​وصرختُ بأعلى صوت: "ماما عايشة"

صباح سليمان (15 عاماً)
غزة - نجلاء السكافي

ليت الحرب كانت دون راء وليت نار البعد لها انطفاء، إنها الحرب إذن لم تُبق ولم تذر، فكيف إذا ما اختطفت نور العين وضحكة الشمس وعنفوان الزهر أمي؟! أتساءل: كيف لا يغار التوليب والنسرين والحنون من أمي، من حُسنِها، وبهائها، من وجهٍ كفلق الإصباح كان في دجى الفجرِ يطل علينا؟!

أماه، هل سمع الجندي الذي قتلك بقذيفته أصوات صراخي وأنا أعبر عن صدمتي بالفاجعة حين رحت أقول: "كلكم كذابين ماما وإخوتي عايشين"؟!، خمسُ استهدافاتٍ مباشرة قصدت بيت خالي الذي يؤوينا، تنوَّعت بين صواريخ حربية وقذائف دبابة، كادت تُودي بحياة 23 شخصًا يتحامون من غدر المحتل داخل الجدران، من بينهم أنا صباح وإخوتي عبد المنعم، وعز الدين، وبراء، وآلاء، ورغد وحليمة، وأنتِ يا أمي معنا.

مر أسبوع واحد من شهر رمضان ونحن ماكثون في بيتنا بمعسكر جباليا، أستذكر فيه كيف كان يصدح صوتك البُلبلي بقراءة القرآن فيهز نسمات الفجر من جماله، وكيف كنتِ تقدسين وجبة السحور فتحضرين سفرةً متكاملة متنوعة وتوقظيننا واحدًا تلو الآخر، كان ذلك قبل أن نقرر الحضور إلى بيت خالي في "جباليا البلد" الذي وقعت فيه الحادثة.

عشنا في هذا البيت أجواءً إيمانية وأُسرية ممتعة، مع اجتماع الأحبة من الأقارب، نقضي النهار بالتنافس في قراءة آيات من الذكر الحكيم، وعند العصر نتعاون على إعداد الفطور يدًا بيد، ويذهب الرجال مساءً إلى صلاة التراويح في المسجد العمري الذي يقابل البيت تمامًا، وتصلي النسوة في البيت جماعةً يخلفها الصغار من الفتيات في مشاهد رمضانية خلابة.

انقضى الشهر الكريم بمتعته دون أن تحده سكين الحرب بعد، إلا أن عيدية المحتل كانت لنا فوق التوقعات؛ ففي مساء الثاني من شوال عام 2014م أخذت نيران القذائف الهوجاء تتجه بعشوائية نحو المسجد العمري وفي الشوارع والأرصفة، وعلى أسقف البيوت والجدران، ولم يسلم شيءٌ من نارها، فكلٌّ طالته صواريخ الطائرات.

استهدفت "قذيفةٌ" سور منزل بيت خالي، فظننا أنه صاروخ تحذيري وسيخلفه صاروخ (إف 16)، لذلك قررنا مغادرة المنزل، وأصبحنا ننزل على الدرج فرادى واحدًا واحدًا حتى لا تباغتنا قذيفة مباشرة، ثم تجمعنا عند مدخل البيت، وكان الخيار أن نخرج مجموعات كي لا نموت جميعًا، فخرجت أول مجموعة ووصلت بسلام، ثم كان دور المجموعة التي تضمك يا أمي وبراء وحليمة واثنتين من زوجات أخوالي وابنة إحداهن، وبمجرد خروجكم من بوابة المنزل انهالت عليكم قذيفة مباشرة أودت بحياتكم جميعًا وتركتنا مكلومين.

وصلت إلينا سيارات الإسعاف ونحن جرحى وخالي ينادي: "اللي عايش يسمعني صوته"، والركام والأنقاض تعلونا والغبار يتغلغل بدواخلنا.

لم أعلم كم مر من الوقت وأنا أجلس في ردهات مستشفى كمال عدوان أضمد جرحي، وإخوتي في "غرف الغيار"، عندما جاء الطبيب ليعطينا الخبر الأسود: "عظم الله أجركم في نهاد حمودة".

كنت إلى جانب زوجة خالي أم خليل، ولم أشعر هل الدنيا فوقي أم أسفل مني، وأخذ صراخي يضج في أركان المستشفى في كل حدبٍ وصوب، وهي تحتضنني، وأنا أقول: "كذابين كلكم كذابين، ماما عايشة"، ترى هل كان يمكن لصراخي أن يصمت صوت القذائف؟!

طفلة لم تتجاوز الحادية عشرة من عمري كنتُ حينها، فهل تتوقعوا أن قيامي بدور الأم سيكون سهلًا؟، وما الذي ينتظرونه من فتاةٍ فقدت أمها وطفولتها في الوقت نفسه؟!، لن أقلقك علينا يا أمي؛ فقد تحملت المسؤولية كاملة، ولم أدع بابا وإخوتي يشعرون بغيابك قط، أصبحت لهم أختًا وصديقةً وأمًّا حنونًا.

لم يكن الأمر هينًا، وأسندت رأسي على كتف زوجة خالي أم خليل التي لم تتركني البتة، وبعد شهرين اثنين فتحت المدارس أبوابها من جديد، وكما تعلمين كنت مقبلة على الأول الإعدادي ومرحلة دراسية جديدة وأجواء مختلفة وزيّ "كُحلي" اللون، فذهبت بصحبة زوجة خالي لاشتراء الزيّ ومستلزمات الدراسة، وكنتُ أرتديه في غرفةِ القياس عندما هللتِ عليّ بوجهك النوراني، والله لقد رأيتك تضحكين بمبسمٍ مشرق، وأخبرتها ففرحت بي مع حزنها العميق، ولمّا ذهبنا إلى خالي ارتديته وأخذتُ أتمخطر به أمامه وهو غارقٌ في الدموع؛ فما كان منّي إلا تصبيره والتهوين عليه.

أتذكرين كيف كنّا صديقتين مقربتين؟، حتى إن زميلاتي في المدرسة يستغربن إذا ما أخبرتهن بالأمور التي أطلعتكِ عليها؛ فقد كنتِ صندوق أسراري، وكنتُ لكِ القلب الصغير الواسع الذي يسمع شكواكِ دون أن ينبس بِبنت شفة، فأنا تربية يديكِ وأنتِ الأم المتعلمة والعاملة؛ فكنتِ تعملين في معهد حمود الشرعي معلمة، وأنتِ خريجة كلية أصول الدين وطالبة الماجستير في الجامعة الإسلامية، ومع كل انشغالاتك كُنا نحن وبابا أساس حياتك، وكلٌّ يُشهد الله على طيبك وحُسن خلقك النديّ.

أتذكرين كيف كنُا نعد الفطائر معًا في شهرِ الصيام ووجبة المحشو اللذيذة التي تشتهيها الروح من يديكِ؟، ولم تخل آخرِ أيام رمضان من إعداد الكعك والمعمول، وروائح خبزه الشهيّة تعبق الأرجاء، أما اليوم فلم نعد نعده مطلقًا بعد غيابك، راحت رائحته يوم رحتِ، ولن أخبرك عن النهار الرمضاني الأول كيف يكون بكائيًّا بامتياز، ويقضيه أبي في البكاءِ والعويل، وهو يردد: "لقد فقدت ذراعي اليمنى".

اليوم، ونحن نتشارك تفاصيل الحياة كافة تضمني رغد، التي كانت في سن ثلاث سنوات يوم رحيلك بين ذراعيها، وهي تقول إنني أمها وأختها وحبيبتها وصديقتها، ومع كل شيء لا تحسبي أني أصدق موتك أبدًا؛ فطالما جاءت المرشدة التربوية تسأل في الفصل عن طالبات يتيمات الأم، ولم أرفع يدي يومًا، وكانوا قبلًا وزعوا قرطاسية على الفتيات اللواتي فقدن أمهاتهن فرفضت قبولها، لأنك حاضرة في كل لحظة من حياتي، ولأني لن أصدق الأمر مطلقًا، فتصديقي إياه يعني موتي الحتمي، يا أمي.

مواضيع متعلقة: