إقرأ المزيد <


بشير حماد يروي لـ"فلسطين" المحطات الأولى في حياته

عماد عقل.. 23 عامًا على رحيل المقاتل من "نقطة الصفر"!

الشهيد عماد عقل - صورة أرشيفية
غزة - يحيى اليعقوبي
"عماد عقل منذ صغره كان مميزا بصفات القيادة والنباهة، والذكاء في الدراسة، وبارا بوالديه، وحبه الشديد لوطنه فلسطين، ومدافعا عن حقوق شعبه المظلوم، كما أنه أحب المسجد كثيرا، وكان أبناء جيله يلتفون حوله كشخصية قيادية".. بهذه الصفات، استهل بشير حماد "أبو غسان" رفيق الدرب والمعين الأول للقائد الشهيد القسامي عماد حسن عقل.

يقول حماد (عقيد في وزارة الداخلية بغزة): "حينما أطلق الاحتلال الإسرائيلي سراحي من سجونه 1990، أردت بدء العمل المقاوم في الانتفاضة الأولى، فخطر في ذهني الشهيد عماد عقل لمساعدته .. حينها سأله عقل: هل لديك سلاح؟ فكانت الإجابة: لا".

ويضيف: "لم يكن السؤال هو الذي فاجأني، بل ما اتبعه عقل في كلامه: "لما يكون عندك سلاح بتجيني، فرغم الصداقة بين الطرفين وفارق السن إذ إن عقل من مواليد عام 1971م وحماد من مواليد 1964م، والذي كنت أتوقع أن يقول لي إني جاهز للعمل معك، غير أن الرد أظهر أن عماد جدي ويفكر بشكل صحيح، ويعرف أهمية السلاح في هذا العمل".

لكن حوار البداية لم ينته بعد، أراد "حماد" التأكيد على أهمية العمل المقاوم "بنشتغل بأي حاجة حتى بأظافرنا"، ثم سأل "عقل": "عندك سكين في بيتكم؟"، لا غبار على الإجابة "نعم"، فلا يخلو بيت من أدوات المطبخ، ثم أراد حماد تشجيعه "جيب سكينة وأنا سكينة وهي سيارتي ولما يصير عندنا سلاح بنطور حالنا".

دارت الأفكار في بال عقل، ثم أكمل في حديثه مع حماد "مستعد أن أكون مجموعة للرصد"، وبدأ عقل بالعمل حتى اعتقل فرد من هذه المجموعة واعترف عليه بأنه هو شكل مجموعة للرصد.

"كم مدة الاعتقال على هذا العمل (الرصد) ؟" كان السؤال من عقل لأحد المحامين الذي أخبره أنها سبع سنوات، فعاد إلى حماد قائلا له: "خلص اعتبرني مطاردًا .. اعتبرني معكم"، وهكذا بدأ عقل العمل بشكل قوي في عام 1991، وخلال أقل من عام كان الرقم واحد بين المطاردين.

تعود الذكريات إلى بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انعدلت عام 1987م، والقول لحماد: "في الانتفاضة الأولى كان عقل صاحب مبادرة وجرأة ولديه أفكار في العمل الانتفاضي والجماهيري، ورشق الحجارة على جنود الاحتلال، كان يتقن العمل بحيث لا يستطيع أحد توجيه أي ملاحظة عليه".

ويتابع: "استطاع عماد أن يثبت أن الجندي الإسرائيلي هش وضعيف، فكان يقول: لا يوجد له أي اعتبار إذا أردنا أن نقاتله، لأنه يموت وليس لديه إرادة للقتال ولا يوجد لديه عقيدة".

ويؤكد أن المطارد عقل، كان صاحب معادلة مهاجمة الجندي الإسرائيلي من مسافة "صفر"، ويكمل حماد: "اقترح عماد أن نتحرك بأشكال مختلفة ووثائق شخصية مزورة، وهو صاحب فكرة الخروج والعودة من وإلى الضفة الغربية، فالكثير من المنعطفات القوية في هذا العمل كان عماد صاحب فكرتها .. كان قائدا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، له أثر في العمل الموجود اليوم من البذرة التي زرعها عماد وأصحابه".

ووفقا لحماد، فإن مجموعة "الشهداء" التي شكلها بنفسه هي أول مجموعة أنشئت وانخرط في صفوفها عماد عقل في مايو/أيار عام 1990م، ويواصل: "هذه المجموعة (الشهداء) كانت تعمل بمحافظتي الشمال وغزة، بالإضافة إلى مجموعتين في النصيرات ورفح؛ استشهد أحد أعضائها في البداية وهو الشهيد غسان أبو ندى أول شهيد للقسام لمجموعة الشهداء بالشمال".

العديد من المواقف دللت على جرأة وإقدام الشهيد عقل، وسرعة البديهة والتصرف، يذكر حماد أن "عماد عقل كان لا يجلس في بيت أكثر من يومين، أو حتى ساعة أو نصف ساعة، أو أن يأتي إلى منزل ثم يستأذن بالانصراف.. امتلك قوة احساس عالية بأن كان المكان مناسبا أو غير ذلك، وهذا ما جعل وقت مطاردته يطول".

يبحر بنا إلى تلك الفترة، قائلا: "كانت لدى عماد قدرة على التخفي والتنكر بعدة طرق فتارة يحلق لحيته أو يطلقها أو يغير طريقة تمشيط شعره، أو يضع عدسات على عينيه، ويتحرك بوثائق شخصية مزورة".

محطة طبريا


لا تفر محطة طبريا من حديث حماد، فيقول: "كنا نتحرك بمناطق مختلفة لأننا مطاردون من قبل الاحتلال في كل المناطق حتى وصلنا للحدود اللبنانية، وتحركنا في القدس بجوار المسجد الأقصى بواسطة وثائق شخصية إسرائيلية بشكل مريح متنقلين بسياراتنا".

وكان من ضمن التحركات، والحديث لحماد، أن المطاردين سيتوجهون إلى بحيرة طبريا لمعاينة المكان من حيث إمكانية الخروج من الضفة إلى الخارج عن طريق البحيرة، "فأخذنا مركبا وذهبنا هناك برحلة استكشافية للجانب الآخر للبحيرة".

ولكن بعد مرور ربع ساعة على مكوثهم في البحيرة، جاء مستوطنان إسرائيليان جلسا في المكان، وبعدهم جاء جيب إسرائيلي، ومن فوقهم حلقت طائرة إسرائيلية، ما زالت تلك التفاصيل راسخة في ذاكرة حماد، "أدركنا حينها أنه من الممكن أن يكون قد اكتشف أمرنا وأننا محاصرون؛ فبدأنا بالتعامل مع الموقف بشكل طبيعي نلعب ونلقي على بعضنا البطيخ، فعندما شاهدونا هكذا تركوا المكان وغادرت الطائرة".

وفي ذات مرة، وصلت رسالة لعقل وحماد من قيادات في حركة حماس بأن يطلبوا ما يحتاجونه، فأكثر ما ركز عليه عقل موضوع السلاح، "كام نطلب؟" فقال لحماد "اطلب ولا تخاف .. ثلاثة آلاف دينار"، يتابع بنبرة ضاحكة: "كان عماد بسيطا ماديا فكانت الثلاثة آلاف دينار كبيرة بالنسبة له، وحينها كان يأتي الآلاف لدعم العمل المقاوم".

الشهادة


وفي ليلة أربعاء من ليالي نوفمبر الباردة قبل 23 عامًا، كان القائد القسامي عماد عقل في منزل خنساء فلسطين مريم فرحات "أم نضال"، على موعد آخر من معاركه مع جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد أن لاحظ حركة غير اعتيادية حول المنزل، ليكتشف لاحقاً أن عدداً كبيراً من قوات الاحتلال الخاصة تحاصر المكان، فما كان منه إلا أن قفز فوق سطح المنزل بعد أن صلى ركعتين، وبدأ معركة الشهادة.

واستشهد عقل في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1993، بعد أن حصل تبادل لإطلاق نار وتمكن من قتل وإصابة عددٍ من الجنود، قبل استشهاده بإحدى القذائف المضادة للدروع، وعشرات الطلقات النارية، ليرتقي شهيدًا.
وعماد عقل ولد في 19 يونيو/ حزيران من عام 1971 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، ووالده المتوفى كان يعمل مؤذنًا لمسجد الشهداء في المخيم، وهاجرت عائلته بعد نكبة عام 1948 من قرية برير القريبة من المجدل.

وحصل عقل على ترتيب بين الخمسة الأوائل في المرحلة الابتدائية، وبرز تفوقه مرة أخرى في المرحلة الإعدادية، وأنهى المرحلة الثانوية عام 1988 من ثانوية الفالوجة وقد أحرز المرتبة الأولى على مستوى المدرسة وبيت حانون والمخيم.

وتقدم بأوراقه وشهاداته العلمية إلى معهد الأمل في مدينة غزة لدراسة الصيدلة، إلا أنه ما أن أتم إجراءات التسجيل ودفع الرسوم، حتى اعتقلته قوات الاحتلال وأودعته السجن في 23/9/1988 ليقدم للمحاكمة بتهمة الانتماء لحركة "حماس" والمشاركة في فعاليات الانتفاضة، فقضى 18 شهراً في السجن ليخرج في شهر 3/1990.

ونجح عقل خلال مطاردته العسكرية، في تنفيذ أكثر من 40 عملية فدائية، توزعت بين إطلاق النار على جنود الاحتلال ومستوطنيه, وخطف العملاء والتحقيق معهم وقتل العديد منهم، ليرسم مفهوماً جديداً في العمل المقاوم، وهو "القتل من مسافة صفر"، حيث نجح بقتل أكثر من 15 جندياً إسرائيلياً وإصابة العشرات.

ملفات أخرى متعلفة