​يُعالج المصابين في مسيرة العودة

زكي خضر.. حكيمٌ سبعينيٌّ لم يعترف بالتقاعد

غزة - هدى الدلو

ارتبط عمله الإنساني بالمستشفيات الميدانية في الحروب الثلاث التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة في السنوات الماضية، ومع انطلاق مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار، لم يقبل على نفسه مكانًا إلا بجانب ذلك الفلسطيني المدافع عن أرضه بصورة سلمية، الأعزل الذي يُستهدف، ورغم أنه بلغ من العمر عتيًّا لكنه يصرّ على أن يعمل بكلّ جدٍ، ولا يجد متّسعًا من الوقت للحديث مع الآخرين أو ممازحتهم، فهمُّه الأول والأخير إنقاذ حياة المصاب الذي بين يديه.

ملتزمٌ بالقَسَم

زكي شاهين خضر "أبو أيمن" بلغ من العمر 70 عامًا، إلا أنه لم يتخلَّ عن القَسم الذي أدّاه عندما دخل المجال الطبي، بأن يكون مخلصًا في عمله، رحيمًا بمرضاه، مراعيًا لمشاعرهم، مدافعًا عن حقوقهم، وأمينًا على أسرارهم، وأن يحافظ على صحة الإنسان وسلامته.

هو حكيم جامعي، وخريج كلية فلسطين، يحمل شهادة البكالوريوس في التمريض، والتي حصل عليها في ذات العام الذي تقاعد فيه من عمله الحكومي في وزارة الصحة، ويعمل حاليًا مشرف تمريض عملي في جامعة فلسطين، وهو قامةٌ من قامات التمريض على مستوى فلسطين، ويعمل في المستشفيات الميدانية في أوقات الحروب والتصعيد.

بعمر السبعين، يتمتع "أبو أيمن" بروح الشباب، ويتميز بجديته في العمل، ولا يألو جهدًا في العمل وبذل طاقته من أجل إنقاذ حياة المريض أو المصاب بمختلف الطرق.

وقال خضر في حوار مع "فلسطين": "لا أتوانى في أوقات الشدة والأزمات عن خدمة أبناء وطني في المستشفيات الميدانية، ورغم تجاوزي لسن التقاعد لكنني أنزل للساحات الميدانية لأقدم العلاج للمصابين".

تعرض ضيفنا قبل فترة قصيرة لوعكة صحية أدخلته العناية المركزة، خرج منها أكثر عزيمة وإصرارًا على مواصلة الطريق الذي سار فيه منذ البداية، وعندما بدأت فعاليات مسيرة العودة الكبرى، شارك في خيمات الإسعاف والطوارئ المُقامة على الحدود الشرقية.

مشاركة مهنية ووطنية

مشاركته تنبع من إيمانه بأهمية دوره، إضافة إلى أنه كباقي أبناء وطنه يحلم باليوم الذي يعود فيه إلى البلدة التي هُجر أجداده منها "زروقة".

"لا بد أن أكون من أوائل أولئك الذين يقدمون الخدمات الإنسانية لأبناء وطنهم، ويقف إلى جانبهم، ويقدم لهم المساعدة"، وفق قوله.

وأوضح خضر أن أكثر ما يؤلمه هو مشاهدته لاستهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي للشباب والأطفال العزل، الذين يطالبون، بصورة سلمية، بحقوقهم في العودة إلى ديار أجدادهم الذي هجروا منها، وحياة كريمة في غزة بدلًا من الحصار الذي ينهش فيها منذ أكثر من عشر سنوات.

أما أكثر ما أثر فيه في أثناء أداء واجبه في مسيرات العودة، فهو إصرار الشباب على المطالبة بحقوقهم، ورغم الرصاص وقنابل الغاز، وإصاباتهم، إلا أنهم يعودوا بعزيمة أكبر على المشاركة.

ومن تلك المواقف التي شاهدها خضر، والتي تنم عن الإصرار والعزيمة، فتاة شابة لم يتجاوز عمرها الثمانية عشر عامًا، أصيب بالاختناق بفعل الغاز المسيل للدموع، تم نقلها للخيمة الطبية من أجل عمل إسعافات أولية، وبعدما أفاقت، نصحها بعدم العودة والرجوع للبيت حفاظًا على صحتها، فرفضت وقالت بكل إصرار "أنا راجعة"، لتعود له بعد قليل مصابة بالاختناق مرة أخرى، فاتخذ الأطباء قرارًا بنقلها إلى المستشفى لضمان عدم عودتها، ولكنها رفضت، وسرعان ما استعادت قوتها وعادت لمشاركة أبناء وطنها في المسيرة، لتعود للخيمة الطبية مرّة ثالثة مصابة برصاصة في قدمها.

حاول خضر أن يتحدث عن مشاعره المختلطة في أثناء مشاركته في مسيرة العودة، فقال: "هي مشاعر لا توصف، بعضها شوق وحنين للأرض، وإصابات من كل حدب وصوب، وقناصة متمركزة أمامك تراقب التحركات المشاركين في المسيرة".