"القرية البدوية" تحتضن أول مشروع نجارة للفتيات

جانب من المنتجات الخشبية للفتيات
غزة - نجلاء السكافي
بإبداعِ أيدٍ نسوية تُصمَّم ألعاب ودمى تعليمية للأطفال في قريةِ "أم النصر" أو ما يُعرف بـ"القرية البدوية" التي يعمُّ أرجاءها الهدوء ولا يسمع الماضي في شوارعها إلا أصوات الطبيعة الغنّاء، وينعم ساكنوها ببساطة حياة الريف التي جُبِلوا عليها، تعمل مجموعات من النسوة كخلية نحلٍ في مبنى مركز زينة للمرأة الذي صُمِّمَ بطريقةٍ عصرية واكتسى بلونِ الطوب الأحمر على خلافِ بساطة البيوت والسكان هُناك، فما أن تدلف إلى الداخل تترامي إليك أصوات آلات ومُعدات خُصِصت للنجارة من تقطيع الخشب إلى تنعيمه وصنفرته، ضمن مشروع تنموي تقوم عليه مؤسسة "Vento di Terra" الإيطالية.

متعة العمل


"تتلقى المتدربات تصاميم الأعمال من مهندسين متخصصين، وتقوم فكرة العمل على إنتاج ألعاب أطفال جميلة وآمنة وذات جودة عالية ورخيصة الثمن؛ لأن الهدف الأول والأخير منها ألا تؤذي الطفل وكونها ألعابًا خشبية فهي ليست خطرة ولا تتسبب بأي ضرر على صحته"، هذا ما أكدته غدير تايه "المسئولة عن المتدربات في مشروع النِجارة".

وأضافت: "يتركز عملنا في المشروع بقص وصقل الخشب وتنعيمه وقمنا بعمل عداد ودمية تركيب الحروف، إضافة إلى أدوات طهي وأدوات نجارة ومجسمات لماكينة خياطة، كذلك أنتجنا دمى وطاولات كي وخزانة أطفال، فالألعاب التي نقوم بعملها تتركز في جانبين الأول منهما يهتم بدمج الطفل بالواقع المحيط من خلال دمى وأدوات ملموسة والآخر هو إنتاج ألعاب تعليمية تساعد في التركيز والانتباه وتفتح آفاقًا في ذهن الطفل فتنمي من قدراته في التخيل والإبداع".

وواجهت الفتيات في بداية ارتيادهن المشروع بعض الانتقادات من المجتمع المحلي حولهن والقليل من الصعوبات أثناء العمل إلا أنهن تجاوزن كل تلك الأطر بمتعة العمل، فتقول المتدربة مريم أبو شماس: "خضت المشروع كتجربة ولم نتوقع أنا وزميلاتي أن نتمكن من المواصلة, ومن المُضحك أننا كنا نتساءل كيف سنصنع هذه الألعاب وكيف سنعمل على هذه الآلات لكن فكرة المشروع كانت متميزة وجديدة ونحن رغبنا في رؤية قدراتنا على مِثل هذا العمل وبفضل الله قد أثبتنا أنفسنا وأحببنا المجال وتخطينا التعب بشعور المتعة في إنجاز العمل".

وواجهت الفتيات صعوبات طبيعية في بداية المشروع تمثلت في صعوبة تعاملهن مع الآلات لارتفاع صوتها أو حِدة الشفرات في بعضها, ثم مع العمل المتواصل أصبحن متمكنات أكثر في الإنتاج ولديهن مرونة وسرعة أكبر في العمل، وقد وفرت لهن المؤسسة نظارات وكمامات ومسكات وسماعات إضافة إلى زي خاص للعمل, مُتبعة كل ذلك بصيدلية مُجهزة بأدوات طبية للطوارئ فالجو لديهم مناسب وآمن للعمل.

كما تتلقى الفتيات جوا داعما من أسرهن، فتقول غدير تايه: "زوجي أول من شجعني على العمل وهو يبث فيّ روح المواصلة والمثابرة باستمرار لا سيما عندما تفتر همتي بعض الشيء".

وتؤكد أبو شماس حديثها قائلة: "هناك احتضان ورعاية من الأهل على الاستمرار في العمل، وأُسرنا تهتم بإنجازاتنا وهم في تشجيع دائم لنا على الإنتاج والتطور في العمل دون إصغاء آذاننا لانتقادات الآخرين غير المُجدية".

المركز النسوي الوحيد


من جهتها، بينت انتصار أبو رواع منسقة الأنشطة مركز زينة للمرأة أن فكرة المشروع تتمحور في القيام بعمل وسائل تعليمية لرياض الأطفال تدعم التعلم النشط "التعلم عن طريق اللعب"، مشيرةً إلى أن الفتيات تلقين العديد من الدورات المتخصصة بالشراكة مع معهد كنعان التربوي الإنمائي في إطار 80 ساعة تدريبية مقسمة على جزأين الأول نظري والآخر عملي.

وقدمت منظمة العمل الدولية كل ما يحتاجه المشروع من آلات للنجارة كما وفرت للمركز المواد الخام وزودتهم بأربعة مُدربين متمكنين ليدربوا الفتيات على النجارة ويعلموهن استخدام الآلات والمعدات، وقد احترمت المؤسسة الداعمة عادات وتقاليد المجتمع فقد عُرِفت "القرية البدوية" بأنها منطقة مُحافظِة ترفض اختلاط فتياتها بالشبان وإقامة الدورات المختلطة، مما عمل على فتح باب الإقبال لدى النسوة على المشروع بشكل كبير.

ويُعاني سكان قرية أم النصر بشكلٍ عام من وضع اقتصادي صعب نوعًا ما فالكثير من الفتيات المقبلات كن يتأملن في أن يوفر إليهم المشروع دخل وأن يفتح لهم باب رزق، ولا يوجد أمام السيدات في القرية إلا هذا المكان فهو المركز النسوي الوحيد الذي يستهدف الفتيات ويهتم بأمورهن ويرعى نشاطاتهن.

تقول أبو رواع: "المركز هو المكان الوحيد الذي احتوى فتيات القرية واهتم بملء أوقات فراغهن وتعليمهن مهارات جديدة وحرفًا متنوعة، وهو يقوم على مشروع خياطة قائم مُقابل لمشروع النجارة".

ويهدف مركز زينة للمرأة إلى دعم وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمرأة، فالمركز يقوم بعقد العديد من الورشات الاجتماعية والثقافية والصحية للسيدات.

ويساعد هذا المشروع في إبراز قدرات الفتيات التي لم تُتَح لهن الفرصة ليخرجن, وقد يُسهم كذلك في إظهار هذه المواهب لكي تتبلور إلى منتجات إبداعية تنم عن حضارة المرأة البدوية الفلسطينية.

ملفات أخرى متعلفة