"بسام الشكعة"..المناضل الذي قاوم "الترويض"

حاوره من غزة- حازم الحلو وأسماء صرصور
طفلٌ بعمر الزهور يُسارع الخطى لعله يلحق أباه، وأبٌ نذرَ الروح لأجل الوطن، منخرطٌ في ثورته ضد المحتل، فترعرع الطفل في حضن الثورة، يخدمها ويسهر على راحة أبطالها، وتنتصر روح الكرامة في نفسه كلما أثنى عليه الثوار، ومرّت السنوات ليغدو وليد الثورة الصغير "شيخاً للمناضلين".

إنه "بسّام الشكعة" رئيس بلدية نابلس سابقًا، والذي ولد فيها عام 1930م، ليبدأ منذ سنوات عمره الأولى مغامرات الثورة ضد المحتل الغاصب برفقة أبيه الثائر، ويتوّج حياته بوقفات كان في مطلعها انضمامه لجيش الإنقاذ الفلسطيني في العام 1948م، عبر الهاتف تسجّل صحيفة "فلسطين" معه أهم مذكراته التي عايشها على مدار سنواته الطوال.


"ولدت في عام 1930م ومع كل يوم كنت أكبر فيه تشرّبتُ حُب فلسطين وحب الثورة"، كانت هذه بداية حديث العم بسام..ليصمت بعدها محاولاً استجماع ذاكرته، مستأنفاً: "رافقت أبي ولازمت الثوار منذ الصغر"، وكم كانت فرحتي حين أقدم للثوار الماء والشاي والقهوة".

ولكن نكبة عام 1948.. بكل ما حملته من مأساة باقية في ذاكرة كل فلسطيني، لم تمهل الشكعة ليكمل دراسته بل تطوّع حينها مع أصدقائه في جيش الإنقاذ الفلسطيني.

وحين شرع ضيفنا في الحديث عن جيش الإنقاذ وذكرياته أخذ يردد: "سأحمل روحي على راحتي.. وألقي بها في مهاوي الردى.. فإما حياة تسر الصديق.. وإما ممات يغيظ العدا"، وتهدَّج صوته وهو يكمل: "إنها كلمات معلمي وأستاذي الشاعر عبد الرحيم محمود رفيقنا في الجيش الذي ما انفك يزرع فينا حب الوطن بأشعاره وكلماته".

وتمضي سفينة الثورة مبحرةً بقيادة ربانها الشكعة لترسو في ميناء حزب البعث العربي الاشتراكي والذي انضم إليه في العام 1952م، لكن السفينة بدأت تستعد لرحلة المغادرة في العام 1959م لتتوج المغادرة النهائية لمرفأ الحزب في العام 1961م بعد خيبة الأمل التي أصابته ساعة الإعلان عن الانفصال الذي قضى على ( الجمهورية العربية المتحدة ) التي وحّدت القطرين المصري والسوري.

وقتها صدر بحقه حكم بالسجن لمدة ثلاثة أعوام حكماً غيابيا، "لكني لجأت إلى سوريا في عام 1959 وبقيتُ فيها حتى العام 1965، وتم اعتباري لاجئًا سياسيًا طوال تلك المدة حتى استطعت العودة إلى فلسطين، حيث تصادفت عودتي مع نكسة 1967، وتنشطت أثناء ذلك لجنة الدفاع الشعبية التي كنت عضوًا فيها، حيث كانت تساند الشعب وتشجعهم على المقاومة والاستمرار في البلاد وعدم الهجرة".


وتبدأ بعدها رحلة أخرى لترسو السفينة في مرفأ انتخابات المجلس البلدي في نيسان 1976م ليترأس البلدية حينها الشكعة بعد انتخابه من الشعب الفلسطيني، ويمضي الشكعة يروي حكاية الفوز في الانتخابات ليقول: "في العام 1974 عقد في الرباط مؤتمر القمة العربية وأُقر فيه أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده".

ويتشح صوته بالحيوية وهو يتطرق إلى حدثٍ عزيز على قلبه قائلاً: "كان فوزنا في أغلب بلديات الضفة الغربية ذاك الوقت بمثابة الحدث المفصلي الذي جعل قرار المؤتمر حقيقة ملموسة على أرض الواقع لا يحتمل الطعن أو التراجع فضلاً عن التشكيك"، مبينًا أن الشعار الذي حملته (الكتل الوطنية) التي خاضت الانتخابات، وحققت فوزاً واسعاً في معظم بلديات مدن الضفة: كان "لا للإدارة المدنية نعم لمنظمة التحرير الفلسطينية".

ويشير الشكعة أن قرار السادات لزيارة القدس والكنيست وتنفيذها كان التحدي الأعلى لإرادة الشعب، والتي قابلها باحتجاجات شعبية عارمة أقدم على أثرها بتشكيل لجنة التوجيه الوطني لتجسيد وحدة نضال الشعب وقيادته ميدانيا"، موضحًا أنها تكونت من اتحاد النقابات المهنية واتحاد العمال والاتحاد النسائي، واتحاد الغرف التجارية، واتحاد الجمعيات الخيرية، والفصائل والشخصيات الوطنية والمجالس البلدية لمقاومة هذا التطور في البرنامج المعادى، وكانت فتح آنذاك عمودها الفقري لاتساع تمثيلها وانتشارها.


"تلت زيارة السادات توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ورفضنا التام التعاون معها"، ليتلقى الشكعة بعدها دعوة من القنصل الأمريكي إلى القدس للغداء في بيت أحد موظفيه الأمريكان، فكان الوحيد بينهم وبعد المجاملات دعوه إلى القبول بكامب ديفيد لكي يستطيع خدمة المدينة بمشاريعها المطلوبة، فما كان من الشكعة إلا أن قال للقنصل: "ما علاقة كامب ديفيد بخدمات المدينة؟!!"، فأجاب القنصل:" سأساعدك على أخذ التصريح لكل المشاريع"، ولما يئس من إقناع الشكعة قال: "إننا مطبقوه بالقوة"، فما اهتزت شعرة من الرجل الجسور وهو يرد بكل كبرياء وكرامة: "أنا كرئيس بلدية والشعب الفلسطيني يستطيع بل يملك أن يقول لا".

وكعادتها "إسرائيل" لا تترك فلسطينيًا عاديًا في حاله فما بالكم بثائر وطني ورئيس بلدية، لتعتقله في العام 1979، وتعلن رغبتها في طرده إلى لبنان بتهمة التحريض كمؤامرة لرفضه كامب ديفيد، ولكنهم فشلوا في ذلك نتيجة دفاع الشعب عن حرية رئيس بلدية نابلس، وقد تم اعتقاله مع استمرار الاحتجاج الشعبي وتقديم جميع رؤساء ومجالس البلديات والمجالس القروية استقالاتهم، فما كان من القيادة المتنفذة إلا أن تطلب من رؤساء البلديات سحب استقالاتهم من خلال بعض مندوبي المنظمة في أوروبا، حيث أبلغوا رفض الرؤساء وإصرارهم.

ويتابع في ذات السياق:"عندما انتهت مدة الانتخابات القانونية لمجالس البلديات (أربع سنوات) بدأت تظهر آراء من بعض أعضاء المجالس البلدية القلائل جداً، والذين لهم صلات معروفة بالقيادة المتنفذة بضرورة استقالتنا حتى تجرى انتخابات جديدة"، كان جوابنا أننا لم نخض الانتخابات بناءً على قانون حيث لا يجوز للاحتلال ـ قانوناً ـ أن يجري مثل هذه الانتخابات، ولكننا خضناها ضد هدف الحكم الذاتى وكان لنا ذلك"، مستغربًا أن تكون هناك فرصة جديدة للاحتلال بعد أن فشلت المحاولة الأولى بالمطلق، ليؤكد استمرار مسئوليات البلديات عامين زيادة على 1980 مدة انتخابها الأصلية.


سكت لحظات كمن وقفت في حلقه غصة.. ويسترجع ذكرى أليمة.. ذكرى محاولة اغتياله الفاشلة، يعود الشكعة بنا إلى ما سبق محاولة الاغتيال، "في يوم من الأيام ناقشني أحد ضباط الجيش الإسرائيلي عن المقاتلين الفلسطينيين وتعذيب الأسرى، فكان ردي عليه أنه يجب التعامل معهم وفق القانون الدولي"، لتمر الأيام حينها ويخرج من نابلس، وينتشر أن بسام الشكعة يشجع قتل الأطفال الإسرائيليين.

وعن ذلك الحدث الذي لا ينسى:" ما زلت حتى اللحظة أذكر ما حدث، في صبيحة الثاني من يونيو لعام 1980م خرجت من بيتي وحال ركوبي السيارة لم أعِ إلا وأنا في "بركة" من الدماء وقد فقدت ساقيَّ وخرجت من السيارة على يديَّ"، حينها تبنى محاولة الاغتيال الفاشلة ما عرف بالتنظيم الإرهابي الصهيوني السري.

"لكني كنت أعرف أن من يقف وراء الأمر هو بنيامين بن آليعازر، والذي كان قائدًا عامًا لقوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية في ذلك الحين"، ومن الغريب في الأمر أن الحكومة الصهيونية برئاسة مناحيم بيغن في ذلك الوقت أدانت الهجوم الذي استهدف الشكعة وكريم خلف رئيس بلدية رام الله، وإبراهيم الطويل رئيس بلدية البيرة، والذي أدى إلى بتر ساقيّ الشكعة وساق خلف، بينما الطويل نجا من الحادث بسبب اكتشاف العبوة قبل صعوده إلى السيارة.

"لن تعود فلسطين بالاتفاقيات"، بحزم رددها الثائر الشكعة والذي لم يستطع حتى الزعيم الراحل ياسر عرفات أبو عمار أن يروّض ثورته، مبينًا أن ما حدث من مواقف بينهما لم تكن شخصية، ومضى في حديثه يؤكد أن الشعب الفلسطيني رافضٌ للمفاوضات والتسوية على عكس ما تم ترويجه أن الأمن قد حل، وبرفضٍ تام قال: "عن أي سلام تتحدثون، حقًا السلطة شوّهت مصطلحاتنا، هذا سلام أي سلام هذه جريمة لا تغتفر"، ليختم حديثه بأن المستقبل حتى اللحظة ليس بأيدينا، وإنما هو بأيدي الأعداء طالما نسير في طريق المفاوضات لا المقاومة".

ملفات أخرى متعلفة