إقرأ المزيد <


على صخورٍ صمّاء خلَّد روحانية الفن

هاني بعيون.. الرسام الذي حصد "الصفر" وبعثَ الإحساسَ في "الحجر"

هاني بعيون أثناء رسمه لإحدى لوحاته
حوار - عبد الرحمن الطهراوي
لم ينم ليلته المشهودة تلك من فرحته بإنجاز رسم أول لوحةٍ شخصية لوالده الخطاط محمود بعيون، إذ راقب عن كثب استيقاظ الشمس من خدرِها متلهفًا لسماع لدغة عقرب الساعة الكبير للرقم (8)، إنه موعد الدوام المدرسي المعتاد.

مُسرع الخطى وصل "هاني" إلى مدرسته على غير عادته -فهو طالبٌ ينازع النجاح- مضت الحصة الأولى والثانية وكذلك الثالثة لتأتي الرابعة التي طال انتظارها.

في التفاصيل، أستاذ التربية الفنية يجول بين المقاعد ليتحقق بنفسه من تنفيذ طلابه للواجب المدرسي، و"هاني الصغير" يتلهف لسماع عبارات الثناء والإشادة من فم أستاذه على مسمع جميع زملائه في أحد فصول مدرسة البر والإحسان بالعاصمة بيروت.

الآن.. يقترب الأستاذ من مقعد هاني ويمسك بيديه لوحة تلميذه الصغير يحدق فيها مرة.. مرتين ثلاث، ثم يقذفها على الطاولة رامقًا الطفل بنظراتٍ غاضبة، قبل أن يُوقّع أعلى اللوحة بـ"صفر", والسبب "تزوير الواجب والاعتماد على شخصٍ آخر في تنفيذه".

تسمّر هاني على مقعده الخشبي وتسارعت دقات قلبه الصغير كمهرةٍ أنهكها الركض، فلم يعد يدري كيف يثبت لأستاذه أن تلك اللوحة من صنعه بعدما تلعثم لسانه وتلبست الحيرة تقاطيع وجهه، فماذا عساه أن يفعل كي يمسح "الصفر الأول" في حياته؟

"الطغراء العثمانية" علامةٌ فارقة في أعمالي


ما شفع لهاني آنذاك أن معلم الفنون كان حديث عهدٍ بطلبة الفصل، غير عارفٍ بعد بقدرات ذلك الطالب المتميز عن أقرانه بالريشة والقلم، فأيامٌ معدودة وعاد المعلم لينسخ النتيجة الأولى الخاطئة بـ"ممتاز"، عندما أيقن أن لوحة "البورتريه" تلك من صنع أنامل هاني حقًا.

الطواف الأول

بعد بضع سنوات ركب الفتى اللبناني عجلة الحياة وطاف في شبابه ببن روما ولندن وإسطنبول وعاصمة الأنوار بحثًا عن العلم واحترف الفن التشكيلي، قبل أن يتوقف برهة عند شاطئ خليج البترون اللبناني ليتلقط قطعة حجرية مُلقاة على الرمال الصفراء عند ساعات الظهيرة.

وماذا تراه فاعلًا بتلك القطعة الصماء؟ ما فعله هاني بعد أسابيع من اللقاء البحري غير المجدول أنه بث الروح فيها، صانعًا لوحاتٍ فريدة تجعل الناظر إليها يتساءل متعجبًا: "هل يعقل أن يُلقِي الفنان بذور المشاعر في مادة صلبة ميتة لا إحساس فيها؟

وما بين "صفر" في الصغر وتوقف فُجائي عند الحجر، اختزلَ الفنان هاني محمود بعيون حكايته المتتالية طوال 54 عامًا؛ التي بدأها بالرسم على الورق مرورًا بالتجسيد الدقيق للوجوه والملامح البشرية وصولًا إلى تخليد قصص ملونة نابضة بالحياة على الصخور الصماء.

أخيرًا لو أن الحدود الجغرافية الفاصلة بين الأوطان العربية معدومة، لتسنى لـ"فلسطين" الصحيفة أن تشاهد عن قرب كيف يتلاعب هاني بالريشة ليخيل للناظر إلى الحجر أن "الدرويش" يتراقص بجسده النحيف على وتر الكلمات المخطوطة، ولكن خط الهاتف كان حبل الوصال.

بلهجته اللبنانية الناعمة استقبل الفنان التشكيلي هاني مكالمتي، قائلًا بعدما دعاني ممازحًا إلى شرب القهوة الصباحية التركية "أرض فلسطين (ئطعة) من (ئلبي).. نفرح لفرحها ونحزن لحزنها، من لحظة ما مسكت الريشة حتى الآن هي حاضرة.. طمئني عن فلسطين وغزة؟".

ليضيف هو متسائلًا: "أتعلم أن فلسطين ستتحرر عندما نبحث عن حريتها حقًا؟ فأنا أؤمن بما قاله الشاعر جلال الدين الرومي: "ما تبحث عنه يبحث عنك", وأعكس ذلك على كل مسارات حياتي".

قاطعته بسؤال مختصر: "ماذا تعني؟" أجاب موضحًا: "منذ طفولتي كنت أحب الكشف عن الجديد والدخول إلى عالم الخيال، رغم أني قلدت والدي في رسم الشخصيات واللوحات التي كانت تطلبها الحركات الوطنية منه أثناء الحرب الأهلية اللبنانية ثم الاجتياح الإسرائيلي صيف 1982".

على درب بيكاسو

لم تتوقف المحاولات الأولى عند تقليد هاني لأعمال والده، بل بالكاد سلّم سطح طاولة خشبية من انعكاسات أفكاره خلال فترة دراسته الأساسية، فرسم البحر بسمكاته والسماء بطيورها المرفرفة، بل راح يرسم لوحات على هيئة مربعات ملونة وفق طريقة العالمي "بابلو بيكاسو" فانتبه الأب لعفوية ابنه مبشرًا إياه بمستقبل فريد.

وذات مرة، ألقت معلمة اللغة العربية القبض عليه مُتلبسًا وهو يرسم أثناء الشرح، ولكن انزعاجها من شرود هاني سرعان ما انقلب إلى إعجاب ودهشة، كونه رسمَ معلمته على الطاولة وكأنها صورة فوتوغرافية، فما كان منها إلا وأن دعت زميلاتها ليشاهدن عن قرب إبداعات بعيون.

من الواضح أن التحصيل المدرسي لضيفنا كان ينازع النجاح، يعقب على ذلك مبتسمًا: "وجدت نفسي تميل نحو الريشة وعلب الألوان وتتفوق فنيًا رغم ضعف التحصيل المدرسي، فآمنت مبكرًا أن الفن هو الحياة والمدخل إلى صفاء الذات، معتمدًا بذلك على تشجيع والدي ودعمه اللامحدود لي".

بعد إنهاء هاني دراسته المدرسية انتسب لمعهد لدارسة التصميم الداخلي والديكور لثلاث سنوات، وقبل انقضاء العام الدراسي الأول غادر بعيون المعهد اللبناني لدراسة الرسم والإعلانات في إيطاليا بناء على نصيحة معلمته آنذاك: "أنت متميز ولا حاجة إلى بذل طاقتك ووقتك هنا؛ أنصحك بالسفر لتطوير قدراتك".

هاني بعيون أثناء رسمه لإحدى لوحاته

عاد الفنان هاني إلى بيروت عام 1986، ليلتحق بمساق تعليمي قدمته وكالة الـ(lNA) الفرنسية عن التواصل وكتابة السيناريو، ثم سافر إلى العاصمة البريطانية لتعلم الرسوم المتحركة، وبعد عدة سنوات تعلم فن رسم الإنسان مع الرسام الأمريكي "Glen villpu"، قبل أن يدرس الإخراج التلفزيوني في بيروت.

ويعلق بعيون على دورة رسم جسم الإنسان بالقول: "من الضروري للفنان أن يبدع في تجسيد حالة الأشخاص والرسوم المتحركة، حتى يجعل المشاهد ينسجم مع المحتوى ويشعره أن الجلد المرسوم يوجد تحته عضلات وتحتها عظام كي يعطي اللوحة منحى حقيقيًا وليس شيئًا سطحيًا عابرًا".

حكاية التطور

وبعدما استقر الفنان اللبناني في موطنه الأصلي، فتح المجال أمامه ليتعامل مع كبرى شركات الإعلانات اللامعة على مستوى العالم من خلال مكتبٍ شخصي، وكذلك حصل على فرصة لتدريس "السيناريو والأفلام الوثائقية" في جامعة بيروت العربية، بموازاة عمله كمدير فني في قناة تلفزيونية محلية.

أول لوحة للرسام على الحجارة


بمنتهى الفخر "المتواضع" يتابع حديثه: "في البداية كان الرسم بالقلم الرصاص، ثم تطورت إلى الألوان المائية والحبر الأسود وبعدها انتقلتُ إلى الرسم الزيتي، وفي إيطاليا طورتُ مهاراتي السابقة وأتقنتُ الأعمال اليدوية بأنواعها وتعلمتُ تقنيات جديدة كالفرشاة الهوائية التي يمكن الرسم بواسطتها على جميع المُسطحات".

يتوقف عن سرد حكاية التطور ليسلط الضوء على موقف ما زالت الذاكرة الخمسينية تحتفظ بكل تفاصيله، إذ يقول: "بعدما وضعت الحرب الأهلية أوزارها أعلن عن تنظيم معرض للوحات التي رسمت خلال الحرب، حينها شاركت بلوحة بحجم ورقة الـ A4 رسمتها بقلم الرصاص لطفلة تحتضن لعبتها، ولكن البعض أعتقد أنها صورة حقيقية وتميزت وسط أعمال عشرات الفنانين".

ثم يستأنف: "دخلت عالم الفن الرقمي "digital art" المنُتج بواسطة الحاسوب والمتميز بالدقة وإمكانية الطباعة بأحجام مختلفة، وكذلك أتقنت الرسوم المتحركة بمستوى عالٍ، وتميزت بالرسم الدقيق لعالم الشخصيات اللبنانية والعربية والدولية".

نقطة تحول

انغماس هاني بعيون في الفن الرقمي ولد لديه حنينًا ورغبة في العودة إلى الأصل والطبيعة وللشغل اليدوي الذي يبعث على الصفاء والهدوء، ليكون على موعد مع ذلك قبل نحو أربع سنوات عند شاطئ خليج البترون شمال لبنان.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة ما بعد ظهر يومٍ عادي، عندما أوقف السيد هاني خط سير عائلته على الشاطئ بُرْهَة ليتلقط قطعةً حجرية ملقاة على الرمال الصفراء الملتهبة بحرارة أشعة الشمس الصيفية.

وصلت العائلة إلى مقصدها لتناول طعام الغداء في أحد المطاعم ذات الواجهة الساحلية، وقبل وصول أطباق "رزق البحر" راح الأبناء الثلاثة يتحدثون عن آخر أخبارهم، أما الأب هاني فكان يغرد صامتًا خارج السرب، سائلًا نفسه: "ماذا سيفعل بهذه القطعة الصماء؟".

أول لوحة روحانية للرسوم

مضت أيام والقطعة الحجرية ذات الهيئة الساحرة على حالها، قبل أن تشرع يداه الموهوبتان برسم تفاصيل وجه النمر بدقة متناهية وبألوان متناسقة، لتنال بذلك إعجاب كل من شاهدها وتحظى بتفاعلٍ لافت على صفحة هاني بعيون بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

توالى إنجاز القصص الملونة على الأحجار، ليجهز بعيون خلال فترة زمنية باقة متكاملة من أوجه الطيور والحيوانات المرسومة على الصخور الصماء، إلى أن أخذ عمله الفريد منحى آخر في ذات المعنى.

ويزيد: "سافرت إلى إسطنبول عام 2013 وتلمست جمال الحضارة العربية والإسلامية هناك، ثم عدت إلى لبنان سريعًا لأكون أقرب للطبيعة وأشرع في عكس الهوية والتراث والثقافة العثمانية على الأحجار باستخدام ألوان الأكريليك".

ويستغرق بعيون أيامًا لتحضير لوحات الأحجار، بعدما يقطع ساعات في تحضير المرحلة الأساسية واستلهام الفكرة وتركيب العناصر الداخلية، مضيفًا: "كل فكرة فنية تصلح للتطبيق على الحجر ولكن لكل حجر فكرته الخاصة وهويته التي تميزه".

وتشترك أغلب لوحات ضيفنا بوجود معالم الحضارة الإسلامية والثقافة الصوفية و"الطغراء العثمانية" وهو رسم كان يحمل اسم السلطان العثماني ويستعمل توقيعا وختما في البراءات والفرمانات السلطانية، وهو إشارة أيضا لاستدارة أسفل الكلمة ووجود ثلاث مدّات لحرف الألف.

واستدارة الحرف ترمز لعمامة السلطان العثماني أما المدّات الثلاث فترمز للريش الذي كان يمسح فيه السلطان قبر الرسول محمد عليه الصلاة والسلام قبيل استلامه الحكم كعادة عثمانية تعارف الحكام على تطبيقها.

روحانية الفن

لوحاته تجعلنا نفكر مرارا بأي شيء نراه حولنا.. أليس كذلك؟ ليكون هذا الجماد هو عنصر أساس للفن إذا عرفنا أن الطبيعة تحاكينا واستماعنا لها، وذلك يبرز برسمه لكلمات الآية القرآنية "وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى" معطيًا حروف الألف الثلاثة مكانة لافتة وكذلك لحروف الواو، مكملًا جمال اللوحة برسم "الدرويش" في الأسفل.

ويعلق بعيون "للدراويش الصوفيين قيمة خاصة في أعمالي فكما الزاهد ذو "التنورة" يلتف حول نفسه وسط الناس ليترفع عن الخلق والدنيا، فإن هذا الفنّ يرفع المتأمّل به إلى عالم آخر من النقاء والهدوء الوجداني".

من رسوماته
ويبين بعيون أن "حرف الواو في الثقافة العثمانية يعني الحياة بأكملها فالولادة تبدأ بحرف الواو، وكلمة الوفاة أيضًا، ورسم حرف الواو يشبه شكل الجنين في بطن أمه، فحرف واحد قادر على اختصار كل مراحل الحياة".

والدراويش هم زهاد بعض الطرق الصوفية شديدي الفقر والمتقشفين عن اقتناع وإيمان وهم يعيشون على إحسان الآخرين زهدًا بامتلاك أي أملاك مادية.


ما أصعبها من لحظة حين تتفتت قطعة حجرية بين يديّ



ويسعى الفنان اللبناني، الذي يفضل أوقات الصباح في إنجازات أعماله، إلى تشكيل لوحة فنية واحدة من عدة أحجار تتكامل بالمعنى قبل الشكل، قائلًا: "الإنسان حصيلة تجارب صقلت شخصيته على مر الزمان, وكذلك الحجر عاش ظروفًا متعددة شكلته، إلى أن وصل إلى يد الفنان فأضاف جمالًا على جمال".

نصيحة لواضع الصفر

مراحل التطور السابقة جمعها بعيون في معرضه الأول ببيروت تحت عنوان "خطى ملونة"، فاستقطب أنظار الباحثين عن الفن وأوقف الجمهور طويلًا ليتأمل مضامين أعماله التي تخاطب النفس البشرية أينما كانت.

"الفن واجهة الشعوب والحضارات" يعلق بعيون على تلك العبارة بالقول: "تحكي الريشة والألوان حكاية الشعوب وإنجازاتها، فالفن إرث الحضارات وهوية الأمم"، مبينًا أنه يعيش أجمل لحظاته عندما ينسى كل ما حوله ويصبح هو ولوحته كيانًا متكامل الأضلاع.


حياة ضيفنا الاجتماعية كانت ذات مذاق فني أيضًا، فارتبط بسيدة لبنانية امتلكت أسرار إعداد الطعام عن ظهر حب، فتبادل الزوجان الآراء؛ أي أن هاني يستشير زوجته بتنسيق الألوان وبطرق جذب الجمهور، والعكس صحيح.

لكل حجرٍ فكرته الخاصة وهويته التي تميزه


ولما سألناه عن التحديات التي تواجهه، أجاب: "تفرض عليك متطلبات الحياة الانشغال بها على حساب ممارسة الفن، ورغم ذلك أسعى إلى التفرغ للرسم والطواف حول العالم بمعارضي"، مؤكدًا أن أخطر ما يقتل روح الفن هو انفصال الفنان عن الواقع وجعل مخرجاته مرتبطة بمزاجه لا بما تفرضه احتياجات الميدان.

حديثه الشائق معنا ختمه ضيفنا العزيز "هاني بعيون" بابتسامة ممزوجة بذكر "نكسة" يتعوذ من وقوعها كلما همّ بالرسم على الأحجار: "أصعب ما أعيشه هي لحظة تفتت قطعة حجرية بين يدي، وتحولها إلى قطع متناثرة هنا وهناك بعدما أمضى ساعات وأيامًا في الرسم عليها".

ولم يفته أن يدعو الفنانين التشكيليين إلى "البحث عن البصمة الذاتية وتجنب التقليد" ناصحًا إياهم بما نصح معلمه واضع الصفر الأول، الذي التقاه مصادفة في أحد شوارع بيروت قائلًا: "اصنع محتوى ذا جودة عالية حتى يتهافت أصحاب العمل عليك وإن استغرق منك طاقة ووقتًا كبيرين".


من رسوماته

ملفات أخرى متعلفة