​وحيدتان في البَراح

خان يونس - حنان مطير

"لو أنّ لي كوخًا تحت تلك الغيمة، وبين هاتين الزّيتونتين، أتنفس عليل الهواء صباح مساء، وأركض خلف النسمة، وأقطف من السماء نجمة، أعاكس شعاع القمر في الليلة الظّلماء، وتبلّلني رشّات المطر ذات شتاء، أنظر للأفق البعيد فألمح آمالًا وأحلامًا تتحقّق..".

خيالات ظلّت تلاحقني وأنا أسير تحت أشعة شمسٍ ظُهريّة وأغرس قدميّ في تلك الأرض الزراعية المنكوشة بعد أن فَتَحتْ قلبها الجاف لاستقبال البذور واستعدت للارتواء من أمطار الشتاء القريبة.

في منطقة شبه خالية من الناس شرق مدينة خانيونس سرت برفقة كامل وإنعام أبو طعيمة باتّجاه تلك المرأة وأمّها التسعينية اللتين تعيشان حياة البساطة، بساطة لا يحتملها العقل ربّما! تارةً نمعن في تفاصيل الفّراغِ النّظر، وأخرى نلتقط "سيلفي" الصور، فعظمة الله في تلك المنطقة تجلّت في كل مشهدٍ ومنظر.

الصديق الوفي..

يا إلهي! كلب.. "ومش" مربوط! تقدّم يا كامل فأنت "القبضاي" الآن وهذه فرصتك لتثبت لنا ذلك! راح الكلب يعوي، وتحت قدميّ قلبي يهوي، حتى انتفض الكلبُ من مكانِه وانطلق يركض..

آه يا قلبي.. تنفّستُ الصعداء وحمدت الله، فنحن جميعنا بخير، فقد انطلق عكس اتجاهنا، ضحك كامل وقال: "يبدو أن الكلب خائف منكما، وهرب بعد أن أخبر "فوزية" بأن أحدًا قادم"، التفتُ لإنعام ورفعتُ شيئًا من حاجبي وكتفي تعجّبًا كما فَعَلَت هي تمامًا، فضحكنا لتشابه انفعالِنا ثم أكملنا المسير باتّجاه بيت فوزية أبو مصطفى، التي خرجت لاستقبالِنا قبل أن ندق باب بيتها الصّدئ من صفيح "الزينكو".

فالكلب بالفعل ذهب ليُعْلِمها بقدومِنا كما أخبرنا كامل، المهم؛ مدَدتُ يدي لأصافِحها وقد شَمَرت قليلًا عن يدِها، فأنْزَلَت ذراعَها قليلًا كي لا تُلامِس كفّي كفَّها، فهيئتها تبدو أنها منهمكة في تنظيف شيءٍ ما، لكنّ وجسي من أن ترفض محادثتي دفَعَني للتقرّب إليها أكثر والإصرار على مصافحتِها كفًّا بكفّ وبالتالي ملامسة أشياء رطِبة على يدِها بابتسامةٍ عريضة ودون التفكير في ذلك الشيء الذي تنظّفه، ومثلي فعلت إنعام مضطرة.

سألتها عمّ تفعل وما زالت ابتسامتي لا تغادرني، فردّت بكل هدوء وبادلتني إياها: "أنظف تحت النّعجة".. تلاشت ابتسامتي شيئًا فشيئًا وبلعتُ ريقي وتخيّلتُ أشياء تحكّ كفّي، وتمنّيتُ لو أني لم أبالِغ في تقرُّبي! فينالني من روث نعجتها وبولها ما نالني.

الوقت ليس وقتًا للدّلع والبحث عن ورق مبلّل ومُعطّر، ففرصةُ بقائنا في بيتِها والحديث معها قد تضيع في لمح البصر، وأنا التي أحبّ الدخول في تفاصيل البُسطاء والحديث إليهم، في حين أن لا أحد يدخل بيت فوزية وأمِّها غير ذلك "الوفيّ" صاحبها الكلب، وتينك القطتين، إحداهُما كالليل الحالك والأخرى كنور الشمس، "فلتهدئي يا إنعام ولا داعي لتلك النظرة المستفَزّة".. غمزتُها وهي تمسح يدَها وتلحظني بمؤخرة عينٍ غاضة.

مسكن لا يُطاق!

كانت فوزيّة -44 عامًا- تشعر بالحزن الشّديد، فقد سرق أحدُهم إحدى النعجتين في حظيرتِها وهرب، تقول لـ"فلسطين" وقد اشتدّ بها الغضبُ: "أعرف من سرقها إنه واحد من أقرب أقاربي، ذهبتُ للشرطة وشكوتُه قبل قليل".

فوزية التي لم تكن قد تناولت طعام الإفطار بعد بسبب انشغالِها في أمر نعجتيها، تعيش مع والدتِها على أرضيةٍ بلا بلاط وبين جدرانٍ معتمةٍ بلا دهان، بينما أبواب بيتها الخشبية نهش "حلقَها" الزّمانُ.

تتوسط ساحة البيت الصغيرة شجرةُ زيتونٍ قصيرةٍ فتزاحِم هاتين المرأتين المكانَ، جعلت فوزيّة من فروعها حِبالًا ونشرت عليها أكوام الغسيل والبطاطين فأضاعت بهجة خُضرتِها، لكنها ما تزال مثمرةً وتعطي زيتونًا شهيًا.

وبظَهرٍ مُنحنٍ قطفت العجوز "صالحة" والدة فوزيّة كميةً من الزيتون ووضعتها في وعاءٍ أمامها على استعداد لدقّه، وراحت تطلب من ابنتِها أن تصنع إبريق شايٍ جديدًا، غير ذلك الذي تناولته صباحًا مع قطعة خبز "حاف"، بينما فوزيّة تؤجّل الإجابة لكثرة ما ملّت من طلباتِ العجوز.

بلا تفكير ولا أحلام!

تلك المرأة البسيطة فوزيّة تشارك بالعمل في العديد من دونمات الأرض الزراعية من حولها، تمضي حياتَها فيها تزرع القمح والشعير والبازيلاء وغيرها من البذور، حتى تصبح أرضًا يانعةً خضراء ويأتي موعد قطف الثمار، تأخذ من الثمار ما تشاء لها ولوالدتها، ولا تنسى أن تطعم "حمارها" الذي صفّته بعربتِه خارج بيتها فاستفزّ هدوء الطبيعة بنهيقِه.

وفي ليالي الصيف الحارّة وبعد أن تلسعها الشمس وينهكها التعب من العمل في تلك الأرض أو يساورها الملل؛ تفترش رمل بيتِها وتستأنس بوريقات الزيتون المغبّرة بجوارِها ثم تنام تغطّيها العتمة، دون أن يباغتَها في الليل فكرٌ أو قلق أو حلمٌ! تعبّر: "الليل يطوي صفحة يومِي بحلوِه ومُرّه".

تذكّرت حالتي حين يتملّكني النّعاس والإرهاق وفي خلدي يدور بعضٌ من "فكرٍ"، وكيف يُجنّ جنوني حين لا يسعفني النوم ولا حتى الغفوة، فأبقى تارةً أُناظر سقف الغرفة، وأخرى أراقب أشباح العتمة، فراحة بالهما التي يفتقدها الكثيرون من أصحاب الفِكر أو القلمِ أو أصحاب البيوت الجميلة والمناصب الرفيعة لا تعوض بثمن.

فوزيّة امرأة أمّيّة لم يُكتَب لها الزّواج، تعيش بالأساس على "كوبون" الشؤون الاجتماعية وتقتات منه، إنها لا تخالط الناس أبدًا وتأوي مع والدتها في بيتٍ أسكنهما فيه رجل من أهل الخير طوال سنيّ عمرهما الماضية حتى اليوم، هاتان المرأتان تعيشان حياة سعيدةً وذهنًا خاليًا من الهموم بالرغم من كل البؤس الذي رأته عينيّ ورسمته الكاميرا!

بحثت عن صاحب الأرض وفاعل الخير هذا، فكانوا أبناء المرحوم محمد سلمان أبو حمد، تحدّثت إلى أحد أبنائه السيد سامي أبو حمد، فقال لـ"فلسطين": "هاتان المرأتان تعيشان حياة لا يقبلها عقل، إنه بيت غير صالح للعيش، لكنهما سعيدتان وغير مكترثتين لشيء، ما يدعوني للعجب ويشعرني بالاستفزاز"، وكان أبو حمد قد عرض على أخ فوزية أن يبني لهما في بيتِه غرفةً على حسابِه الشخصي مقابل خروجهما من البيت في تلك الأرض لكنهما ترفضان رفضًا قاطعًا وتضربان بعرض الحائط كل الحديث حول إخراجهما!

يضحك أبو حمد مستنكرًا: "إنهما مرابطتان هناك، يقولان إن البيت الذي وُلدتا فيه تموتان فيه ولن ينتقلا لغيره!"، لكن رزانة عقل أبي حمد تمنعه من إجبارهما على الخروج رغم عدم تقبّله لتلك الحياة التي يراها غير آدمية، وتشوّه الجمال الطبيعي في أرضِه، بل ويتركهما تسرحان وتمرحان فيها كيف ووقتما شاءتا!

سعيدتان بكل حال

"هل أنتِ سعيدة في حياتِك يا فوزية؟".. تبتسم مستغربةً سؤالي: "الحمد لله مبسوطة"، طيب.. "هل ينقصك شيء؟ هل تحلمين بتحقيق شيء؟".. "لا أبدًا عندي كلّ شيء" ترد بعفوية وأنا التي لم أرَ من الطعام غير بضع حبّات بندورة بجانب مخدّتها وبعض أواني الألومنيوم القديمة والمطروقة، و"سخّانة" ماءٍ مطلية بسخام الدخان، ومطبخ مكركب شبه خالٍ من الطعام، جذبت رائحتُه "المكمورة" أنوف القِطط لتسرح فيه وتمرح.

"هل يضايقك أحد؟.."، أصلًا أنا لا أخالط الناس، لكن "الطّنيّات" وتقصد الأطفال الصغار يزعجونني كل صباح، فيأتون ويقذفون الحجارة على البيت، فيخرج الكلب نابحًا ويخيفهم"، فيهربون خلف أشجار الصبّار هذه".. تُشير بذراعِها لتلك الأشواك المتجذّرة حول البيت، وكانت فوزيّة قبل أيامٍ قليلة من زيارتنا لها قد قطفت ثمار الصبّار وانطلقت بها على عربة "الكارو" لبيعها وتحصيل رزقِها اليسير.

لم أرد إطالة الحديث معها أكثر فعلاماتُ الملل باتت تأخذ من ملامِحها شيئًا، شكرتُها، وودّعتُها وغبطتها على راحة بالِها التي باحت بها كلماتها البدويّة القليلة المُبعثرة، وأشفقت عليهما لبقائهما على ذلك الحال بعيدتين عن الناس مدفونتين بين صفيح الزينكو ودخان الحطب، ثم عدت ورفيقيّ طريقي من جديد نغرس أقدامنا في الأرض التوّاقة لأمطار الشتاء.. وها نحن..