عين على الأقصى

بشارة مرهج

نلتقي كل عام، لا بل كما كل يوم، لنجدد العهد والوفاء لقضية فلسطين المباركة، وفي المقدمة منها قضية المسجد الأقصى الذي نعيش اليوم الذكرى الخمسين لإحراقه على يد الصهيوني المتطرف دينيس مايكل روهان.

لقد أُخمد الحريق وتواطأ الاحتلال مع منفذه، فبرأه مدعيًا أنه مختلٌ عقليًا، لكن نيران التهويد لم تنطفئ منذ ذاك الوقت، فالاحتلال في سعيه المحموم لتحويل القدس إلى مدينة عبرية غاص أسفل الأرض شاقًّا النفق تلو الآخر، محاولًا عبثًا أن يجد أثرًا بسيطًا عن هيكلٍ مزعوم له.

ورغم سوداوية المشهد، استطاع المقدسيون -معتمدين على خالقهم متسلحين بالوعي آخذين بكل ما استطاعوا من أسباب– ومن ورائهم شعبٌ عزيز يقاوم ويناضل من أجل القدس والمسجد الأقصى المبارك في كل فلسطين، وأمة حيَّة عزيزة، استطاعوا أن يطفئوا شيئًا من نار التهويد ويبددوا دخان الاحتلال المسموم عبر انتفاضات وهبات عدة ليس آخرها هبتي بابي الأسباط والرحمة.

إن المسجد الأقصى المبارك اليوم في خطر حقيقي يستهدف هويته ومعالمه وأجزاءه، وعلينا أن نتحمل المسؤولية في الدفاع عنه وحمايته والحفاظ عليه، فمساجدنا وكنائسنا هي أمانة ربانية ووطنية، لا نقبل الاعتداء عليها أو سرقتها أو تزويرها، ولا نقبل تقاسمها مع الاحتلال أو التدخل في شؤونها وإدارتها.

إن انتصار المقدسيين العزل على الاحتلال الإسرائيلي في هبتي باب الأسباط والرحمة نقض مشروع التطبيع مع الاحتلال، وأكد حتمية هزيمة الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق النصر الكامل عليه واسترجاع الحقوق المسلوبة، ومن هنا ندعو أحرار أمتنا العربية والإسلامية إلى أن تكون بوصلتهم باتجاه القدس لتتَوحد فيها ومن أجلها، جميع مكونات الأمة، باختلاف مذاهبهم الدينية والسياسية والفكرية، مؤكدين أن العدو الأول والأخير لأمتنا العربية والإسلامية هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على تفكيك وحدة أمتنا وضرب نقاط قوتها وزرع الفتن بين الإخوة والأشقاء.

إن ما تعيشه القضية الفلسطينية اليوم يحتم علينا العمل على المسارات كافة لحماية أركان القضية الفلسطينية، وفي المقدمة منها المقدسات الإسلامية والمسيحية، دون أن ننسى أو نتجاهل باقي الأركان الأساسية، فحق العودة للاجئين الفلسطينيين حق مقدس لا يحق لأحد مهما كان من هيئات أو شخصيات أو دول التنازل عنه، ونحذر من المشاريع الخبيثة التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة ولا سيما في أرض لبنان المقاوم، ونؤكد حق الفلسطيني في لبنان في العيش بكرامة حتى عودة إلى أرضه فلسطين، وندعو الحكومة اللبنانية إلى إلغاء إجازة العمل ومنح اللاجئين الفلسطينيين حقوقهم المدنية والإنسانية.

كما نجدد عهدنا مع المقاومة الفلسطينية أطيافها وأشكالها كافة ونؤكد حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم بالطرق والوسائل المتاحة أمامهم وفي المقدمة من ذلك المقاومة المسلحة، وندعو الدول العربية والإسلامية إلى تجديد التمسك بكامل تراب فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس المحتلة كاملة.

إن الاحتلال الإسرائيلي وبعد ورشة البحرين الاقتصادية يحاول تصفية القضية الفلسطينية عبر كافة المسارات والخيارات، وهنا ندعو إلى تشكيل جبهة شعبية شاملة لحماية القضية الفلسطينية والوقوف بقوة أمام صفقة القرن ومواجهتها بكل الوسائل والسبل المتاحة. وندعو الأردن لمقاومة الابتزاز السياسي والإعلامي الإسرائيلي والتمسك بواجباته في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي المقدمة منها، المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة.

إن التاريخ أمامنا يسجل مواقفنا وأفعالنا وسلوكنا، فلا تجعلوا التاريخ يسجل ما يعيب علينا وعلى وجودنا، ولا تجعلوا القدس وفلسطين تنظر إلينا بعين المقصرين المتجاهلين.


رأي اليوم