلي في محكمة احتلالية صورية لم تعترف بعام كامل من السجن الإداري لهذا الطفل، لتقضي عليه بالسجن مدة عامين.

ومع اقتراب موعد الإفراج عنه، المتوقع في شهر نوفمبر المقبل؛ تنقلب طاولة القضاء مرة أخرى، ففي هذه المرة يتهم الاحتلال الإسرائيلي الطفل شادي بالتحريض ضده، برفقة هذه التهم الجديدة، وهو لا يزال في سجنه في مؤسسة لرعاية الأحداث في مدينة "طمرة" بالشمال الفلسطيني المحتل عام 1948م للعالم الثالث على التوالي، وتسعى نيابته إلى رفع عدد سنوات حكمه.

شادي هو أصغر أسير وقف أمام محكمة من هذا النوع وهو في هذه السن، وعن هذا الواقع الذي يعيشه تحدثت "فلسطين" إلى والدته، التي كانت تخرج من مبنى المحكمة لتوها.

عن شادي قالت والدته فريهان فرّاح: "لقد رأيت اليوم رجلًا، وهذا ما شعر به محاميه الأستاذ مفيد الحاج عن نادي الأسير الفلسطيني".

وأضافت: "تغير شكل شادي وقوامه، بدا ممتشق القامة، أكبر من عمره بسنوات، هو يعي تمامًا ما يمر به، ويفهم أن ما يجري من إعادة النظر في قضيته وإلصاق تهم جديدة به مثل التحريض هو محض محاولة لرفع عدد سنوات سجنه".

وتابعت: "كان من المفترض أن يخرج شادي من السجن في شهر نوفمبر المقبل، وأن توجه إليه هذه المحكمة الصورية إنذارًا بألا يصدر منه أي "خطأ" وإلا فسيُعاد اعتقاله"، مؤكدة أن مستقبل شادي على المحك، لاسيما في ظل غياب المؤسسات الحقوقية عن محاكماته.

ووصفت شعورها حيال ما يعيشه شادي الآن، قائلة: "الانتظار صعب، وأصعب ما يكون أن تطلب من الأم أن تنتظر لحظة عودة طفلها الذي لم يعد طفلًا، ليأخذ مكانه بين إخوته، وقبل أن تصل الأحداث إلى ذروة اللقاء تستجد محاكمة جديدة لتعيد النظر في القضية، ما يجعله عرضة لسنوات أخرى من السجن".

رسالة ميس

لا تطيق فرّاح فكرة تجديد السجن لشادي؛ فهي تنتظر لحظة الإفراج عنه بصبر نافد، وكذلك والده وإخوته الذين كبروا دون أن يعرفهم، فهذه شقيقته "ميس" ذات الأعوام الثمانية ترسل له رسالة مع والدتهما، أما شقيقه الأصغر الذي حضر المحاكمة فبصعوبة تعرّف إلى شادي، وهو لا ينفك يسأل والدته: "ليش شادي ما بروّح معنا؟!".

سؤال عجز جهابذة القانون والحقوق الإنسانية وحقوق الطفل أن يجيبوا عنه، فما حصل ويحصل مع شادي تجاوز الخطوط الحمراء جميعًا، وفاق احتمال أي قانون أو اجتماع دولي، ومع ذلك لا تزال محاكم الاحتلال الإسرائيلي تنتهك الأعراف والقوانين الدولية دون رادع .

واستهجنت والدة شادي غياب وسائل الإعلام عن "إعادة النظر في الحكم الصادر بحق أصغر أسير فلسطيني"، وغياب مراكز حقوق الإنسان الدولية، حتى المؤسسات الحكومية الفلسطينية.

وقالت: "أليس حريًّا بهم أن يكونوا أول الحاضرين في هذا النوع من المحاكمات التي فيها تقضم حقوق الفلسطينيين وحقوق الطفولة والإنسانية جميعًا؟!".

وتساءلت: "ماذا تبقى من طفولة شادي ليعيشه؟!، وهل سيسمحون له بالخروج من السجن لمواصلة ما تبقى؟!"، لتتمتم بالقول: "أطفال القدس كبروا داخل السجون".

انتهت جلسة محكمة شادي أول أمس الأحد، بإبقائه مدة ستة أشهر، مع توجيه القاضي الإنذار الأخير، وإلا فسيحكم عليه من جديد.

والجدير بالذكر أن الاحتلال الإسرائيلي يسمح لوالدة شادي وأشقائه بزيارته مدة 40 دقيقة بواقع مرة أسبوعيًّا، وهو الوقت الذي يمضيه شادي برفقة والدته وأشقائه، وهم النافذة الوحيدة التي تربطه بالعالم الخارجي، إضافة إلى الكتب التي تستطيع والدته إدخالها له داخل السجن حتى يبقى مرتبطًا بالعالم الحقيقي ولغته العربية، وسط هذا الكم من السجناء الإسرائيليين المجرمين الذين يتحدثون بالعبرية فقط.

تضامن يومي

ودعت والدة شادي إلى التضامن اليومي مع الأسرى والشهداء، وليس فقط في المناسبات، وألا يكون الاهتمام بهذه القضايا موسميًّا بغرض إثارة ضجة مؤقتة تخبو بعد ذلك.

وفي لقاء سابق مع "فراح" مطلع العام الجاري سألتها مراسلة "فلسطين" عن بداية العام الثالث لشادي في الأسر: "ألا يهون عليك قُرب اللقاء لوعة الفراق؟"، فأجابت في حينه: "الانتظار صعب، لا تطلب من أم أن نتنظر عامًا كاملًا حتى توقظ طفلها للذهاب إلى المدرسة، أو أن يجلس على مائدة الطعام بعد أن حضرت له الطبق الذي يحبه"، فكيف الحال الآن واحتمال التمديد لا يزال هاجسًا يقض مضجع والديه؟!

والدة شادي عادت إلى المنزل وحيدة لا يصحبها إلّا القلق البالغ من الغد، وما سيحمله لها ولشادي الذي تاقت إلى رؤيته في غرفته وعلى سريره وبين إخوته، ومخاطبته دون المرور بكل تلك الإجراءات الأمنية والأسلاك والأقبية، وكأنها في زيارة إلى سجين حقيقي لا ابنها الذي لا يزال طفلًا رغم تقدمه في السن والتفكير ورجاحة العقل بسبب ما مر به داخل السجون، فهل تحظى بتلك الأمنية؟، أم ستبقى في صدرها حتى إشعار يرفض الاحتلال الإسرائيلي منحه إياها؟!

مواضيع متعلقة: