إقرأ المزيد <


ماذا يفعل الله الآن؟

بقلم / نجلاء السكافي
أخبرني الحبيب أبي ذات شتاء قصة بعبرة فأحببت أن أشارككم إياها، قال: "يُحكى أن ملكا من ملوك الزمان كان لديه وزيران، وزير الميمنة ووزير الميسرة، وكان الملك مُحِبًا لوزير الميمنة الذي دائمًا ما يروي له الحكم والمواعظ عن أهل أول؛ ما يجعل قلب الملك يميل نحوه".

لاحظ وزير الميسرة حب الملك لنظيره وتوعد أن ينتقم لنفسه، فقال للملك ذات مرة: "أتعلم يا ملك الزمان أن لوزير الميمنة ابنة ذكية فطنة جميلة ومرغوبة، ما رأيك أن تخطبها منه فمن الخسارة أن تكون من نصيبِ أحدٍ غيرك".

تخمرت الفكرة في رأس الملك يومًا بعد يوم وتحدث إلى وزير الميمنة في إحدى الأمسيات التي يقيمها عادةً بأمر ابنته إلا أن الوزير رد عليه بالرفض قائلًا: "لا والله لا أزوجك فأنت لديك جوارٍ كُثر وأنا لا يُمكنني تزويجك ابنتي"، فامتعض الملك وصمت اغتياظًا.

وبعد أن انفض المجلس وغادر الوزير، أشار وزير الميسرة للملك لضرورة الانتقام منه بنصب فخٍ له، ودعاه لاستحضار الوزير صباحًا وسؤاله ثلاثة أسئلة فإن استطاع الاجابة عنها تعد الأمور لمجاريها وإن لم يستطع فتُصادر كل أمواله وتسبى عياله ويُزج بالسجن، سأله الملك وما الأسئلة قال: "تسأله مَن وُجِد قبل الله _سبحانه وتعالى_؟، وأين يتجه وجه الله؟، وماذا يفعل الله الآن؟".

وبالفعل، بعد مرور بضعة أيام قام الملك بطرح الأسئلة على وزيره وأخبره أن يرد عليه بعد ثلاثة أيام، مستدركًا بالقول إنها مشروطة بتلك الشروط، فغادر الوزير مهمومًا فلم تخطر له هذه الأسئلة يومًا على بال، وما إن رأته ابنته حتى سألته عن حاله وأي مكروه أَلّم به!، فأخبرها عن مكيدة الأسئلة المُعجِزة وشروط الملك، وذكر لها أن الملك طلب يدها منه قَبلًا وهو رفض.

صمتت الفتاة الصغيرة قليلًا ثم قالت: "يا أبتِ هذه أسئلة سهلة جدًا، وأنا التي ستُجيب عنها. أما أنت فخذ هذه الأيام اجازة لك ولا تفكر في شيء أو تحمل همًا". وبعد انقضاء الإجازة تزينت الفتاة وارتدت أجمل الثياب ورافقت أباها للقصر، وجلست مع الوصيفات فيما دلف الوالد للقاعة فوجد الجميع مجتمعين والمكان يعج بالوزراء والأمراء وعامة من الشعب ينتظرون ما سيحل به من ويلات، فسلم وجلس إلى مكانه المعتاد دون أن يثير أي غرابة.

سأل الملك وزيره: "ما بك أنسيت الأمر الذي بيننا؟" نظر إليه الوزير مستهجنًا، قال الملك مُذكِّرًا اياه: "ألم تغب منذ ثلاثة أيام لتجيب على الأسئلة؟"، أجابه الوزير ساخرًا: "وهل هذه أسئلة تُسأل لوزير في قدري ومقامي أيها الملك، إنها أسئلة بسيطة وبمقدور ابنتي الصغيرة الإجابة عنها".

وبينما يجلس الملك على عرشه يعلو رأسه التاج على منصة مرتفعة هو ووزراؤه، ويجلس عامة الناس بالأسفل في رحب القاعة، سمح للفتاة أن تدخل وسألها عن صحة كلام أبيها. قالت: "نعم بإمكاني الاجابة عن أسئلتك ولكن بشرط أن تنزل عن عرشك وتخلع تاجك وتجلس بين عامة الشعب فيما أجلس أنا مكانك، ففعل.

جلست الفتاة على عرش الملك مرتدية التاج ووجهت حديثها إليه وهو يجلس بين عامة الناس قائلةً: "أنت يا ملك الزمان تسأل مَن وُجِد قبل الله؟ وأنا أدعوك إلى تبدأ بالعدّ، قل 3،2،1"، فقال الملك، سألته "ماذا قبل الـ "واحد؟""، أجابها أن لا شيء فقالت وقبل الله لم يوجد شيء.

تابعت: "وتسأل يا ملك إلى أي اتجاه ينظر الله الآن؟، وأنا أريد منكم أن تضعوا على هذه الطاولة التي تنتصف القاعة شمعة طويلة منيرة وتغلقوا جميع المنافذ"، ففعلوا لها ما طلبت. سألت الحضور في الجهة الشرقية "هل ترون ضوء الشمعة؟"، أجابوا: "نعم"، وسألت حضور الجهة الغربية فأجابوا "نعم" والشمالية والجنوبية كذلك.

فقالت: "يعني ذلك أنكم جميعًا في كل الاتجاهات ترون ضوء الشمعة" أجابوا: "نعم"، قالت: "ووجه الله يا ملك الزمان في كل اتجاه". مصدقة بذلك الآية الكريمة: "فأينما تولوا وجوهكم فثَمّ وجه الله".

وأردفت حديثها مجيبة عن السؤال الثالث فقالت: "وتسأل ماذا يفعل الله الآن؟ وأنت قبل لحظات كنت ملكا تجلس على عرش المملكة يعلو رأسك التاج، والآن أنت تجلس وسط عامة الناس مثلك مثلهم، أومَأ الملك بصحة كلامها، فأردفت: "أما أنا فقد كنت قبل قليل كعامة الناس والآن أجلس على العرش وألبس التاج، فالله يا ملك الزمان يرفع أقواما ويخفض أقواما، يُغير ويُبدل، وهذه سنة الله في الكون".

فقال لها الملك: "فلتبقي على ما أنتِ عليه ملكة ترتدي التاج"، أشارت إليه بالرفض وهي تقول: "لا أريد أن أكون ملكة وإنما أريد أن تتركوا أبي ولا تشغلوا له بالًا وتعاقبوا من يحيكون له المكائد.

وهذه دعوة مني إليك عزيزي القارئ أن تدع الخلق للخالق ولا تبيتن إلا خالي البالِ، فلا تنم متكدرًا لِـهمّ. واعلم علم اليقين أن الحياة في تبدّل وتغيّر ولا حال يدوم ولا غنى أو كرب أو ضعف أو غم إلا ويزول.

ملفات أخرى متعلفة