حركة فتح.. تاريخ من الانشقاقات (2)

د.عصام عدوان
الأربعاء ٢١ ٠١ / ٢٠١٥
بعد خروج حركة فتح من الأردن والانتقال إلى لبنان، والبدء بتشكيل قوات نظامية وشبه نظامية، برزت مجموعة من القوات تدعى قيادة الوحدات الخاصة في حركة فتح قادها النقيب محمود السهلة، اتهمت قادة الحركة "بالسير جدياً في طريق الحلول النهائية" للقضية الفلسطينية، والتحول عن هدف التحرير، وأصدر السهلة بياناً في 7/3/1972 أعلن فيه انشقاق (الوحدات الخاصة) بجهازها التنظيمي والعسكري والسياسي في حركة فتح وانضمامها إلى جبهة التحرير الوطني الفلسطيني(ج.ت.ف) التي يرأسها أبو حلمي الصباريني.

وفي أكتوبر من العام نفسه، قام الضابط أبو يوسف الكايد(المسئول العسكري عن قوات فتح في البقاع) بالعصيان على إثر فصله من فتح بسبب مخالفات مسلكية وانضباطية، وقام بعد فصله بتحريض بعض العناصر في إحدى الوحدات العسكرية. وكان الكايد قد أدلى بتصريحات عن أسباب تمرده، أدان فيها الحركة، ثم لم تلبث قيادة فتح أن أصدرت بيانا في 19/10/1972، تنفي فيه عن الكايد صفة الانشقاق أو التمرد، وتعتبره مجرد خلاف مع المسؤولين العسكريين، وقررت بعثه إلى الجزائر، استجابة لوساطة جزائرية، كانت بطلب من قيادة فتح. وقد استمر التمرد أسبوعاً، سقط خلاله تسعة قتلى وعدد من الجرحى، تقرر اعتبارهم شهداء للثورة كجزء من الحل الذي تم.

ومع ظهور بوادر الحل المرحلي بعد حرب أكتوبر 1973، تجمع الرافضون داخل فتح بادئين هجومهم السياسي بالمقالات والمحاضرات والخطب، وبدأ يتشكل داخل التنظيم تكتل معارض، برز فيه صبري البنا(أبو نضال) عضو المجلس الثوري في فتح ومعتمدها في العراق، فأعلن انشقاقه في عام 1975، وسمى تنظيمه الجديد باسم (فتح- الخط الصحيح)، وضم تنظيم فتح في العراق، ثم انضمت إليه مجموعة أخرى عام 1976 من تنظيم فتح في لبنان، وفي أواخر عام 1977 حمل التنظيم المنشق اسم ( فتح- المجلس الثوري) ، واتُهم تنظيم أبو نضال بتتبع ممثلي فتح في عدد من البلدان الأوروبية الذين يجرون اتصالات مع جهات يهودية أو أمريكية، والقيام بقتلهم، مثل سعيد حمامي، وعز الدين القلق، ونعيم خضر، وعصام سرطاوي، بالإضافة إلى معتمد فتح في الكويت: علي ناصر ياسين.

وبشكل موازٍ لحركة أبو نضال، تكونت مجموعة يسارية من داخل (تنظيم المئة) ضمن جهاز القطاع الغربي، في يناير 1974، قام عليها سبعة عناصر، هم: موسى العملة (أبو خالد)، وعبد الفتاح القلقيلي(أبو نائل)، ومرعي عبد الرحمن(أبو فارس)، وإسماعيل أبو شمالة(أبو نضال)، وحنا ميخائيل(أبو عمر)، وأبو معن أبو شاويش، وأبو خالد الصين. الذين ساءهم توجهات فتح السلمية، ورغبوا أن يقيموا تكتلا يساريا داخلها، طمعا في التوصل للسيطرة عليها، فضموا إليهم عددا كبيرا من تنظيم المئة، وعددهم سبعين شخصا. لكن حركتهم لم يكتب لها النجاح، حيث لم يثبت عليها حتى أواخر عام 1977 سوى أبو خالد العملة، ومرعي عبد الرحمن، ثم انضم إليهما ثلاثة آخرون؛ منهم: عبد القادر ياسين، ويحيى يخلف. وبسبب خلاف بين مرعي عبد الرحمن وموسى العملة، تركها مرعي، وكتب تقريرا مفصلا عن هذه المحاولة إلى أبي عمار.

وفي أول يناير 1978، أعلن معتمد فتح في السعودية، وعضو المجلس الثوري فيها سعيد المزين (أبو هشام)، "هجرته" من فتح بعد 13 عاماً من المعاناة على غرار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، ووقف مسئول مالية مكتب فتح في الرياض مبايعاً له. لكن أبا عمار تمكن بزيارة واحدة له من إجباره على العدول عن خطوته تلك، وطرده من موقعه، كممثل لفتح في السعودية، وملاحقته مالياً.

وفي أواخر عام 1976، حاولت قيادة فتح تقييد بعض عناصر الرفض داخل التنظيم والقوات، فأقصت العقيد أبو موسى عن قيادة قوات الثورة في جنوب لبنان، وأحلت محله الحاج إسماعيل جبر، كما أقصت العقيد أبو خالد العملة عن قيادة الكتيبة السادسة، وساد شعور باستئثار القيادة بصنع القرار، ومن ثم جاء الموقف المتردد لفتح من مبادرة محمد أنور السادات عام 1977، فبدأت اجتماعات المعارضين للتحضير للتمرد داخل فتح عام 1978، حيث تجمّع اليساريون، فقد ضم أبو خالد العملة إليه زملاءه اليساريين السابقين في الجيش الأردني، مثل سعيد مراغة(أبو موسى)، ومحمد البدر(أبو مجدي) والذين التحقوا بفتح معا أواخر عام 1968، وقد عمل هؤلاء مع آخرين.

فقد اعتقلت قوات الأمن الفلسطيني حوالي200 عنصر يحملون بطاقات عضوية لفتح، ثم تبين أنهم ليسوا أعضاء في الحركة، واعترفوا بأن اتصالهم كان مع محمد داود عودة (أبو داود)، عضو المجلس الثوري، وأحد مدبري عملية ميونخ عام 1972، وكان يقف وراءه، نمر صالح (أبو صالح)، عضو اللجنة المركزية الذي لم يتقبل مساءلة أبو عمار له، فاعتزل اللجنة المركزية، وبدأ يعمل من منزله على تشكيل تيار يساري داخل فتح، فالتف حوله عدد من أعضاء المجلس الثوري، مثل: ماجد أبو شرار، وموسى عوض( أبو أكرم)، وسميح أبو كويك (قدري)، وموسى العملة (أبو خالد) ومجموعته، وحاولوا استمالة صلاح خلف إلى هذا التكتل اليساري، وقد أفسد عليهم أبو إياد محاولتهم للسيطرة على فتح، حيث كشف أمرهم.

بينما قام ناجي علوش عضو المجلس الثوري لفتح، ومعه محمد عودة (أبو داود)، بجمع مئة متطوع، وانطلقوا نحو الجنوب اللبناني حاملين بطاقات شخصية من الأمن الموحد الذي يديره أبو إياد، والتحق بهم أبو موسى وأبو خالد العملة، ولذلك سارع أبو عمار لطلب المصالحة مع أبي صالح بوساطة أبو إياد، وتم التصالح، ثم أُرسلت مجموعة من مقاتلي كتيبة (شهداء أيلول) لمهاجمة ناجي علوش وأبو داود ومن معهما من المقاتلين المئة، وأسرت جميع المتطوعين، بعد أن قتلت أحدهم، ثم قامت القوة 17 بالقبض على اثنين من المشاركين في التمرد، وجرت لهما محاكمة عسكرية، تم تبرئتهما منها، إلا أن أبا عمار رفض قرار المحكمة، وأعادها، فصدر بحقهما حكم بالإعدام، وتم تنفيذه بسرعة يوم 19/6/1978.

لكن ملاحقة قيادات هذه المحاولة استمرت. فقد أشار البعض إلى أن محاولة اغتيال حنا مقبل في 25/7/1978 جاءت على إثر ترويجه الإعلامي لهذه المحاولة، لكنه نجا من الاغتيال. ومع أن أبا عمار ندد بهذه الجريمة، إلا أنه وبعد خمسين يوماً، قامت قوة من أمن الرئاسة (القوة 17) باعتقال حنا مقبل. أما ناجي علوش، فقد غادر لبنان سراً، وأعلن عن خروجه من فتح، وكوّن حركة اسمها (الحركة الشعبية الفلسطينية).

ملفات أخرى متعلفة