مجزرة دير ياسين.. على دماءها قامت (إسرائيل)

غزة-صفاء عاشور
في التاسع من أبريل 1948 استيقظ الفلسطينيون على وقع مجزرة "دير ياسين" الأبشع والأشهر في تاريخهم الحديث، نظرًا لعدد ضحايا المجزرة الكبير الذي سقط على أيدي العصابات الصهيونية المسلحة.

المجزرة الدموية الأفظع قال عنها زعيم عصابات "الأرجون" الصهيونية مناحيم بيجن رئيس الوزراء الإسرائيلي فيما بعد في مذاكراته: "لولا دير ياسين لما قامت دولة (إسرائيل)".

وارتكب المجزرة عصابات "الأرجون" بزعامة بيجن، وعصابة "شتيرن ليحي" بزعامة إسحاق شامير، وقد تم الهجوم باتفاق مسبق مع "الهاجاناه"، وراح ضحيتها زهاء 260 فلسطينيًا من أهالي القرية العزل.

وتنبع أهمية المجزرة من استشهاد نحو (40%) من مجمل سكانها البالغ عددهم آنذاك (600) نسمة فقط وفق الإحصائيات التي يرويها السكان الناجون.

كانت "دير ياسين" مسرحًا لأشهر مجازر الحرب وأشدها دموية، وهذا ما تعكسه ثلاث شهادات لأشخاص خرجوا أحياء من المجزرة، منهم الحاجة زينب محمد إسماعيل عطية التي نشرت شهادتها صحيفة "هآرتس" العبرية عام 1989.


قالت عطية: "بعد اقتحام العصابات الصهيونية للقرية واختطافهم لأخي الصغير الذي لم يزل يومها طالبًا في المدرسة، حاولت افتداءه بكل ما أملك وعرضت على أحد الخواجات 250 ليرة واستحلفته بالله أن يأخذها، ولا يقتل أخي، فأخذها مني ثم أطلق عليه خمس رصاصات، فوقع على الأرض ساجدًا كما لو أنه على هيئة الصلاة"، موضحةً أنها رأت باقي أبناء القرية وهم يقتلون ويقطعون ويفقدون.

فيما أشارت حنة خليل شاهدة ثانية أنها رأت "يهوديًا يستل سكينًا كبيرة ويشق بها من الرأس إلى القدم جسم جارتنا جميلة حبش، ثم يقتل بالطريقة ذاتها، على عتبة المنزل جارًا آخر يدعى فتحي".

وأوضحت أنه تم جمع عدد من النساء وتجريدهن من الملابس في ثلاث شاحنات واستعرضوا بهن الأحياء اليهودية في القدس، وأيضًا جمعوا خمسة وعشرين شابًا واستعرضوا بهم إحدى المستوطنات القريبة ومن ثم قتلوهم جميعًا.

أما حليمة عيد فأفادت أنها رأت يهوديًا "يطلق رصاصة فتصيب عنق زوجة أخيها، التي كانت موشكة على الوضع، ثم يشق بطنها بسكين لحام، ولما حاولت إحدى النساء إخراج الطفل من أحشاء الحامل الميتة قتلوها أيضًا".

هذه هي شهادات بعض من خرج حيًا من المجزرة، وفق تقرير الصحيفة الإسرائيلية، رووا خلالها بعض ما تعرضت له البلدة على أيدي عصابات "أرجون" وشتيرن" خلال ثلاثة أيام.


في فجر 9 أبريل عام 1948 دخلت قوات عصابة "الأرجون" من شرق القرية وجنوبها، ودخلت قوات "شتيرن" من الشمال ليحاصروا القرية من كل جانب ما عدا الطريق الغربي، حتى يفاجئوا السكان وهم نائمون.

وقد قوبل الهجوم بالمقاومة في بادئ الأمر، وهو ما أدَّى إلى مصرع 4 وجرح 40 من المهاجمين الصهاينة، ولمواجهة صمود أهل القرية، استعان المهاجمون بدعم من قوات البالماخ في أحد المعسكرات بالقرب من القدس حيث قامت من جانبها بقصف القرية بمدافع الهاون لتسهيل مهمة المهاجمين.

ومع حلول الظهيرة أصبحت القرية خالية تمامًا من أي مقاومة، فقررت قوات الأرجون وشتيرن استخدام الأسلوب الوحيد الذي يعرفونه جيدًا، وهو الديناميت، وهكذا استولوا على القرية عن طريق تفجيرها بيتًا بيتًا.. وبعد أن انتهت المتفجرات لديهم قاموا "بتنظيف" المكان من آخر عناصر المقاومة عن طريق القنابل والمدافع الرشاشة، حيث كانوا يطلقون النيران على كل ما يتحرك داخل المنزل من رجال، ونساء وأطفال وشيوخ.

يومها أُوقف العشرات من أهل القرية إلى الجدران وأُطلق عليهم النار واستمرت أعمال القتل على مدى يومين، وقامت العصابات الصهيونية بعمليات تشويه سادية (تعذيب، اعتداء، بتر أعضاء، ذبح الحوامل والمراهنة على نوع الأجنة)، وأُلقي بـ53 من الأطفال الأحياء وراء سور المدينة القديمة، واقتيد 25 من الرجال الأحياء في حافلات ليطوفوا بهم داخل القدس طواف النصر على غرار الجيوش الرومانية القديمة، ثم تم إعدامهم رميًا بالرصاص.

بعد ذلك، أُلقيت الجثث في بئر القرية وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة، ومنعت المنظمات العسكرية الصهيونية مبعوث الصليب الأحمر جاك دي رينييه من دخول القرية لأكثر من يوم.

بينما قام أفراد الهاجاناه الذين احتلوا القرية بجمع جثث أخرى في عناية وفجروها لتضليل مندوبي الهيئات الدولية وللإيحاء بأن الضحايا لقوا حتفهم خلال صدامات مسلحة، إلا أن مبعوث الصليب الأحمر عثر على الجثث التي أُلقيت في البئر فيما بعد.

وقد تباينت ردود أفعال المنظمات الصهيونية المختلفة بعد المذبحة، فقد أرسل مناحم بيجين برقية تهنئة إلى "رعنان" قائد الأرجون المحلي قال فيها: "تهنئتي لكم لهذا الانتصار العظيم، وقل لجنودك إنهم صنعوا التاريخ في (إسرائيل)".

وفي كتابه المعنون "الثورة" كتب بيجين يقول: "إن مذبحة دير ياسين أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من 650 ألف عربي". وأضاف قائلاً: "لولا دير ياسين لما قامت (إسرائيل)".

ولبشاعتها ودمويتها حاول قادة العصابات الصهيونية التنصل منها، فهاجمها حاييم وايزمان ووصفها بأنها عمل إرهابي لا يليق بالصهاينة. كما ندَّدت الوكالة اليهودية بالمذبحة. وقد قامت الدعاية الصهيونية على أساس أن مذبحة دير ياسين مجرد استثناء، وليست القاعدة، وأن هذه المذبحة تمت دون أي تدخُّل من جانب القيادات الصهيونية بل ضد رغبتها.

إلا أن السنوات التالية كشفت النقاب عن أدلة دامغة تثبت أن جميع التنظيمات الصهيونية كانت ضالعة في ارتكاب تلك المجزرة وغيرها، سواء بالاشتراك الفعلي في التنفيذ أو بالتواطؤ أو بتقديم الدعم السياسي والمعنوي.

ملفات أخرى متعلفة