مستقبل المقاومة الفلسطينية بعد الحرب الكونية على "داعش"..!!

عماد عفانة
الأربعاء ٠١ ١٠ / ٢٠١٤
مر على القضية الفلسطينية منذ بدايتها الكثير من الملمات جراء التحولات في السياسة الدولية والإقليمية، وجراء اندثار تحالفات ونشوء أخرى الأمر الذي أثر بالسلب على تقدم القضية الفلسطينية تجاه تحقيق قرارات المحافل الدولية لجهة إنجاز التحرر والاستقلال .

ورغم القناعة التي وصل إليها مايسترو الثورة الفلسطينية الحديثة ياسر عرفات الذي قضى حياته بين البنادق والخنادق تارة ثم بين المفاوضات والاتفاقات تارة أخرى، ثم فقد حياته شهيدا شهيدا شهيدا عندما حاول العودة لخيار الخنادق والبنادق بعدما اكتشف متأخرا عبثية خيار المفاوضات واسترجاع الحقوق عبر طاولات السلام الموهوم، ولكن كان اكتشافه متأخرا حيث كبد القضية خسارة 78% من مساحة الوطن.

إلا أن خلفه محمود عباس بدأ مشوار المفاوضات دون أن يأخذ العبرة من سلفه عرفات، وها هي القضية الفلسطينية تصل أخيرا وعبر منصة الأمم المتحدة إلى "دقت ساعة الاستقلال" و "لا عودة للمفاوضات دون سقف زمني للاستقلال" ..إلخ من هذه القناعات التي سبقه إليها كثير من قيادات وفصائل المقاومة منذ عشرات السنوات.

على الجانب الآخر مرت فصائل فلسطينية أخرى اتخذت من البندقية خيارا وحيدا ولم تتورط في تجربة المفاوضات كي لا تجر على القضية مزيدا من النكبات، مرت بالعديد من التجارب المؤلمة وخاضت العديد من الجولات الدامية وهي تدافع عن شعبنا وحقوقه في العيش على أرضه بكرامة.

ولم تكن معركة الفرقان 2009م أولى المعارك مرورا بحجارة السجيل 2012م, ولا نعتقد أن معركة العصف المأكول 2014م ستكون آخر تلك المعارك، حيث يبدو أن المقاومة لم تضع لأمة الحرب بعد.

وما تعيبه حركات وفصائل المقاومة على محمود عباس من عدم الاتعاظ بتجارب الماضي ولا بتجربة سلفه عرفات ولا بفشل خياراته السياسية في التعويل على كرم العدو في منح عباس دولة، ما تعيبه هذه الفصائل على عباس توشك أن تقع فيه.

فإن ثلاث جولات دامية من الحرب على غزة لم يقدم في أعقابها أي من مجرمي الاحتلال لأي محاكمة أو عقاب، وفي أعقاب ثلاث جولات من الدم والدمار والمعاناة كانت لتحقيق مطالب إنسانية لشعب محاصر ومأسور وليس لتحرير ولو شبر واحد من الوطن، كان يجب على فصائل المقاومة أن تعيد حساباتها وتقف وتفكر في عملية مراجعة حقيقية لجدوى كل هذا.

ولا نقصد هنا جدوى المقاومة، ولكن جدوى حصر المعركة في غزة التي تعرضت للدمار ثلاث مرات متتالية خلال ست سنوات فقط، في الوقت الذي زاد فيه تغول الاحتلال على تهويد القدس والضفة المحتلة أضعافا مضاعفة.

وما يفرض عملية المراجعة على فصائل المقاومة هو المتغير الدولي الكبير والعميق الذي تصنعه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون وأذنابها من العرب من عروض الحروب الكونية مرة على العراق لتحرير الكويت، ومرة على طالبان لتدمير القاعدة، ثم مرة أخرى لتدمير العراق عبر بوابة أسلحة الدمار الشامل التي لا وجود لها، ثم ها هي تنظم عرضا حربيا كونيا على تنظيم عسكري مسلح (داعش) قالت أمريكا وقبل حتى أن تبدأ المعركة إنها ستستمر لسنوات، تماما وكأن هذا العرض الكوني هو لعبة أو مسرحية أعدت أمريكا عدد فصولها وعدد مشاهدها وترسم معالم نهايتها كما ترسم نهاية أي فيلم من هوليود لتعظيم القوة الأمريكية المسيطرة على العالم.

العجيب أن الهدف من حلبات المصارعة الكونية هذه بات واضحا ومكشوفا للجميع وهو :
• السطو على مدخرات الأمة العربية التريليونية, وخصوصا الخليجية منها في البنوك والأمريكية والأوروبية, بهدف تنشيط صناعاتها العسكرية وتشغيل الآلاف من مواطنيها وإنعاش اقتصادها وإنقاذه من الانهيارات والأزمات التي تحيق به من كل جانب.، ورغم ذلك تنساق الدول العربية التابعة للمذبح كما تناسق النعاج دون أي تفكير.

• استمرار مسلسل تفتيت المنطقة وإعادة رسم الجغرافيا خلافا لما رسمه اتفاق سايكس بيكو لجهة مزيد من التفتيت على أسس مذهبية وطائفية هذه المرة ليس لإدامة الصراعات فقط بل لتوسيعه ونشره في كل الربوع.

• قطع الطريق على دول ناهضة بقوة ومرشحة لاستعادة قيادة الأمة الإسلامية مثل تركيا التي يعمل حزب الحرية والعدالة التركي فيها على إعادة وضع الدولة التركية على سكة القيادة من جديد.

• فتح الباب واسعا أمام (إسرائيل) لتتغلغل في المنطقة العربية بعقد التحالفات العلنية والسرية مع دول عربية كبيرة ووازنة بحجة مكافحة كل ما يهدد بقاء عروشهم بحجة مكافحة "الإرهاب".

• تدمير كل المنظمات الإسلامية المعتدلة التي أثبتت أنها قادرة على إسقاط النظام السوري مثل جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرها من الحركات, وذلك تحت غطاء الحرب على "داعش"، ربما خوفا من تمدد خطر هذه الحركات الجهادية ليهدد بإسقاط أنظمة قمعية أخرى، وربما للحيلولة دون حذو أي حركات وطنية في بلدان عربية قمعية حذو الحركات الجهادية في إسقاط أنظمتها الجبرية.

المقاومة الفلسطينية
رغم أن الدولة الإسلامية في العراق والشام وإقامة الخلافة حلم يداعب خيال كل مسلم حول العالم فضلا عن المقاومة الفلسطينية، إلا أن المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها الحركات الإسلامية تنظر إلى تنظيم الدولة الإسلامية على أنه تنظيم يعلن خلافة إسلامية في سياق منقطع عن السياق التاريخي والديني والقدري ومنقطع عن سياق التطور الطبيعي للأحداث المفضي إلى إقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة والتي بشر بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

كما ترى أن الخلافة الموعودة وطبقا للأحاديث النبوية تقوم على أرض فلسطين أولا وتكون القدس عاصمتها ولا يتأتى ذلك كله إلا بعد تحرير فلسطين في حرب طاحنة يعود فيها اليهود عبر البحر للشتات في أنحاء الدنيا مرة أخرى.

إلا أن المقاومة الإسلامية في فلسطين ترى أن ما يجري في الأمة العربية رغم دمويته ما هو إلا تهيئة للأمة لحرب التحرير القادمة، وأنه مخاض إعادة تشكيل للأمة وولادة جيل جديد في الأمة تصنعه المعاناة والآلام ويتربى على قتال الظالمين ويتجرد من ملذات الدنيا ومباهجها ليستحق النصر في المعركة القادمة.

كيف نوظف الحرب الكونية على "داعش"..!!
وما يهم المقاومة الفلسطينية هنا هو وضعها في ظل هذه الفوضى الأمريكية المصطنعة والتي ولدت بيئة إقليمية وعربية طاردة للمقاومة.

فلو استعرضنا علاقة المقاومة بمحيطها العربي والإقليمي لا نجد لها ظهيرا سياسيا سوى في تركيا وقطر وإيران رغم ضعف هذا الظهير، مع انعدام أي ظهير عسكري ما يعني انعدام أي خط إمداد أو تدريب من خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.

في ذات الوقت وفي ظل حصار المقاومة الفلسطينية سياسيا وميدانيا, نجد إقبالا كبيرا من شباب المسلمين على الالتحاق بمنظمات إسلامية أخرى مثل النصرة والدولة الإسلامية وذلك اعتمادا على نبوءات وأحاديث نبوية متواترة على فضيلة رباط الشام ومجاهدي الشام وشهداء الشام، فضلا عن أن جيش تحرير القدس سينطلق من الشام نحو الأردن لتتحقق النبوءة "أنتم شرقي النهر وهو غربيه".

فبتنا نجد معه إقبالا كونيا من شباب المسلمين على هذه الحركات التي شهدت انتفاخا وتمددا أهّلَها للسيطرة على مساحة تقارب مساحة الأردن في العراق، ومساحة أقل منها في سوريا، وفي المقابل نجد أن المقاومة الإسلامية الفلسطينية تحاصر وتحارب وتنكمش في غزة فقط.

وعليه, يحق لنا التساؤل: إن كان واقع الحال بات يفرض على المقاومة الفلسطينية التفكير في خيارات أخرى من أجل الحفاظ على استمرارية توجه بوصلة الأمة وحركاتها الجهادية نحو القدس وتحرير فلسطين وليس نحو إشغالها بمعارك جانبية تدمر قدراتها وتمكن لعدوها، من قبيل:

• نقل المعركة العسكرية والمواجهة مع الاحتلال إلى جبهات أخرى، حيث إن هناك عددا من الجبهات المرشحة مثل:
o جبهة الضفة والقدس المحتلة.
o الجبهة الأردنية.
o الجبهة اللبنانية في الجنوب.
o الجبهة السورية في الجولان .
o الجبهة المصرية في سيناء.

• إعادة النظر في استراتيجية المقاومة الحالية القائمة على أن معركة تحرير فلسطين تكون على أرض فلسطين وليس من خارجها، والقائمة على عدم فتح جبهات مقاومة من دول الجوار تجنبا للدخول في صراعات جانبية مع أنظمة دول الطوق، وذلك عبر توظيف المقاومة الفلسطينية لهذه الفوضى الأمريكية المصطنعة لصالحها لتصبح المقاومة الفلسطينية الإسلامية قبلة الشباب المسلم حول العالم عبر فتح باب التجنيد والالتحاق بالمقاومة الفلسطينية في الجبهات المحيطة بفلسطين لخلق واقع وبيئة التحرير وإعادة توجيه البوصلة نحو فلسطين.

• التوصل إلى تفاهمات مع أنظمة الدول المهددة من التنظيمات الإسلامية المسلحة فضلا عن دول الطوق لتشجيع أو على الأقل تسهيل الالتحاق بالمقاومة الفلسطينية في جبهات دول المواجهة عوضا عن الالتحاق بالتنظيمات المتطرفة.

إن الخيارات أمام المقاومة الفلسطينية كثيرة لكن ليست كلها قابلة للتحقيق، لكن أيضا استمرار تقوقع المقاومة الفلسطينية المسلحة في غزة في ظل عولمة الحرب "داعش" لا يبشر بمستقبل مبهج للمقاومة ولا يقرب حلم التحرير, وبات عليها التفكير في سبل عولمة المقاومة وحرب التحرير القادمة.

ملفات أخرى متعلفة