إقرأ المزيد <


حرائق وحقائق ..

د. مصطفى البرغوثي
سبت ٢٦ ١١ / ٢٠١٦
الحرائق في كيان الاحتلال ليست بالحدث الجديد , بل تكررت تلك الحرائق في مثل هذا الموسم مرات ومرات , كان آخرها قبل ست سنوات تقريبا , حيث وقع حريق الكرمل الشهير بتاريخ 2-12-2010, وتسبب بمقتل 42 إسرائيليا أغلبهم من سجاني سجن الدامون شمال فلسطين المحتلة, وذلك بعد احتراق حافلتهم التي حاصرتها النيران في جبال الكرمل , تم وصف الحريق في حينه بأنه كارثة كبيرة , وطلبت حكومة الاحتلال المساعدة في إطفاء الحريق من العديد من الدول , أبرزها الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وفرنسا وقبرص واليونان وتركيا , وتطوعت الأردن والسلطة الفلسطينية وشاركتا بالفعل في مهمة إخماد الحرائق في جبال الكرمل , ما أشبه اليوم بالبارحة , يتكرر نفس المشهد وتندلع النيران في الأحراش والغابات , ويساق الاتهام للفلسطينيين ويتم التعامل مع الحريق بالعقلية الصهيونية التي تنظر لكل حدث من منظور أمني بحت , وأن الحرائق متعمدة وتأتي في إطار النشاط المعادي لكيان الاحتلال , ويتم إلصاق التهمة بالفلسطينيين بدون تقصٍ أو تحقيق وهذا ما جاء في تصريحات قادة الاحتلال , حيث زعم نتنياهو أن غالبية الحرائق تمت بفعل فاعل ورجح أن تكون الخلفية قومية , وكذلك وزير أمنه جلعاد أردان في تعليقه على الحرائق التي شهدتها مدينة حيفا يقول يجب أن تستعد (اسرائيل) لنوع جديد من "الإرهاب" , وفي نفس السياق جاءت مزاعم وزير التعليم نفتالي بينت , بأن ما تواجهه (إسرائيل) اليوم ليس سلسلة من الحرائق، وانما موجة من "الإرهاب " من قبل ما أسماهم "مخربي الحرائق" , وكان التناغم واضحاً بين تلك التصريحات والتغطية الإخبارية في الإعلام العبري , حيث عنونت القناة العاشرة الصهيونية , خلال موجة التغطية الإخبارية المباشرة بعنوان" إرهاب الحرائق", ومن أجل تسويق تلك الرواية , أعلنت قوات الاحتلال اعتقال (14) فلسطينيا بتهمة إشعال الحرائق في مدينة حيفا والقدس المحتلتين .

ومما سبق من الممكن أن نستخلص بعض الإشارات والحقائق التي من الجيد التنويه إليها وفي مقدمتها بأن كيان الاحتلال " هش وضعيف" , تنكشف عورته وينكسر عموده الفقري عند أي تهديد حقيقي وقوي لوجوده , وهذا ليس من باب المبالغة فالوقائع والأحداث تؤكد ذلك, ولعل الأشهر الأولى لانتفاضة القدس كانت خير دليل , حيث تصدعت منظومة الأمن الشخصي وأصيب الكيان بحالة من الإرباك , وتعطلت كل المصالح الحيوية لديه , واليوم يقف الكيان في حالة عجز واضحة , أمام اندلاع الحرائق في بعض المدن أو المستوطنات , ويسارع إلى طلب المساعدة من الخارج لإخماد تلك الحرائق , وهذا بحد ذاته يضرب في عمق الشعور الصهيوني بهشاشة كيانه الاحتلالي , وأنه لا يملك عوامل البقاء والاستمرارية تحت ظروف طارئة وغير عادية , وهذا الهاجس طرحته القناة العاشرة الصهيونية بصراحة , بعد الفشل في السيطرة على الحرائق , حيث جاء في أحد تقاريرها , لقد ظهر بشكل واضح ما هي الاستعدادات لمواجهة الحرب القادمة , عندما يتساقط 1000 صاروخ يومياً على الكيان الصهيوني, وهنا يتضح لنا بأن هذا الكيان الاحتلالي لم يواجه خطراً أو تهديداً وجودياً منذ الاحتلال الغاشم لفلسطين عام 1948, ولإيضاح ذلك لعلنا نستذكر الفرح والسعادة التي شعرت بهما جولد مئير رئيسة الحكومة الصهيونية, عندما استيقظت في صباح اليوم التالي لحرق المسجد الأقصى في العام 1969, فلم تر الجيوش العربية والإسلامية التي كانت تخشى تحركها إلى فلسطين غضباً لإحراق الأقصى , فجولد مئير كانت وقتها تشعر بخطر حقيقي على كيانها يهدد وجوده وبقاءه, ولكنه لم يتحقق فلقد كان العرب في سبات عميق .

والإشارة الثانية بأن هذا الكيان لا يقوى على مواجهة أي خطر أو تهديد الا بمساعدة خارجية , فعلى صعيد المواجهات العسكرية والحروب , كانت الجسور الجوية تقام من الولايات الأمريكية والدول الغربية من أجل إمداد كيان الاحتلال بالعتاد الحربي , لضمانه تفوقه العسكري على الجيوش العربية وعدم هزيمته , بالإضافة إلى الدعم السياسي في المحافل الدولية لضمان عدم إدانته في أي من الجرائم التي يرتكبها في عدوانه على الشعب الفلسطيني والدول العربية , ليتأكد لنا بأن هذا الكيان صنيعة الدول الاستعمارية الكبرى , والتي أسكنته خنجراً في قلب الأمة العربية , لذلك تراهم يهبون لنجدته ودفع الأخطار المهددة لبقائه , والا فأين تلك الدول التي تحاول صبغ تحركاتها بالاعتبارات الإنسانية , من حرق المسلمين وبيوتهم ومدنهم وقراهم في إقليم أراكان في بورما ؟! , أين تلك الدول من وقف النيران التي صُبت على قطاع غزة في ثلاث حروب وحشية ضد المدنيين العزل ؟! , أين تلك الدول من حمم النيران التي تتساقط على رؤوس الابرياء السوريين في حلب من قبل الطائرات الروسية ؟! , فلقد كشفت الحرائق في فلسطين المحتلة ازدواجية المعايير التي تتبعها الدول الغربية فيما يقال عنه تحركات إنسانية , أو مهمات إنقاذ البشر من الكوارث , فلا تراها تتحرك سريعاً الا إذا تعرض كيانهم الاحتلالي لخطر داهم , ومن هذه الإشارة نستخلص أن هذا الكيان الهش لا يقوم الا على المساعدة والدعم الخارجي ويعتمد عليهما بشكل إستراتيجي في وجوده على الأرض الفلسطينية , ويمكن أن نفهم ذلك بالنظر إلى الحقيقة القائلة بأن هذا الكيان بمثابة مستعمرة متقدمة , من بواقي المستعمرات الغربية في المنطقة العربية .

الإشارة الثالثة أن الأنظمة العربية التي شاركت في مهمة إطفاء الحرائق في كيان الاحتلال في حالة انسلاخ عن شعوبها , والتي رأت في المشاركة في إطفاء الحرائق , خيانة جلية بمد يد العون للعدو الغاصب لأرض العرب والمسلمين , فلم تقبل الجماهير العربية هذا العمل , ورفضت كل التبريرات التي سيقت للدفاع عن المشاركة , وإلا أين التحرك العربي لإطفاء الحرائق ووقف الحروب وإنقاذ الجوعى في كثير من البلدان العربية والإسلامية ؟! ولماذا لا نرى النخوة العربية تتحرك الا اتجاه (إسرائيل) ؟! إلا أن هذا التحرك العربي الرسمي يكشف إصرار الأنظمة على تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال , متناسية جرائم الاحتلال في فلسطين , ومتغافلة عن آخر تلك الجرائم باستهداف عقيدة المسلمين بمنع رفع الأذان, في إطار سعي كيان الاحتلال لتهويد الزمان والمكان في فلسطين , وهي بالتالي تتراجع في نصرة القضية الفلسطينية لصالح البرنامج الأمريكي الذي يسعى لدمج الكيان الصهيوني في المنطقة العربية , وهذا ما سمح لنتنياهو التبجح بالقول , بأن هناك حلفاء لكيانه من الأنظمة العربية في حربه ضد ما أسماه "الإرهاب " الفلسطيني ! .

الإشارة الرابعة والأخيرة تتعلق بمشاركة السلطة الفلسطينية في المساهمة بإطفاء الحرائق, والتي بررتها بأنها تأتي في إطار الرسالة الإنسانية التي يحملها الدفاع المدني الفلسطيني , وهذا لا ينطلي على أصغر شبل فلسطيني , فأين أنتم من معاناة أبناء قطاع غزة في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء وغيرها , فلماذا لا تسدوا الخلل وتجبروا النقص فيها , من باب الرسالة الإنسانية؟ أم أن إنسانيتكم تظهر للعدو وتحتجب عن الأخ ؟! , أين أنتم من الحرائق التي تشتعل في قلوب المرضى وذويهم, وهم لا يلقون علاجاً أو سبيلاً إلى علاج ؟ أين أنتم من جيل بأكمله, كنتم الطرف الرئيسي المشارك بقوة , في تعطيل تطوره ونهوضه نحو مستقبل مشرق , عبر الإيعاز بتشديد الحصار وإغلاق المعابر؟!, ولكن فعلكم هذا لا يتعدى إطار الارتماء في أحضان الاحتلال تجسيداً للارتباط الفعلي لوجودكم وبقائكم بالعلاقة مع الاحتلال , فلا يمكنكم الانفكاك عن ركبه ,وإلا أصبحتم في مهب الريح , وبذلك يستمر استجداؤكم للتسوية مع الاحتلال عبر رسائل الخنوع بالمشاركة في جنازة الهالك بيريز, أو المساهمة في إخماد الحرائق, ورغم أنكم تقدموا فروض التبعية والاعتراف , فإنهم لن يرضوا عنكم مهما صنعتم , حتى ولو لم تتكلموا بأي حق لكم في صفد أو حيفا , حتى لو اعترفتم بكيانهم وأسميتموهم "جيران" , لذلك كان رد الوزير الصهيوني بينت صارخاً كلسان حال للمجتمع الصهيوني , في وجه مشاركة السلطة في إطفاء الحرائق قائلاً " لا نريد مساعدتكم " ! .

ملفات أخرى متعلفة