حقوقيون يعدون قرار تشكيلها "باطلاً وغير شرعي"

"المحكمة الدستورية".. خطوة استباقية لقطع طريق "توريث الرئاسة"

غزة - محمد أبو شحمة
بعد سنوات من الفراغ الدستوري، وصدور عشرات القرارات عن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس دون سند دستوري يعتمد تلك القرارات ويبت بشرعيتها وينشرها في الجريدة الرسمية بعد اعتمادها، أصدر عباس قرارا رئاسيا بتشكيل أول محكمة دستورية عليا للفصل في تلك القرارات.

ويعتبر قرار عباس محكمة دستورية أحد البدائل التي لجأ إليها لتمرير والفصل في القرارات التي تم اتخاذها خلال سنوات الانقسام السياسي الفلسطيني، رغم عدم قانونية تلك المحكمة لعدم وجود قانون دستوري فلسطيني بالأصل، ووجود قانون أساسي مؤقت.

ولم يراع عباس عند اختياره أعضاء المحكمة شروط تعيين القضاء التي نص عليها القانون الأساسي الفلسطيني، والذي يشترط أن لا يتولى عضو المحكمة أي وظيفة أخرى، أو أن لا يمارس نشاطاً تجارياً أو سياسياً أو حزبياً، وإذا كان منتمياً إلى حزب، فعليه الاستقالة قبل حلف اليمين القانونية.

وأدى أعضاء المحكمة الدستورية العليا أول من أمس، في مقر الرئاسة في رام الله اليمين القانونية أمام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

واتهم رئيس اللجنة القانونية في المجلس التشريعي الفلسطيني محمد فرج الغول، عباس، بعدم الالتزام بهذا البند من القانون الأساسي، وتعيينه شخصيات تتبع لحزب فلسطيني، وهو ما يبطل تلك المحكمة قانونياً، إضافة إلى عدم التوافق والرجوع إلى أحد عند تشكيل تلك المحكمة.

حسابات سياسية


الباحث في الشؤون السياسية والقانونية عماد صلاح الدين، أكد أن قرار تشكيل المحكمة الدستورية العليا "غير دستوري"، وذلك يرجع إلى عدم توفر قانون دستوري فلسطيني وقانون أساسي مؤقت، الأمر الذي يبطل تشكيل تلك المحكمة لعدم توفر قانون تستند إليه.

ويقول صلاح الدين في حديثه لصحيفة "فلسطين": "إن قانون المحكمة الدستورية رقم (3) لسنة 2006 الموجود في القانون الأساسي الفلسطيني ينص على أنه يتم التشكيل الأول للمحكمة بتعين رئيس المحكمة وقضاتها، بقرار من رئيس السلطة الفلسطينية، بالتشاور مع مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل".

ويضيف "يعين رئيس وقضاة المحكمة بقرار من رئيس السلطة الفلسطينية بناء على تنسيب من الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، ولكن هنا رئيس السلطة محمود عباس منتهية ولايته منذ عام 2009، وتشكيله للمحكمة الدستورية يعتبر باطلاً قانونياً، ولا يحق له القيام بذلك لأن القانون واضح في هذه المسألة".

ويوضح أن تشكيل محكمة دستورية يتطلب أيضا استقرارا سياسيا وقانونيا، ولكن الحالة الفلسطينية تفتقد لتلك الشروط، كذلك يجب الرجوع والتوافق مع مختلف الجهات السياسية الموجودة على الساحة الفلسطينية في ظل نهاية ولاية الرئيس لكي تأخذ تلك المرحلة طابع القانون.

ويبين أن الهدف من تشكيل تلك المحكمة في هذا الوقت هو محاولة للخروج من مأزق غياب الشرعية في حالة توفي الرئيس عباس، وإمكانية تعيين رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك لرئاسة السلطة حسب القانون الفلسطيني الذي يعطيه رئاسة السلطة لمدة 60 يوماً.

ويشير إلى أن لتشكيل تلك المحكمة هدف أساسي "هو الالتفاف على القانون الفلسطيني من خلال تعيين رئيسا لقيادة السلطة في حالة توفي الرئيس عباس، وعدم السماح للدويك في رئاسة السلطة لحسابات حزبية خاصة بالسلطة".

رئيس جديد منتخب


القانوني عبد الكريم شبير يؤكد أن تشكيل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لمحكمة دستورية، جاء للفصل في القرارات التي صدرت سواء التعيينات السيادية أو القرارات التي صدرت في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، وإقرارها ونشرها في صحيفة رسمية.

ويقول شبير لـ"فلسطين"، إن "القانون الأساسي الفلسطيني لا يعطي الحق لرئيس المحكمة الدستورية تولي رئاسة السلطة الفلسطينية بعد وفاة الرئيس، حيث يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام رئاسة السلطة مؤقتاً لمـدة لا تزيد عن ستين يوماً، تجرى خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد وفقاً لقانون الانتخابات الفلسطيني".

ويوضح أن القانون الأساسي الفلسطيني يختلف عن النظام المعمول به في جمهورية مصر العربية الذي يعطي رئيس المحكمة الدستورية العليا تولي رئاسة الجمهورية في حالة كان منصب الرئيس شاغرًا لأي من الأسباب.

وتعتبر المادة 37 من القانون الأساسي الفلسطيني مركز رئيس السلطة شاغراً في أي من الحالات الآتية: الوفاة، الاستقالة المقدمة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني إذا قبلت بأغلبية ثلثي أعضائه، فقد الأهلية القانونية وذلك بناء على قرار من المحكمة الدستورية العليا وموافقة المجلس التشريعي بأغلبية ثلثي أعضائه.

رسائل للرئيس


كذلك وجهت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية رسالة إلى رئيس السلطة محمود عباس فور الإعلان عن تشكيل المحكمة الدستورية العليا، طالبته بـ"ضرورة أن يأتي تشكيل المحكمة الدستورية العليا خطوة لاحقة تتوج إعادة الحياة الدستورية المتمثلة بإجراء الانتخابات العامة (الرئاسية والتشريعية) وإعادة توحيد القضاء الفلسطيني".

كما طالبت المؤسسات الحقوقية بـ"أن لا يأتي تشكيل المحكمة مبنياً على محاصصة سياسية يسعى من خلالها أي حزب أو جهة سياسية للسيطرة على هذه المحكمة، خاصة أن المحكمة الدستورية العليا، هي حارسة القانون الأساسي، وحامية الحقوق والحريات العامة، فحياديتها ونزاهتها واستقلاليتها شأن ينبغي عدم المساس به".

ودعت عباس إلى "ضرورة أن يراعي تشكيل المحكمة الدستورية العليا تمثيل النساء كمعيار غير تمييزي، وتحقيقاً لالتزامات دولة فلسطين تجاه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي انضمت لها دون تحفظات، وفي سبيل تحقيق المساواة، ولما فيه من خطوات في سبيل تحقيق العدالة بين المواطنين والمواطنات الفلسطينيات كافة".

وتطلعت المؤسسات الحقوقية الموقعة على الرسالة إلى شراكة حقيقية وأداء تكاملي بين المجتمع المدني ومؤسسات دولة فلسطين، حيث عبرت عن تفاجُئها من حالة التكتم والسرعة التي تمت فيها هذه التشكيلة، دون الأخذ بعين الاعتبار مطالب المؤسسات التي سبق أن قدمتها في مذكرات رفعتها للرئيس عباس في عام 2014.

والمؤسسات الموقعة، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان- مجلس منظمات حقوق الإنسان، ويتألف من مؤسسة الحق "القانون من أجل الإنسان"، ومركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، ومركز إنسان للديمقراطية وحقوق الإنسان، ومركز الميزان لحقوق الإنسان، ومؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فرع فلسطين، ومركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، ومركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين- بديل، ومركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية "حريات"، والمركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء (مساواة)، وشبكة المنظمات الأهلية، والمؤسسة الأهلية لاستقلال المحاماة وسيادة القانون (استقلال)، ومؤسسة مفتاح.

وكان رئيس السلطة محمود عباس أصدر الأحد الماضي، بتشكيل أول محكمة دستورية في فلسطين مكونة من تسعة أعضاء.

وتتكون المحكمة من القضاة: محمد عبد الغني أحمد الحاج قاسم- رئيساً، أسعد بطرس سعيد مبارك- نائباً للرئيس، والأعضاء: عبد الرحمن عبد الحميد عبد المجيد أبو نصرا، فتحي عبد النبي عبد الله الوحيدي، فتحي حمودة أبو سرور، حاتم عباس محمد صلاح الدين، رفيق عيسى إبراهيم أبو عياش، عدنان مطلق محمود أبو ليلى، فواز تيسير فؤاد صايمة.

ملفات أخرى متعلفة