إقرأ المزيد <


في المقاومة..

حركة فتح.. تاريخ من الانشقاقات (3)

د.عصام عدوان
ثلاثاء ٢٧ ٠١ / ٢٠١٥
تجمعت لدى قادة الانشقاق الكبير عام 1983م الكثير من الملاحظات؛ سياسية وتنظيمية وعسكرية ومالية، كقبول قيادة فتح لمشروع قمة فاس، والتعاطي مع مبادرة ريغان، وتطوُر العلاقة مع نظام كامب ديفيد، وعدم انقطاع القنوات السرية معه، والاتصال بالقوى الصهيونية بذريعة أنها من دعاة السلام. وأن هذه المواقف السياسية وغيرها لم تصدر عن أطر شرعية داخل فتح أو منظمة التحرير، كما لمس المنشقون توجهات لدى القيادة للاعتراف بالكيان الصهيوني ومنحه الشرعية.

ومن الأسباب التنظيمية، عدم منح الاحترام والتطبيق لقرارات المؤتمر العام، وتجاوُز نصوص النظام الأساسي؛ عند اتخاذ أبو عمار قراراً بتجميد نمر صالح عن حضور جلسات اللجنة المركزية بعد الخروج من بيروت، حيث لا يوجد ضمن العقوبات شيء يسمى التجميد عن حضور الجلسات. كما قرر أبو عمار تنحية سميح أبو كويك (قدري) عن ممارسة مهامه كنائب لمسئول التعبئة والتنظيم في فتح، كما طالبوا بإعادة توزيع الاختصاصات داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري وإعادة تنظيم مكاتب منظمة التحرير في الخارج.

ومن الأسباب العسكرية تسليم قيادة القوات في شمال لبنان للحاج إسماعيل جبر وفي البقاع لغازي عطا الله ( أبو هاجم)، اللذين اتهمهما قادة الانشقاق بالانهزام والانحراف، وإقصاء 51 كادراً عسكرياً عن مواقعهم، وإرسالهم إلى المنافي، وإخراج معظم قوات الثورة الفلسطينية من لبنان، وتوزيعها على عدد من البلاد العربية، لإخلاء الساحة اللبنانية، استجابة لمطالب أمريكية وتصفية قوات العاصفة بإلحاقها بجيش التحرير الوطني الفلسطيني الذي وضع داخل لبنان تحت قيادة أبو هاجم، وهو ما أثار فزع المنشقين. ومنع أي مقاتل من العودة إلى الساحة اللبنانية حتى لو كان عياله في سوريا أو لبنان ومن عاد منهم فُصلوا وقطعت مخصصاتهم.

ووجّه القائمون على الانشقاق انتقاداتهم عبر مذكرة في 27/1/1983، واستشعر أبو عمار خطرهم فعمل على إلى تهميش قيادات هذا التوجه داخل المجلس الوطني المنعقد في فبراير 1983، إلى أن قام العقيد سعيد موسى مراغة (أبو موسى)، ومعه اثنان من الضباط الذين تم تسريحهم من قبل عرفات، بالاستيلاء على مقرَي قيادة الكتيبتين الأولى والثانية التابعتين لقوات اليرموك التابعة لفتح في 9/5/1983، وأعلنوا بدء (حركة تصحيحية) في فتح، وأعلن نمر صالح (أبو صالح)، وسميح أبو كويك (قدري)، والعقيد موسى العملة (أبو خالد)، تأييدهم من دمشق، وتبعهم العقيد محمد البدر (أبو مجدي)، ونائب قائد قوات الكرامة المقدم زياد الصغير (أبو حازم)، وقائد المدفعية المقدم واصف عريقات ( أبو رعد)، وقائد الكتيبة السادسة الرائد محمود عيسى (أبو عيسى)، وغيرهم من كبار الضباط في وقت لاحق، ومهدي بسيسو (أبو علي)، ود.إلياس شوفاني، وجميعهم أعضاء في المجلس الثوري لفتح.

وطالبوا بوقف الإجراءات السياسية والعسكرية والمالية والتنظيمية الأخيرة، والدعوة لعقد مؤتمر عام طارئ للحركة لحسم الأمور. فصدر بيان عن اللجنة المركزية لفتح في 22/5/1983 وُضع فيه خمسة ضباط من قادة التمرد بإمرة القائد العام( عرفات)؛ أي إحالتهم إلى الاستيداع، وهم: أبو موسى وأبو مجدي وأبو رعد وزياد الصغير وأبو عيسى. ودعا البيان لعقد المجلس الثوري لمناقشة أوضاع الحركة والتحضير لعقد المؤتمر العام، وترافق مع هذه الإجراءات توجيه إنذار إلى ثوار العاصفة بوضعهم تحت طائلة المسئولية إذا أقدم أحدهم على الاتصال بأحد المنشقين. رفض المنشقون قرارات الاستيداع وقرروا استمرار تحركهم حتى إفشال مشروع ريغان، ومنع النظام الأردني وقيادة منظمة التحرير من الانضمام إلى "مفاوضات الخيانة" مع العدو، ودعوا إلى تشكيل جبهة وطنية فلسطينية في إطار منظمة التحرير تشترك مع القوى الوطنية اللبنانية في تحويل البقاع وشمال لبنان إلى قاعدة نضالية لدحر الاحتلال الصهيوني عن لبنان، وإحباط الاتفاق اللبناني- الصهيوني. كما رفضوا دعوة البيان للمجلس الثوري بالتحضير لعقد المؤتمر العام الخامس للحركة، فقد كانت مطالبة المنشقين بعقد مؤتمر عام طارئ وليس عاديا، حيث ينعقد المؤتمر الطارئ بنفس الأعضاء القدامى، ويتسم انعقاده بالسرعة، ويخصص لدراسة الإشكال القائم.

اتهم أبو عمار كلا ًمن سوريا وليبيا بدعم الانشقاق. لكن المنشقين لم ينشغلوا في الرد بل لجأت قواتهم إلى الاستيلاء على ستة مكاتب إدارية لحركة فتح بدمشق يوم 29/5/ 1983 ، فقامت قوات فتح بمحاصرة قوات المتمردين في البقاع وحالت دون وصول الماء والغذاء إليهم، ثم أمر أبو جهاد، قائد قوات فتح في البقاع العقيد أبو هاجم بقصفهم بالمدفعية والصواريخ يومي 4و18/6/ 1983، ثم اتهمت المتمردين بالبدء بالهجوم العسكري، بحيث غدا الاتهام بالهجوم العسكري متبادلاً.

فشلت محاولات أبو عمار في انتزاع قرار من اللجنة المركزية لفتح أو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أو حتى المجلس الثوري لفتح بضرب المتمردين وتصفيتهم، وقرر أن يتصرف منفرداً.

طرح المتمردون فكرة استقالة قيادة فتح الحالية وتشكيل لجنة رباعية من: أبو إياد وأبو جهاد وأبو صالح وقدري، للإعداد للمؤتمر العام لفتح، ورُفض اقتراحهم، واعتبرت قيادة التمرد في بيان سياسي وزع في 21/6/1983 أن عرفات وقيادته نفذوا هجوماً متسلسلاً ومبرمجاً ضد مواقع المنشقين في البقاع والشمال اللبناني وقرروا مواجهة هذا التصعيد، فقاموا ليلة 20- 21/6/1983 بعملية "تطهير لبؤر الفساد التي بناها أبو هاجم"، وتم الاستيلاء على جميع مواقعهم ولو ببعض الخسائر البشرية.

اتهمت قيادة فتح المنشقين بمحاولة السيطرة على قيادة كتيبة شهداء أيلول في البقاع، والسيطرة على معسكر تدريب فتح في حمورية قرب دمشق. وتطور القتال بين الطرفين في البقاع وأسفر عن سقوط 15 مقاتلاً وعشرين جريحاً في صفوف قوات فتح، واشتركت الجبهة الشعبية القيادة العامة ومنظمة الصاعقة في القتال ضد قوات فتح، فقامت فتح باعتراض سيارة للمتمردين واعتقلت منها 11 عنصراً من منظمة الصاعقة، وسقط في القتال مسئول مكتب حركات التحرر الوطني في فتح، واعتُقل المقدم نصر يوسف قائد قوات اليرموك.

كرر أبو عمار اتهامه لدمشق أثناء تواجده فيها، وندد بتدخل القوات السورية، وزعم تعرضه لمحاولة اغتيال على الطريق ما بين دمشق وحمص. فوجه إليه رئيس الأركان السوري حكمت الشهابي رسالة في 24/6/1983 يطلب منه مغادرة سوريا وعدم العودة إليها مستقبلاً. وهكذا أفسد أبو عمار اجتماعاً مقرراً لقادة المقاومة الفلسطينية في دمشق كان متوقعاً أن يكون لغير صالح أبو عمار وقيادة فتح.

وتدخلت وساطة سعودية وجزائرية، وتعقَّد الموقف أكثر مع مطالبة الأسد أبا عمار بالاعتذار ومطالب تنظيمية وسياسية أخرى. ولذلك أعلنت القوات السورية في 31/7/1983 بدء تدخلها المباشر إلى جانب تحالف( المنشقين – القيادة العامة – الصاعقة)، حيث حاصرت قوات اليرموك في البقاع، وطلبت منها إخلاء المنطقة، بعد أن فشلت قوى المتمردين في طردها طيلة سبعة أيام سابقة من المعارك. وفي منتصف سبتمبر 1983ظهر عرفات فجأة في مدينة طرابلس اللبنانية، وبدأت التوترات تعود مجدداً بينه وبين السوريين.

في هذه الأثناء، كانت تحشدات فتح جارية على قدم وساق باتجاه مدينة طرابلس شمال لبنان، منذ 20/9/1983، وحتى 17/10 عندما نادى رئيس أركان جيش التحرير الفلسطيني الموالي لسوريا، محمد طارق الخضرا، باستبدال ياسر عرفات كرئيس لمنظمة التحرير، وأيدته منظمة الصاعقة. وبالتالي تغيرت لهجة المنشقين تجاه عرفات؛ فاتهموه بالخيانة، ونادوا بضرورة اعتقاله ومحاسبته، حيث قال أبو صالح في 24/10/1983:" لا بد من محاكمة أبو عمار على الوضع الذي أوصل إليه م.ت.ف. وحركة فتح، وأن موضوع إقالته لم يعد كافياً "، وانتقد قادة التمرد برنامج الإصلاح المقدم من الجبهتين الشعبية والديمقراطية معتبرينه "موقفاً وسطياً يخدم اليمين".

لكن القتال بين المنشقين وحلفائهم، وبين قيادة فتح وحلفائها قد استمر، حتى خلال المساعي السلمية الجارية بينهما، وتركز منذ أواخر سبتمبر 1983 في مدينة طرابلس ومخيماتها، وخصوصا مخيمي البداوى ونهر البارد، وسقط عدد محدود من القتلى والجرحى من الطرفين، أدانته كافة الفصائل الفلسطينية واللبنانية، وإثر مؤتمر الأقاليم لحركة فتح، من 7-8/11/1983 في تونس، قررت اللجنة المركزية الطرد من فتح والحرمان من العضوية لكل من: نمر صالح، وسميح أبو كويك، وسعيد موسى، وموسى العملة، وإلياس شوفاني، وموسى عوض، ومهدي بسيسو، ومحمد البدر، وزياد الصغير، وواصف عريقات. واستؤنف القتال في الشمال اللبناني حتى جرت محادثات لترحيل مقاتلي فتح بضمانات من سوريا والسعودية، وعبر البحر بضمانة فرنسا ومصر، حيث غادر عرفات طرابلس في 19/12/1983 بحماية البحرية الفرنسية وأشاد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بعملية إخراج عرفات وحمايته في البحر باعتبارها عملية تخدم السلام، فقال: "إن إنقاذ عرفات يخدم السلام مع إسرائيل".

ورغم أن التأييد كان عارما داخل قواعد فتح لأصحاب التحرك التصحيحي في بدايته، إلا أن معسكر المترددين كان كبيراً لاعتبارات كثيرة.

لكن نشوب القتال، وسقوط قتلى وجرحى، وتدخل سوريا بشكل علني ومباشر، وممارسة القيادة التقليدية لفتح كل ما باستطاعتها من تحريض لقواعدها واتهامات لا حصر لها وإعلام واسع النطاق والطعن في مصداقية الأخبار التي ترد من الطرف الآخر؛ فضلاً عن استغلال المال والرواتب بشكل حاسم في كثير من الأحيان بالترغيب والترهيب بقطع المخصصات، كل ذلك أثر سلباً على التأييد الحاصل داخل قواعد الحركة تجاه المنشقين، وأدى إلى حسم موقف معظم المترددين إلى جانب القيادة التقليدية. فضلاً عن سوء التصرف الحاصل داخل صفوف المنشقين؛ حيث وقع نزاع على القيادة، فتم عزْل أبو صالح، وجُرِّد من صلاحياته، حيث طلب منه عبد الحليم خدام، وزير الخارجية السوري، التنحي. وكان ذلك بناء على مشاورة تمت بينه وبين قدري؛ الذي ظن أن الحركة ستكون أكثر فاعلية بدون أبو صالح، لكنه لحق به، وقامت القيادة التي غدت متمثلة في أبي خالد العملة، بفصل أعضاء لجنة شئون الأردن، التي يرأسها قدري، من حركة( فتح الانتفاضة)، وذلك بعد أن قطعت مخصصات كافة المتفرغين في هذه اللجنة، وتجاوزت الأنظمة واللوائح التي زعمت الالتزام بها لحظة تحركها التصحيحي، واتخذت من الفئوية والجهوية أساساً للحظوة أو مصادرة الحقوق أو الامتيازات أو إقفال البيوت " لتفشل بذلك في التعايش مع من زعمت يوماً أنهم رفاق الرغيف والخندق النضالي"، ونتيجة لذلك وزعت لجنة شئون الأردن (المفصولة) بياناً، فضحت فيه قيادة الانشقاق، ووصفتها بأنها "تحولت إلى زمرة عسكرية انقلابية ومسعورة تحت وطأة الفشل والعزلة .... وهي بالتالي غير مؤهلة وغير مخولة بتمثيل حركة فتح ولا كوادرها الوطنية، وهي ليست سوى الوجه الآخر لقيادة عرفات المنحرفة"، وأهابت بكافة الفصائل "سحب اعترافها بهذه الزمرة كممثلة لفتح".

ومهما يكن من أمر، فلم تكن أسباب التمرد داخل فتح إلا محاولة لرسم صورة وردية لهذه الحركة المنشقة، تكشَّف أمرها لاحقاً؛ إذ إن المحضن الذي تخرجت منه، هو ذات المحضن الذي تربت فيه كوادر وقيادات فتح، فتشرَّبت منهج القيادة من قيادتها السابقة، ومارستها على طريقتها، فجاء (الشبل من ذاك الأسد!)، وشربت فتح من كأس الانشقاق الذي سَقَتْه عدداً من الفصائل الفلسطينية سابقاً، فانتقمت هذه من فتح بذات الأسلوب، وكان الخاسر الوحيد هو الشعب الفلسطيني وقضيته.

ملفات أخرى متعلفة