هل يحقق الروس المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية

د. أيمن أبو ناهية
الأحد ١٤ ٠٦ / ٢٠١٥
بالرغم من توقيع اتفاق الشاطئ العام الماضي, إلا أن شيئًا منه لم ينفذ بعد على أرض الواقع سوى تشكيل حكومة التوافق الوطني التي تماطل وتتلكأ في القيام بالمهام التي أوكلت لها خصوصًا في قطاع غزة. هل يعني هذا أن حديث إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي بات يشبه الحديث عن الوحدة العربية، التي تغنّى بها العرب وحلموا بها أكثر من خمسين سنة، ربما يكون الجواب بطعم العلقم، وهو "نعم"، ولكن حتى في ظل مثل هذا الاحتمال، لا بد من البحث في كيفية تطوير "العلاقة الأخوية" بين الأخوين أو الشقيقين الفلسطينيين، على الطريقة الأوروبية أو حتى الخليجية العربية، فإن كان تحقيق الوحدة على الطريقة اليمنية، ليس في متناول اليد في المدى المنظور، فلا أقل من البحث في السياسات والإجراءات التي "توحد" مجتمعي غزة والضفة، وهي سياسات وإجراءات واجبة وضرورية، حتى في ظل سلطة سياسية واحدة، لأن وحدة المجتمع والشعب هي ضمانة وحدة ووحدانية السلطة السياسية، ومع الأخذ بعين الاعتبار العقبة الجغرافية، ووجود الاحتلال الإسرائيلي في طريق الوحدة، فإن ذلك يحتم البحث الإستراتيجي في هذه المسألة بالذات، ذلك أنه حتى لو تحققت المعجزة، وأعلن عن إنهاء الانقسام، وعن توحيد شطري الوطن/ الدولة، فلا بد من ضمانة تحول دون تكرار ما حدث قبل ثماني سنوات، مرة أخرى.

إننا لسنا الآن بصدد إلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك أو تحميل مسؤولية الانقسام إلى أي طرف كان, فالكل شريك في الهم، لكن ما أردت توضيحه هنا هو من الخطأ والخطر اختزال المشكلة بين فتح وحماس في الانقسام الذي أبعد غزة عن الضفة بقدر ما أبعد حماس عن فتح، وجاء نتيجة لخلافات سياسية وأخرى سيادية، ومن الخطأ والخطر توهم أن الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تفوض الغالب منهما بالتحكم في خيارات ورؤية ومصالح المغلوب ويتحكم الاحتلال في إجرائها ونتائجها, ستحل هذه الخلافات، ومن الخطأ والخطر تجاهل الأسئلة "فوق الخلافية" التي يجب أن يجاب عنها قبل الانتخابات، ومن الخطر والخطأ أن يتمحور أي لقاء وعلى أي مستوى حول سبل الالتفاف على القضايا الأساسية بالكلام في التقاسم والتنافس.

فقد دخلت روسيا على خط المساعي لتحقيق المصالحة الوطنية بين حركة "حماس" وحركة فتح لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وكان هناك عرض روسي نقله نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف, الذي يشغل أيضًا منصب المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين, إلى الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، باستضافة لقاء القيادات الفلسطينية في موسكو؛ لتذليل العقبات وتقريب وجهات النظر وحث الطرفين على تنفيذ ما تم التوقيع عليه.

لا شك أن الطريق أمام اتفاق المصالحة ليس مفروشًا بالورود أمام الرفض الأمريكي والتهديد الصهيوني بفرض عقوبات اقتصادية على السلطة من جانب وتشديد الحصار على غزة من جانب آخر. وحتى يتم تذليل كل العقبات أمام المصالحة, لا بد من الصمود أمام هذه التهديدات, وهذا لا يتأتى إلا من خلال الإصرار على المصالحة لتحقيقها مهما كلف الأمر سواء كان بوساطة روسية أم وساطة دولية، كما يجب توفير شبكة أمان عربية لحماية المصالحة، وهو ما يحمل في دلالته خشية على نجاح الاتفاق خاصة في ظل الضغوط المالية والسياسية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية والقطاع المحاصر، لذا فإننا اليوم بحاجة لإستراتيجية جديدة تقوم على أساس أن عملية التسوية قد فشلت، وأن الزمن يسير ويتطاول لصالح التهويد والاستيطان، فيجب على الشعب الفلسطيني أن يتوحد على قلب برنامج سياسي واحد فإن العالم العربي والعالم بأسره سيقف معنا.

أقول: نحن الآن أمام مفترق طرق خطير, فإما أن نجتاز هذه المرحلة وننجو بجلودنا من العدو الأساسي "الانقسام" على طريقة قبيلتي الأوس والخزرج في ظل الإسلام, أو أن نرجع إلى الجاهلية الأولى ونبقى منقسمين أبد الدهر، ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: ما هي حسابات الطرفين التي تمنع إقدامهما على إنهاء الانقسام؟، نظن أنها حسابات عديدة، وهناك وقائع على الأرض تمنعهما من تحقيق المصالحة رغم أن تذليلها ليس أمرًا صعبًا أو معقدًا كما يعتقد البعض ولعل الجميع يعرف ذلك ولا أريد أن أطيل، لكن ما هو ظاهر للعيان أن سياسة عض الأصابع ما زالت قائمة، حيث يعتقد كل طرف بأن الوقت يمكن أن يكون في صالحه، ثم إنهما يعيشان مع حالة الانقسام والجميع كان متألمًا ومتضررًا، وللأسف, إننا أدرنا الانقسام بنجاح ولكننا اليوم ندير المصالحة بفشل.

ملفات أخرى متعلفة